الواو في العنوان ليست للعطف أو المعية إنما هي للمغايرة والمقابلة والتضاد، فلا جامع بين الكلمتين إلا كالذي يجمع بين الليل والنهار. هذا تنبيه فتأمله!

   وتنبيه آخر للذين لا علم لهم ولا دراية بالمكانة “الاعتبارية” لمصطلح “المخزن” في التاريخ السياسي المغربي: في أي دركات القهر وُلد؟ وفي أي سراديب الاستبداد وأنفاق الطغيان نما وترعرع حتى انتهى إلينا سماًّ زعافا معتقا؟. نقول: اعلم عافاك الله أن المخزن كلمة في القاموس السياسي المغربي إذا أطلقت انصرفت إلى صنوف القهر والاستبداد والطغيان وألوان الظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وما شئت من أنواع الفساد الإداري ونهب المال العام واستغلال النفوذ والجهل والتجهيل والقائمة تستعصي على الحصر. ولمحبي الاختصار نقول: المخزن اسم جامع لأنواع الشر، فافهمه !

   بعد التنبيه أمضي في تفصيل القول عن الحرية والمخزن وما بينهما من خصام وشقاق، وسبب النزول طبعا هو الحملة التي يشنها المخزن على جماعة العدل والإحسان وأبناء العدل والإحسان، حملة لم يفت “نبيلهم” شاعر القبيلة أن يجعل لها هدفا نبيلا هو الآخر وهو تحصين الخيار الديمقراطي وبشعار كل الطغاة: “حماية الحرية من أعداء الحرية” = رمتني بدائها وانسلّت!

   للمخزن فيما يعشقه مذاهب وجنونه فنون وألوان وله مع الحرية أحوال وأطوار وأقوال تكذبها الأفعال. ففي كل نشرة أخبار تتبارى الأبواق المخزنية في تدبيج العبارات الفخمة السالبة للألباب وفي انتقاء أحسن نعوت المديح والإطراء لمغرب الحريات، مغرب الديمقراطية الفلانية، مغرب حقوق الإنسان والعهد الجديد الوارث طبعا للعهد “الزاهر” وما تفضلت به علينا الأيادي البيضاء، وهلم جرا وفخرا!!!

   مؤخرا احتفل المخزن بمرور خمسين سنة بمناسبة حصوله على الاستقلال واسترجاعه لحق استغلال البلاد والعباد فلم يفته بالمناسبة أن يقف ليمنّ علينا بما وفره من حريات وضمنه من حقوق. لكن حبل الكذب قصير وكلام الليل يمحوه النهار كما قال الشاعر، فواقع الحال يظهر زيف الادعاء، ويكشف سوءة المخزن، ولئن حاول جاهدا أن يخصف عليها من ورق الأقلام المأجورة والمجلات الصقيلة الملونة والأحزاب المسبحة بحمده بكرة وأصيلا، فما كان ينعت بالعهد الزاهر عهد الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان جاء شهود من أهله ليكشفوا بعض المستور وليتحدثوا عن سنوات الجمر والرصاص. فرأى الناس حجم البشاعة التي كانت تتوارى خلف الابتسامات الأنيقة والأيادي المتظاهرة بالعطف والحنان.

   لكن من مكر المخزن وسحره أن جمع دعاة الحرية وأعداء الحرية على “طعام” واحد، الضحية والجلاد جنبا إلى جنب، بل أن يتحول ضحايا الأمس إلى جلادين جدد مدافعين عن القمع، إنه سحر عظيم فاعتبروا يا أولي الألباب.

   الحقيقة أن المخزن يتعامل مع الحرية كما، وأنها بعض أملاكه أو ضيعة من ضيعاته (الكثيرة للتذكير)، فتراه ينفق منها ويوزع الجرعات بمقدار. يعطي بسخاء حاتمي لمن أرادها لعبا ولهوا وزينة وتفاخرا في فنون الميوعة والمسخ والابتذال، وهو بها شحيح نحيح على من استعصى على الترويض والتمخزن ورفض أن يبتاع الحرية بالتقسيط، لهؤلاء وُجد المنع والقمع والسيف والنطع.

   إن خطر المخزن على الحرية وإرادة التحرر لا يكمن في سجونه وجلاديه فلو كان الأمر كذلك لعجز عن الاستمرار كل هذه القرون ولما أمكنه التجدد والتلون في كل وقت وحين، لكن الخطر كل الخطر في جحافل السحرة الدائرين في فلكه الذين يسحرون أعين الناس ويسترهبوهم ويئدون كل رغبة في الانعتاق، يتسربلون إما في جلباب العلماء بالدين وأصوله القادرون وحدهم على فهم دقائقه وغوامضه، أو في بذلة السياسيين الخبراء المحنكين العارفين بخبايا الأمور المستوعبين لمعطيات الداخل والخارج، هم على وقوف دائم على أعتاب المخزن دائرون معه حيث دار مائلون معه حيث مال، هؤلاء لا خبر عندهم عن الحرية والتحرر.

   لكن نهمس في آذانهم همسا لطيفا أن “ما جئتم به السحر إن الله سيبطله” وأن يد القدر قد ألقت عصا موسى وهي الآن تلقف ما صنعتهم فهل ستذعنون للحق وتخرون لله سجدا أم ستكونون ممن يستخفهم فراعنة المخزن فيجرفكم الطوفان: “أتى أمر الله فلا تستعجلوه”.

   ونعود إلى حسنائنا الجميلة “الحرية” التي لا تخطب ودّ الرعاع الجبناء وتستعصي على الطغاة الجبابرة، لنعزيها عزاء جميلا في كل الشهداء الأحرار الذين سقطوا دفاعا عنها وفي كل السجناء الأبطال الذين أسروا فداء لها، ونُسر لجميلتنا بشرى غالية جاءتنا مخترقة سُجُفَ الغيب عاجلة من الملك الوهاب أن شمس الظالمين أذنت بالأفول، ونستسمح الشمس على هذا التشبيه المنكر فإنما القصد نارها لا نورها، ففي الغد القريب إن شاء الله تعودين من منفاك إلى أرض الوطن فقد آن أن يعود للبلاغ العمري: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” وهجه وضياه. هذا بيان للناس.