“البلدوزر” المخزني لاقتلاع الرياحين   منذ ما يزيد عن الشهر ويوميات الاعتقال، واقتحام المنازل، وترويع الآمنين، والسطو على الممتلكات، وتشميع البيوت مستمرة في صفوف “جماعة العدل والإحسان” على امتداد التراب المغربي. والصفة الملازمة لكل هذه السلوكات المشينة أنها تقع خارج القانون، وقد جندت لها كل أصناف القوى الأمنية، ناهيك عن “زوار الليل” الذين يعيدون كتابة حاضرنا بنفس المداد الذي كتب به تاريخ مغرب سنوات الجمر والرصاص، فهل ننتظر في المستقبل القريب من يعيد محاكمة هذه المرحلة كما فُعل بسابقتها؟.

   إن النظام السياسي باتباعه هذه الأساليب الهمجية إنما ينكث غزله بيديه، وينسف بملء إرادته كل الشعارات الجميلة التي ما فتئ يبشر بها: دولة الحق والقانون، التعددية الديمقراطية، المفهوم الجديد للسلطة، التنمية البشرية… ليلوح في واقعنا وجه المخزن البشع الذي يؤمن بالصوت الأحادي في كل مقارباته، والذي يعتقد منطق: “إما معي أو ضدي”، ويتحرك كالبلدوزر ضد مناوئيه ليأتي على الأخضر واليابس، وإلا فما معنى أن يشمل قمعه أيام إعذار طبية لصالح أبناء المستضعفين! وما معنى منع التلاميذ من دروس التقوية التي كانت تشرف عليها بعض الجمعيات! وما الذي يفسر ضرب الشباب الساعي إلى حفظ كتاب الله تعالى بالهراوات !…. هل يشفع في كل ذلك أن من المساهمين في أمثال هذه المبادرات الحضارية أبناء وبنات العدل والإحسان؟ أم هي طريقة مخزنية مبتكرة في الاحتفاء بالذكرى السنوية الأولى من إطلاق “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، والتي لم يبق منها إلا الذكرى!

   إن يوميات الاعتقال هذه تثبت وتنفي وتوضح: تثبت أن جماعة العدل والإحسان ما زالت وفية لمبادئ انطلاقتها، وأنه “الإسلام أو الطوفان”، ومبدئيتها لم تمنعها من التطوير الهائل لأشكالها التنظيمية وأساليبها في مقاربة الواقع المغربي.

   كما تثبت أنها جماعة إسلامية الهدف، شعبية الصف، وأن الرفق مرتكز دعوتها، فهي لا تعتد بعضلاتها التنظيمية أمام أي كان، بل نهجها الأصيل أن تقابل العنف بالصبر، والتهديد بالثبات، وشدة القمع بفتح واجهة “حسبنا الله ونعم الوكيل”.

   وتنفي يوميات الاعتقال هذه عن النظام السياسي كل قيم الدولة الحديثة، فتُخرج المخزن من عباءة التخفي إلى واقع التجلي. يتكلف النظام السياسي الخطاب والمظهر الديمقراطيين، لكن أسس التعامل الديمقراطي لا تسعفه في مواجهة من يعارضه، فيرتد إلى جلبابه المخزني حيث يتماهى مع مفردات: القمع، والترهيب، وهيبة الدولة، والتعليمات… وهي كلها معاول تقبر شعاراته الرنانة، وتفضح نوع المشروع المجتمعي الذي يريد أن يجعله سرمدا على المغاربة.

   كما توضح هذه اليوميات أن حمى الإسلام مستباح، وخطوطه صفراء باهتة تداس بالأقدام، ولا تعار شعائره أدنى اهتمام، وإلا فكيف يتصور عاقل أن تمنع مجالس يباهي الله بها ملائكته بالعنف وكسر العظام! وكيف يستسيغ ذو مروءة أن يعتقل مؤمنون لأنهم ضبطوا بالجرم المشهود وهم يحفظون كتاب الله عز وجل! في حين تتناقل وسائل الإعلام خبر أحد قواد “العهد الجديد” في مدينة آسفي الذي اقتحم حرمة مسجد، فبعثر فيه ألواح حفظة القرآن الكريم، وكال الشتم والسب لإمامه الراتب دونما رقيب أو حسيب. فهل هذه هي الصورة التي يريد المخزن تسويقها: إنني أتسامح عند الاعتداء على حرمات الدين، لكن لا تمسوا حرماتي! إنه خطأ فادح وشنيع بموازين الدين والسياسة معا.

شركاء بالصمت   تميزت يوميات الاعتقال بطول المدة، واتساع الرقعة، وكثرة المعتقلين، وشراسة التدخلات العنيفة، وهذه كلها مميزات ظاهرة للعيان، لكن ما يثير الاستغراب هو صمت أكثر المنابر الإعلامية المغربية عنها وكأنها تريد أن تجعلها باللاحدث، أو كأنها أمور عادية، أو حتى لا يتم إكساب جماعة العدل والإحسان نقطا إضافية في صالحها.

   هناك مثل فرنسي يسخر من غباء الديك الذي يظن أنه لولا صياحه لما طلعت الشمس، وهو نفس الوهم الذي يلحق الصحفي الذي يظن أنه بعدم الإعلان عن الأحداث فكأنها لم تقع. وإنما هي مصداقية منبره التي تتآكل مع الأيام. نعم يظل لكل إعلامي حرية التعليق، ولكن قبلها نقل الوقائع إلى المتلقي بأمانة.

   لكن الطامة الكبرى التي تستوقف المراقبين هو صمت التنظيمات السياسية عن حرب المخزن ضد جماعة العدل والإحسان بطرق غير أخلاقية وغير قانونية، فقد جف ضرعها حتى عن إصدار البيانات المنددة بهذه الأفعال المنافية لكل عرف ديمقراطي. إن ذلك يضعنا أمام ثلاثة احتمالات: إما أن النخب السياسية ترى أن الأشكال المتبعة من طرف المخزن في مواجهة العدل والإحسان لا تخرج عن السياق القانوني والديمقراطي، وإما أن الطبقة السياسية تمنح تزكية غير مشروطة للمخزن في انتهاج كل الأساليب لمواجهة جماعة العدل والإحسان تحديدا، وإما أن هذه النخب بلغ بها الضعف مبلغا لا تستطيع معه أن تُسمع للمخزن حسا أو ركزا.

   إن كل هذه الاحتمالات تضع النخب السياسية في مأزق عميق، وإلا فكيف يشرح المدعون للديمقراطية هذه الهجمة الشرسة على تنظيم أثبتت عدة محاكم قانونيته، وكيف يعقل أن تداهم البيوت وتقتحم، وتشمع الأبواب دون إذن قضائي، ومن يعطي للأجهزة الأمنية الصلاحية في كسر الجماجم، ولماذا تنسف أنشطة جمعيات بعد أن تكون قد استوفت كل شروطها القانونية…

   أما إذا كان هذا الصمت مبعثه أنه موجه للعدل والإحسان اقتصارا، فعندها تكون النخبة السياسية بصدد إعادة كتابة السيناريو التونسي السيئ الصيت، فإن المخزن إذا انفرد اليوم بالعدل والإحسان فإنه سينفرد غدا بآخرين، إذ أن شهية الاستبداد لا حدود لها، وكلنا يلحظ هجماته الشرسة والمستمرة على الصحافة الحرة، ومدى قسوة تعامله مع جمعيات حقوقية تأتي “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” على رأسها، ومن منا لا يتذكر الأيام العصيبة التي عاشتها “منظمة العمل الديمقراطي” بسبب خروجها عن الإجماع الصوري في الموقف من دستور 96… ثم هل يبقى من شعار “النضال الديمقراطي” من معنى إن كان الصمت عن سلطة الاستبداد هو شرطه الأولي.

   أما إذا كان المتحكم في هذه المواقف هو السياسة السياسوية للتنظيمات الحزبية، فعندها لا فائدة من ضرب الحديد البارد، وإنما المبتغى عندها قرع الأبواب متسائلين: “أليس فيكم رجل رشيد؟”.