يبدو أن الصواب قد حالف من تكهن أن 2006 لن تكون سنة عادية منذ الإعلان عن إصابة هتلر العصر وسفاحه “شارون” بالجلطة الدماغية. ولربما بات الأمر الآن أكثر وضوحاً وأقرب إلى تصديق من راهن على تفرد هذا العام بوقائع وأحداث هي في حد ذاتها مقدمات ومؤشرات لمخاض ينبئ بتحولات عميقة تطال العالم بأسره.

ولن يفوت المتتبع الفطن قراءة ذلك من وراء “الغابوية” التي بلغت ذروتها ومنتهاها هذه الأيام في لبنان، حيث الدك المتواصل لدولة زعم واضعو القانون الدولي وحماته الكبار أن صفة “السيادة” تحميها من مجرد الاعتداء، فإذا بكيان غاصب يستبيح بنيتها التحتية وأطفالها ونساءها ويفرغ عليهم الأطنان من الصواريخ والأسلحة المحرمة دوليا وبتواطئ وتبادل إشارات وتنسيق غير سري مع ممثلي هيئة الأمم المتحدة ضد الجنس البشري المسمى “مسلمين”.

ولِمَ نعاتب المنتظم الدولي بيهودييه ونصاراه ولادينييه وسائر ملله إن كان حكامنا من بني جلدتنا لا يتورعون عن عرض كرامتنا وديننا وحاضرنا ومستقبلنا في المزاد العلني بسخاء، بثمن بخس يفاجئ الكيان الغاصب نفسه؟

ومن أي المواقف المترهلة المخرومة للأنظمة العربية التي لم تعد تبالي ذما ولا عاراً. فما هي إلا خشب داخلتها عوامل التعرية حتى تآكلت، فليس لها قيامٌ ولا انتصابُ هياكلَ إلا باستنادها إلى حائط الأسياد المستعمرين المنيع المحصَّن بالاستنزاف المنهك لخيرات الشعوب الخاضعة لا تزال للاستعمار الذكي: حكام يرطنون اللهجة المحلية يديرون قطعاناً بشرية بالوكالة عن المستعمر موظفين “أفيونات” تؤبد التنويم المغناطيسي من قبيل الراية والنشيد الوطني والعملة والحدود والفلكلور وسائر “المخدرات” البارعة في تسويق خدعة “السيادة”.

إن تدمير لبنان مع فلسطين ما هو في الحقيقة إلا نَزْعٌ دام مروِّعٌ لآخر ضرس منخور في فم النظام العربي الشائخ. وستظل تداعيات هذا “النزع الأخير” تتفاعل حتى يأذن الجبار سبحانه بحمل جثمانه إلى حيث ينادى غير مأسوف عليه: “صلاة الجنازة رحمكم الله”.

لقد حان الوقت لتبادر القوى المجتمعية الحية إلى قيادة الشعوب نحو انعتاقها من كلكل جثامين عفنة لطالما عانت الأمة أوبئةً مزمنة متلاحقة من استعصائها على التحلل. فهذا أوان “جهاد الانعتاق” بعد أن لاحظ المتتبعون ازدياد وعي الشعوب بأن أنظمتها هي مناط هوانها وهلاكها. وتكفي إطلالة سريعة على المنتديات والدردشات والتعليقات وحلقات النقاش على شبكة الأنترنت، وآراء الشارع العام والمداخلات والاستفتاءات على القنوات الفضائية، ونوعية الشعارات المرفوعة في الوقفات والمظاهرات والاحتجاجات، حتى يتيقن الملاحظ العادي أن القدر الإلهي يهيئ الأمة للنفخ في صور نظام عربي لا يظن الساعة قائمة، ويجيش استخباراته لمعركة الخلود.

ومن صميم مكر الله تعالى ما نراه اليوم من تسابق حكامنا المؤبدين على رقابنا للرفع من وتيرة أداء مناسك الولاء وفروض الطاعة، ومضاعفة أشواط طواف الإفاضة حفاة عراة لولاة نعمتهم السادة الصهاينة اليهود المفسدين في الأرض، احتماء بهم والتجاءً إلى حصنهم. وما ذاك إلا ليكون انْجِعافُ هاته الأرُزَّة الصماء مرة واحدة، ما دام أصل هذا الخبث واحداً.

“صلاة الجنازة رحمكم الله: جنازة أنظمة عفنة”. ليكن هذا الوضوح بهذا القصد والحسم شعاراً تستقبل به الأمة قدر الله النازل بفضله تعالى فتحاً ونصراً ورحمة وهداية للعالمين.