العنوان الكامل للباب السابع من كتاب “استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم” من صحيح الإمام البخاري رحمه الله هو كما يلي: “باب من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر الناس عنه”. فقه العنوان أن الإمام يقدم في اعتباره هدف تألف الناس على الإسلام واستمالتهم إليه على عقوبة المخالفين. ولو كان المخالفون معاندين للدين يستحقون القتال.

      وجاء رحمه الله بحديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن ذي الخُوَيْصِرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم فقال له: اعدِل يا رسول الله! فقال له: ويلك! ومن يعدلُ إذا لم أعدل! قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عُنُقه! فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

      وعند الإمام مسلم حديث مثله عن جابر أن عمر قال: “دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق! فقال صلى الله عليه وسلم: “معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي!”.

      الحديثان واضحان في أن الإمام يحافظ على سمعة الإسلام، ويكره مقالة الناس عنه، ويترك العقوبة للتألف ولئلا ينفِرَ الناس عنه.

      في سياق الحديث عن تطبيق الشريعة وعن إرادة الإسلاميين المرشحين للحكم، الزاحفين إليه، نجد هذا الحديث وأمثاله من سنة خير البرية صلى الله عليه وسلم، فنقف عنده بإجلال لنقي أنفسنا والمسلمين والناس العطب. ولنتعلم عن أي شريعة نتحدث: أَعن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم الرحيمة البانية، شريعة الدعوة إلى الله، أم عن شريعة الزجر والوزع والوعيد قبل أي كلام؟

      يقول “الناس” إن الشريعة قديمة لا تستجيب لحاجيات العصر. وهي لقِدمها قاسية قسوة تلك العصور البدوية الصحراوية التي نشأت فيها. فهل تُرانا ننكمش أمام هذا “الرأي العام” الذي يصنعه أعداء الإسلام فننكر أن الشريعة فيها شيء من الحدود والغلظة على المجرمين؟ كلا والله! فالحدود المنزلة دين من الدين واجبة التطبيق. لكن في تدرجها، وفي مكانها من الكل الشرعي. هي جزء من الشريعة لا كلُّها. هي سياج حام للبستان، ليس السياجُ هو البستان.

      الحدود الشرعية والعقوبات واقيات وزواجر تحفظ بناء الدين من الهدم، ومقاصده من سطو المعتدين. فمن جعل في حسابه الزواجر مرتكزا للبناء فقد جهل الدين. ومن حدث نفسه بتعطيل شيء منها جهلا وتأويلا فقد ضل. ومن جحد شيئا منها فقد كفر. ليكن هذا مقررا عندك سيدي!

      بعد هذا فالشريعة الدعوة، الشريعة البناء، يسر وتبشير ورحمة وتقديم في الاعتبار الكلي على الجزئي ولمصلحة الإسلام وسعته على عقوبة الأفراد. إلا أن يكون في مخالفة الأفراد تهديد للحمى يرجَحُ ضررُه على مصلحة التألف.

      في كتاب الله تعالى 6236 آية، منها ثلاثون تفصل الحدود والعقوبات. واتفق علماء الأمة على أن الحدود المقدَّرة في الشرع ستة، واختلفوا في أخرى.

      اتفقوا على أن المرتد يُحد، والقاتل العامد، والشارب، والزاني، والقاذف، والسارق وقاطع الطريق.

      فأما المرتد فردته تهدد ركنا أساسيا من مقاصد الشرع وهو حفظ الدين. والقاتل يهدد مقصد حفظ النفس، والشارب يهدد حفظ العقل، والزاني والقاذف يهددان حفظ النسل والعرض، والسارق وقاطع الطريق يهددان الأموال.

      شرعت الحدود لدفع الضرر الآتي من أمهات الجرائم والخبائث. وأحاط الشرع بينة الزنى بشروط مشددة ميلاً لتبرئة المتهم. فإن لم يتوفر أربعة شهداء يصرحون بطل الحد. وإن نكص أحدهم أو بعضهم أقيم عليه حد القذف. فلا تجد في سجلات الإسلام على عهد عافيته إلا حالات نادرة جدا لحد الزنى يحكيها الأجداد للأحفاد.

      تشدد الفقهاء المالكية في الحدود وعُرفوا بذلك. وجمهور الحنفية والشافعية والحنابلة على أن السارق لا يُحد إذا سرق من مال قريب من آبائه أو أبنائه، أو سرق من غير حِرز، أو سرق من شريك، أو من بيت مال المسلمين إن كان له فيه حق، أو سرق أحد الزوجين من زوجه، أو سرق في وقت الغلاء والمجاعة.

      كل هذه الاحتياطات تغليب لجانب درء الحدود، وجانب العفو، وجانب الستر. وإن الله عز وجل أوصى أولياء القتيل بأن لا يسرفوا في القتل قصاصا في قوله تعالى: “ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل” (سورة الإسراء، الآية33). جعل له سلطة واختيارا أن يقتُل القاتل أو يأخذ منه الدية، ثم أوصاه أن لا يقتل وأن يعفو، فالعفو أقرب للتقوى. روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: “فلا يسرف في القتل” أنه قال: “بينة من الله أنزلها ليطلب ولي المقتول القوَدَ أو العقْلَ”. القوَدُ الدية يدفعها الجاني، والعقل الدية تدفعها العاقلة، وهي قرابة الجاني وعشيرته.

      جعل الله عز وجل بشرعته السمحة أسوارا بين الناس وبين العقوبة. سور وازع القرآن في قلب العبد، وسور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسور ستر المسلمين بعضهم بعضا، وسور دَرء الحدود بالشبُهات، وسور الشفاعة في الحدود قبل وصول الخبر للقاضي، وسور العفو، وسور ستر الإمام على الجناة، وسور وصية الله تعالى بأن لا يسرف في القتل. وفي الآخرة يناجي الحق سبحانه بعض عبيده بما جنوا ثم يسترها ويغفر. وهو الغفور الرحيم.

      في البخاري: باب إذا أقر بالحد ولم يبين، هل للإمام أن يستر عليه؟ أورد فيه أن رجلا اعترف للنبي صلى الله عليه وسلم بحد وجب عليه، فحضر الصلاة. فلما صلى الناس قال الرجل: يا رسول الله! إني أصبت حدا فأقم فيَّ كتاب الله! قال صلى الله عليه وسلم: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم! قال: فإن الله قد غفر له ذنبك!”.

      اعترف ماعز بالزنى فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعرض عنه ويقول: لعلك لمست! لعلك غمزت! لعلك نظرت! كل ذلك ليلقنه العذر. وقال صلى الله عليه وسلم لرجل يُدْعى هَزّالاً بلّغ عن ماعز: يا هزال! لو سترته بردائك كان خيرا لك!

      وقال صلى الله عليه وسلم: “لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة”. رواه مسلم عن أبي هريرة. وحديث: “ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله. فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة”. رواه الترمذي عن عائشة مرفوعا، وهو موقوفا على عمر بن الخطاب أصح. وهو حديث لقي قبول الأمة، فالحدود تُتَجَنَّبُ ما أمكن تغليبا للبراءة على التجريم.

      والتعافي في الجنايات مطلوب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب”. رواه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو.

      وبلغ من كراهية النبي صلى الله عليه وسلم للأخذ بالعقوبة أن سعد بن عُبادة سأله قائلا: أرأيت لو أني وجدت مع امرأتي رجلا: أَأُمْهِلُهُ حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم! أخرجه مسلم ومالك في الموطإ عن أبي هريرة رضي الله عنه. وزاد مسلم وأبو داود: قال سعد (وقد سمع نهي النبي عن قتله): بلى والذي أكرمك بالحق! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسمعوا إلى ما يقول سيدكم! وعند البخاري أنه قال: “أتعجبون من غيرة سعد! لأَنا أغيرُ منه، والله أغير مني”. ومع غيرته صلى الله عليه وسلم الشديدة على محارم الله، أثبت الشرط الشرعي، أربعة شهداء لكيلا تجرف الغضبيَّة الرحمةَ والرفقَ بالخلق.

      وبعد، فإن في تطبيق الحدود مصلحةً للأمة لما تدفع عنها من أخطار تهجم على الدين والنفس والعقل والعرض والمال. وفيها مصلحة للمحدود لما تطهره من رجس عمله، ولما تجنبه بعذاب وقسوة عابرين عذاب الآخرة. ذلك كما يفعل الطبيب بالمبتلى. قال الإمام الشاطبي رحمه الله في “الموافقات”: “وكون هذا الجزء (من العقوبة) مؤلما وشاقا مُضاه لكون قطع اليد المتآكلة وشرب الدواء البشيع مؤلما وشاقا. فكما لا يقال للطبيب إنه قاصد للإيلام بتلك الأفعال فكذلك هنا، فإن الشارع هو الطبيب الأعظم”.

      عند شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله فقه غاية في الرفق والحكمة فيما يتعلق بالحدود، أورده في أول الجزء الثالث من كتاب “إعلام الموقعين”. ذكر أن إنكار المنكَر له شروط أهمها أن المنكَر لا يُزال إن خيف وقوعُ أعظَمَ منه. ولا شك أن ما فعله ويفعله في زماننا بعض الحكام من الإسراف في القتل والبتر، يطبق ذلك على من لا سند له في عالم المحسوبيات والوسائط، مُنكر نكير.

      وذكر رحمه الله الأدلة على أن الحدود لا تطبق في الغزو، واستشهد بإسقاط عمر بن الخطاب حد السرقة عام الرمادة. وذكر كيف غرّم عمر رجلا جاءه بغلمان سرقوا لأنه يستعملهم ويجيعهم. أقام عليه العقوبة لا على الغلمان.

      وتحت عنوان “التائب يسقط عنه الحد” جاء ابن القيم رحمه الله بقصة رواها الإمام النَّسائي رحمه الله عن امرأة عدا عليها رجل فزنى بها، فاستغاثت فأغاثها رجل. ثم مر جماعة فقبضوا على المغيث. فاتهمته المرأة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم يحده قام الجاني الحقيقي فاعترف. فعفا عنه صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: ارحمه! فقال صلى الله عليه وسلم: إنه قد تاب!. هكذا الرأفة بمن تاب وبمن صلى مع الجماعة فغفر الله له.

      قال ابن القيم معلقا على هذه القصة: “وأما سقوط الحد عن المعترف، فإذا لم يتسع له نطاق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأحرى أن لا يتسع له نطاق كثير من الفقهاء. ولكن اتسع له نطاق الرؤوف الرحيم (…). ولا ريب أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعا واختيارا خشية من الله وحده وإنقاذا لرجل مسلم من الهلاك وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل أكبر من السيئة التي فعلها. فقاوم هذا الدواء ذلك الداء. وكانت القوة صالحة فزال المرض. وعاد القلب إلى حال الصحة. فقيل: لا حاجة لنا بحدك!”.

      والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.