و نحن نتابع هذه الحملة المسعورة على جماعة العدل والإحسان، لا يحز في نفوسنا فعل حكام الجور فينا فهذا ألفناه و اعتدناه، إنما الذي يدمي القلب و يجعل الحليم حيران هو هذا الصمت المطبق من قبل الديمقراطيين والأحزاب العريقة المناهضة لكل جور زعما ووهما، وحتى وإن تكلموا فلكي يباركوا أو يشجعوا فعلة الجاني، خوفا على “ديمقراطيتهم”، من خرافات هؤلاء الظلاميين، أن تجهض و هم قد بدلوا الغالي و النفيس لإرساء أركانها.

كان أحد المفكرين الغربيين”فولتير”- وهو ممن لا يكاد يخلوا كتاب من كتب الديموقراطيين من ذكره- يقول: ” قد أخالفك الرأي، غير أنني مستعد لأموت معك كي تبدي رأيك “. و إذا كان الاستدلال بقول غير المسلمين أمر لا حرج فيه، إذ الحكمة ضالة المسلم، فتعالوا نرى من التاريخ الغابر كيف وقف رجال مع العقل و الحكمة عوض التعصب و الهوى، و القصص إنما يروى للذكرى و العبرة ولا وجه للقياس فيه فلا نحن نماثل رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا أنتم تماثلون المشركين. وهي قضية محسومة في الفقه المنهاجي إذ لا نكفر أحدا.

أذكركم أن سراقة بن جعشم وهو الذي تبع رسول الله صلى الله عليه و سلم أثناء هجرته لعله يظفر بجائزة قريش، و كان كلما تبعهما عثرت فرسه فعلم سراقة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم و صاحبه ممنوعان فعاد أدراجه إلى مكة، وهو يصرف أنظار الناس عن طريق رسول الله صلى الله عليه و سلم.

و لينظر المحرضون على دعوة العدل و الإحسان، كم حارب النظام هذه الجماعة ولم تزدها الأيام إلا قوة وانتشارا، علم سراقة أن دعوة الله محصنة فعاد يلفت انتباه الظالمين عنها، و روج أنت أقراص الخرافة حتى تصدمك الحقيقة؟؟؟؟

وهذا مطعم بن عدي ،لما رجع رسول الله صلى الله عليه و سلم من الطائف إلى مكة ، قال له زيد:” كيف تدخل عليهم يا رسول الله وهم أخرجوك ؟” فقال :” يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا و مخرجا و إن الله ناصر دينه”. ثم أرسل رجلا من خزاعة إلى مطعم بن عدي يخبره أنه داخل مكة في جواره فاستجاب مطعم لذلك.

رجل مشرك يجير رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنع عنه الأذى ليس بحق الدين والإيمان وإنما بحق قوة الصدق التي مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وبحق العصبية، ودعنا من كل هذا ولنقل بلغة العصر بحق المواطنة أن تقولوا “اللهم هذا منكر “، بيوت تشمع وحرمات تنتهك أم أن ملايين الإنصاف و المصالحة قد أخرصت الألسن.

ولما ضرب الحصار الاقتصادي على المسلمين و طردوا من بيوتهم إلى شعب مكة وسرقت أمتعتهم وأموالهم حتى إنهم أكلوا الخبط وورق الشجر، وجدنا رؤوس المشركين وهم هشام بن عمرو بن الحارث وزهير بن أمية والمطعم بن عدي، وأبوالنجري بن هشام وزمعة بن الأسود يجتمعون ويقررون إنهاء الحصار حيث عمدوا إلى تمزيق الصحيفة، لكن الله عز وجل كان قد قضى أمره، ولم يبق منها سوى الكلمات التي فيها ذكره سبحانه، فهل من معتبر يعمد إلى مذكرات الداخلية ليمزقها وهي باطل سوى البسملة التي في أولها.

هل من شجعان يعلنوها صراحة قبل أن يقضي الله أمره وينسف الصحيفة بل ودار الندوة التي أتت بها.

وأخيرا نقول لأصحاب القرار الأول والأخير والذين إلى حدود هذه الحملة المسعورة كانوا يزنون الأمور ببصيص من الحكمة نقول لا تسمعوا إلى همز ونفث الاستئصاليين ولكم في ملك الحبشة خير مثال، لما هاجر إليه نفر من المسلمين فارين بدينهم بعثت قريش وراءهم عمرو بن العاص محملا بهدايا للملك وحاشيته فعمل ما في وسعه على تحريض النجاشي غير أن الرجل جلس يسأل ويستمع للصحابة فاقتنع ولم يجب الكفار إلى ما أرادوه بل حمى الدعوة و آمن بها.

أين هي _ “عين العقل” و “مع الشعب” و “من يوم لآخر” أم أن الأقلام قد جفت والصحف رفعت.

جرسيف 05/07/06