عندما نشرت وسائل الإعلام ما تقوم به قوات المخزن من فضائح وانتهاكات بالليل والنهار في حق المغاربة، فقط لأنهم رفضوا الركوع، تأكد للجميع حينذاك أن مفهوم “القانون” و”المواطنة” لا وجود لهما في بلاد المغرب.

كان آخر هذه الفضائح هو هدم بيوت لمغاربة لأنهم أعضاء في جماعة العدل والإحسان، وتغريم أحد أعضاء نفس الجماعة 350 ألف مليون سنتيم، هكذا! كأنهم يريدون إعادة ملء الصناديق التي هربوا أموالها إلى بنوك سويسرا وفرنسا ونيويورك!

ماذا يعني هذا الأسلوب في قاموس الدولة الحديثة؟ معناه أنك تفقد صفة المواطنة رأسا بمجرد أن ترفض شرعية المخزن، أو تعارضه معارضة عصيان، لا معارضة حول الخبز والدقيق والسكر. ومعارضة العصيان معناها أن تعارضه لأنه يعصي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في تدبيره لأمور العباد، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد بسند صحيح عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. حينذاك يفقد المعارض حتى صفة المواطن، ويصبح القانون غير ساري المفعول في التعامل معه، فيصبح ماله وعرضه ونفسه حلالا على النظام المخزني العاصي.

وإن المرء ليعجب كل العجب ممن لا يزال يصرح بضرورة أن تنضبط جماعة العدل والإحسان للقانون وألا تساهم في زعزعة استقرار البلاد، وكأن ثمة قانونا محترما في البلاد أو أن هناك استقرارا ينعم به العباد! فالكل يعلم، حتى الصبيان (إن لم أقل القطط أيضا)، أنه لا قانون في المغرب يخضع له الخاص والعام، والحاكم والمحكوم…

عهدنا من المخزن، منذ قرون موغلة في القدم، منذ أن كان ثمة مخزن يأخذ ممتلكات بلاد “السيبة” أسلابا، عهدنا منه أن الساكن في هذه الربوع، ولا نقول المواطن، قد يفقد كل شيء إذا قال: لا.

وبناء على هذا التصنيف المخزني، فالناس ينقسمون إلى قسمين. الصنف الأول: أن تكون جزءا من المخزن (الجحافل العنيفة المدججة بالهراوات والذخيرة الحية) أو خادما بين يدي “الأعتاب الشريفة” (البرلمان والحكومة وما إليهما). والصنف الثاني: أن تكون “رعية” يفعل بك ولا تفعل، ليس لك من دور إلا أن تساند وتؤيد وتدخل كباقي الناس في “الوحدة الوطنية”.

وكلمة “رعايا” تأخذ في قاموس المخزن تعريفا آخر غير ما جاء في الحديث النبوي الصحيح الذي رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، والذي يقول فيه المصطفي صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته(& )”. فأن تكون من رعايا المخزن يعني أن تكون مكونا من مكونات القطيع، فلا ترى منكرا فتنكره ولا معروفا فتدعمه أو تأمر به. كما أن مفهوم الرعية في عرف المخزن شيء آخر غير ما يدل عليه مصطلح “المواطن” الذي تتبناه النماذج الغربية للدولة الحديثة، فللمواطن حقوق وعليه واجبات عندهم، أما عندنا فعليه واجبات الطاعة ولا حقوق له.

وفي هذا المجال، لا يعتبر مغربنا بدعة من الأمر، بل نجد نفس الحالة في كل البلدان العربية والإسلامية، إلا من رحم الرحيم سبحانه.

غير هذين الصنفين المذكورين سلفا، فلا يحق لشيء أن يوجد البتة. وخير دليل على ذلك تصفية المخزن تاريخيا لمعارضيه تصفية جسدية، رغم أن منهم من كان يطالب بأشياء بسيطة جدا على مستوى الحريات والعدالة الاجتماعية.

الدليل الماثل أمام أعيننا الآن، والذي يؤكد أن دار لقمان لا زالت على حالها، هو ما يقوم به المخزن وجحافله الجرارة المقدامة من تخريب للممتلكات، وتضييع للحقوق وسلب ونهب في حق أبناء وبنات جماعة العدل والإحسان.

وقد لا يعجب المرء من إقدام “مخزننا” على هذه الحماقات، ولكن يتعجب بالأكيد من هذه الجحافل من المنفذين لقراراته المطيعين له في المعصية، أليس منهم رجل رشيد؟؟

عرضت إحدى الفضائيات الحكومية العربية جلسة حكومية، ظل الرئيس الملهم فيها، لوقت طويل يتحدث ويثرثر بينما أعضاء الحكومة المساكين يتلقون وينصتون بخشوع غريب لحماقاته العجيبة، حتى إن المرء ليقول: “أليس منهم رجل رشيد؟ يقوم ويقول له: أيها الرئيس! إنك أحمق. والسلام”.

وجزى الله خيرا القائل:

وكذاك الظلم فيما بيننا *** يتلاشى إن نهضنا لنموت

الوضع في منطقتنا الإسلامية لا يتغير لأنه ليس هناك من قادر على النهوض ليقوم ويعصي الحاكم عوض أن يعارض بيادقه معارضة خبزية. وإذا حصل أن قام أحدهم، لا تلبث أن تقعده مساومات رخيصة أو يفشله عنف متهور، كالحصان يعدو مسرعا فتتعلق به الآمال ثم يسقط عند أول كبوة.

كم نحلم بمغرب يشرف على شؤونه رجال راشدون ونساء راشدات، يرون الحق حقا فيثبتوه ويثبتون معه، ويرون الباطل والظلم والفسق والكفر باطلا فيزهقونه بإذن الله القادر القهار.

كم نحلم بمغرب يكون فيه “القائد” و”المقدم” في خدمة المواطنين، لا نقمة عليهم، يتجسس عليهم، ويهدم بيوتهم ويزعج الآمنين والآمنات منهم في ديارهم.

كم نحلم بمغرب لا يجرؤ فيه أحد أن يقول لك: “أنا هو القانون” أو “أنا فوق القانون”.

كم نحلم بمغرب لا يحال فيه بين أهل الإيمان والإحسان ومجالسهم، ولا بينهم وبين الشعب ليحبهم ويتشوق لما يتشوقون إليه من درجات عليا عند الكريم الودود سنية، وليمسوا من مسكهم ويتنسموا من عبيرهم القرب من الله.

وأمام جحافل المخزن التي تنفذ أوامر الظلم والطغيان تظل العقبة أن يجيبوا على السؤال الذي قاله نبي الله لوط عليه وعلى المصطفي الصلاة والسلام: “أليس منكم رجل رشيد؟”. قاله لقومه لما رآهم في غمرتهم يعمهون.

مونتريال ، 7 يوليوز 2006.