دأبت مختلف الدراسات التي تناولت موضوع الشباب على توظيف مصطلح “الشباب” دون أن تكلف نفسها عناء البحث في حدود تداخل دلالاته مع دلالات جملة من المصطلحات التي تشاركه الحقل الدلالي نفسه، ومن أشهرها مصطلحا: “الفتوة” و”الرجولة”.

فالأكيد أنه رغم الخيط الدلالي الرابط بين هذه المصطلحات الثلاثة، فإن لكل منها خصوصيات دلالية تميزه عن غيره، ذلك أن “الترادف التام مشكوك في أمره، لما أصبح معروفا في دراسة أصول التعارف على وضع الرموز للمعاني استقلال المعنى الواحد بالرمز الواحد، فالكلمتان اللتان تعتبرهما مترادفتين لا يوجد بينهما في الواقع إلا منطقة مشتركة من المعنى، ثم يستقل كل منهما بإقليمه الخاص خارج منطقة التداخل…”(1)، وتسعفنا العودة إلى المعاجم بتحديد الإقليم الدلالي الخاص بكل من: “الشباب”، و”الفتوة”، و”الرجولة” لتتضح لنا السمات الدلالية المميزة لكل منها، ثم لنستبين حدود العلاقات الرابطة بينها، ونستطيع من ثمة تصحيح مجموعة من التصورات الخاطئة والشائعة في أوساط العوام والمثقفين على حد سواء، إذ كثيرا ما يتم قصر مفهوم “الفتوة” على معنى “الشباب” وحداثة السن مثلا، وكثيرا أيضا ما يتم قصر مفهوم “الرجولة” على معنى “الذكورة”، مع أنه ثمة بون واضح بين هذه المفاهيم، كما يتضح من خلال ما أورده أصحاب المعاجم اللغوية العربية، فصاحب “لسان العرب” يعرف الشباب بقوله: شبب: الشباب: الفتاء والحداثة، شبّ يشبّ شبابا وشبيبة (…) والاسم الشبيبة: وهو خلاف الشيب. والشباب: جمع شاب، وكذلك الشبان.”(2)، ويورد قولا للعتيبي يميز فيه بين الفتوة والشباب، يقول: “ليس الفتى بمعنى الشابّ والحدث إنما هو بمعنى الكامل الجزْل من الرجال، يدُلك على ذلك قول الشاعر: إن الفتى حمّالُ كلّ مُلمّـــــة *** ليسَ الفتَى بمنعمِ الشّبّـــــــابِ وقال ابن هرمة:قد يدركُ الشرفَ الفـتى، ورداؤه *** خلق، وجيبُ قميصهِ مرقــــوعُ”(3) فإذا كان مفهوم “الشباب” يقتصر على البعد الزمني فيؤدي معنى “الفتاء والحداثة في السن”، فإن مفهوم “الفتوة” يتجاوز ذلك ليؤدي معاني أخر: “يقال: فَتِيّ بينُ الفتاء أي طريّ السن، والكرمُ الحسن. وقوله عز وجل: (ودخل معه السجن فتيان) جائز أن يكونا حدثين أو شيخين لأنهم كانوا يسمون المملوك فتى. الجوهري: الفتى السخي الكريم (…) قال ابن بري: الفتى الكريم، هو في الأصل مصدر فتيَ فتىً وصف به، فقيل: رجل فتىً. قال: ويدلك على صحة ذلك قول ليلى الأخيلية:فإن تكن القتلى بواءا فإنكـــم *** فتى ما قتلتم، آل عوف بن عامــر”(4) فدلالات مصطلح “الفتوة” إذا أشمل وأعم من دلالات مصطلح “الشباب”، لأنه يؤدي بالإضافة إلى معنى حداثة السن، معاني أخر: كمال المروءة، وأصالة في الرأي، والكرم، والسخاء… ولهذا فقد استحق أهل الكهف أن يوصفوا بأنهم “فتية”، واستحقوا أن يزيدهم الله تعالى هداية، وأن يربط على قلوبهم، يقول تعالى: “إنهم فتية آمنوا بربهم، وزدناهم هدى، وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا”(5)، يقول ابن كثير مفسرا: “… فذكر تعالى أنهم فتية وهم الشباب، وهم أقبل للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم شبابا، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم ولم يسلم منهم إلا القليل…”(6)، وذهب النصرآبادي إلى أنهم سموا فتية ” لأنهم آمنوا بالله بلا واسطة.”(7) ” فقد فارقوا أهلهم، وخرجوا إلى ربهم، معرضين عن حظوظهم الدنيوية، فمدحوا بكونهم تركوها لله تعالى، ولذلك خرقت لهم العادة، فلبثوا في كهفهم (ثلاثة مائة سنين وازدادوا تسعا) ولم يتغير لهم حال.”(8)، ويكفي أن نذكر بأن مؤلف “الرسالة القشيرية” اعتبر “الفتوة” المقام الواحد والثلاثين في إطار شرحه للمقامات الصوفية، ليتأكد لنا بأن السادة العارفين بالله أجمعوا على تمجيدها، واعتبارها مزية لا يتأتى لأي كان أن يتصف بها، فقد أورد المؤلف أقوالا عديدة لمجموعة من السادة العارفين بالله نكتفي بإيراد بعضها: “قال الأستاذ الشيخ: أصل الفتوة أن يكون العبد دائما في أمر غيره. وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: لا يكون كمال هذا الخلق إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كل واحد يوم القيامة يقول: نفسي نفسي، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: “أمتي أمتي”، وقال الفضيل: الفتوة الصفح عن عثرات الإخوان. وقيل: الفتوة أن لا ترى لنفسك فضلا على غيرك. وقال أبو بكر الوراق: الفتى من لا خصم له. وقال محمد بن علي الترمذي: الفتوة أن تكون خصما لربك على نفسك. ويقال: الفتى من لا يكون خصما لأحد. وقيل: الفتى من كسر الأصنام، قال الله تعالى: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم”، وقال تعالى: “فجعلهم جذاذا”. وصنم كل إنسان نفسه، فمن خالف هواه فهو فتىً على الحقيقة. وقال الحارث المحاسبي: الفتوة أن تنصف وتنتصف. وقال عمرو بن عثمان المكي: الفتوة حسن الخلق. وسئل الجنيد عن الفتوة فقال: أن لا تنافر فقيرا ولا تعارض غنيا. وقال أبو القاسم النصر آباذي: المروءة شعبة من الفتوة، وهي الإعراض عن الكونين والأنفة منهما. وسئل أحمد بن حنبل: ما الفتوة ؟ فقال: ترك ما تهوى لما تخشى. وقال الجنيد: الفتوة كف الأذى وبذل الندى. وقال سهل بن عبد الله: الفتوة اتباع السنة. وقيل: الفتوة الوفاء والحفاظ. وقيل: الفتوة فضيلة تأتيها ولا ترى نفسك فيها. وقيل: الفتوة أن لا تهرب إذا أقبل السائل. وقيل: أن لا تحتجب عن القاصدين. وقيل: أن لا تدخر ولا تعتذر. وقيل: الفتوة إظهار النعمة وإسرار المحنة. وقيل: الفتوة أن تدعو عشرة أشخاص فلا تتغير إن جاءك تسعة أو أحد عشر. وقيل: الفتوة ترك التمييز.”(9) هكذا إذا يتضح بشكل جلي أن الدلالات والإيحاءات الربانية الخاصة بمصطلح “الفتوة” تتجاوز حدود الحداثة والزمن المقاس بالأيام والسنين، لتشمل كل الأخلاق السامية الفاضلة التي دعا الإسلام إلى التحلي بها: (الكرم والبذل والإيثار وكظم الغيظ والتسامح والتواضع والمروءة والوفاء والصبر على الأذى والصدق واستحضار الله عز وجل في كل وقت وحين… والسعي لنيل رضاه عز وجل)… وكل هذه الأخلاق الحميدة هي التي تسمى بالتعبير النبوي: شعب الإيمان.

أما الإقليم الدلالي الخاص بمصطلح “الرجولة” فيتضح هو أيضا بالعودة إلى المعاجم اللغوية، فالرجل “معروف الذكر من نوع الإنسان خلاف المرأة، وقيل: إنما يكون رجلا فوق الغلام، وذلك إذا احتلم وشبّ، وقيل: هو رجل ساعة تلده أًُمّهُ إلى ما بعد ذلك…”(10)، وعند إطلاق هذا الوصف لا يراد به المدح وإنما يراد به بيان النوع كما قال تعالى: ” للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر”(11)، و”إن كان رجل يورث كلالة أو امرأة”(12)، فمعنى “الرجولة” في هذه السياقات لا يتجاوز معنى “الذكورة”، وقد يوظف المصطلح باعتباره وصفا زائدا يثبت تميز صاحبه عن الآخرين، فما كل ذكر برجل، وليس بالضرورة أن يقتصر وصف “الرجولة ” على الذكور فقط، بل قد يشمل حتى الإناث متى توفرت فيهن شروطها وخصوصياتها، فنقول “ترجلت المرأة: صارت كالرجل. وفي الحديث: كانت عائشة رضي الله عنها رَجُلَة َ الرأي (…) ويقال: امرأة رجُلَة إذا تشبهت بالرجال في الرأي والمعرفة…”(13)، وهذا يعني أن دلالات الرجولة تتجاوز المعنى المادي الحسي المحدود لتشمل كل المعاني الإيجابية التي تمس الروح والنفس والخلق والعقل، “فالرجولة مضمون قبل أن تكون مظهرا، فابحث عن الجوهر، ودع عنك المظهر، فإن أكثر الناس تأسرهم المظاهر ويسحرهم بريقها”(14).

وقد شرف عز وجل رسله الكرام عليهم السلام بهذا الوصف، فقال: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى)(15)، فهي صفة لهؤلاء العظماء الذين يعتبرون صفوة الخلق بلا منازع، ذلك أنهم اُؤْتمنوا على رسالة التوحيد وإقرار العبودية لله وحده لا شريك له، وتجشموا من أجل ذلك شتى ألوان التعذيب والتنكيل والقهر والإيذاء، فما ضعفوا ولا استكانوا، بل صبروا وصابروا ورابطوا واسترخصوا الغالي والنفيس دفاعا عن الحق، وإرضاء لله الذي اجتباهم وكلفهم بإخراج الناس من الضلال والظلمات، وهي صفة الصادقين الذين امتلأت قلوبهم يقينا وحبا ونورا وهدى، فباعوا نفوسهم لربهم راسخين ثابتين راضين (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا)(16)، وصفة جلساء الملائكة، أهل المساجد الذين لم يلتفتوا لغوايات الدنيا الدنية المخادعة، فذكروا الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وجسدوا مقام الخوف خير تجسيد، (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيه اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار)(17)، إنهم الأبرار الأطهار (فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين)(18).

نستطيع انطلاقا من كل ذلك أن نؤكد بأن المرء لا يستحق أن يوصف بأنه “رجل”، ولا يستحق أن يدخل في زمرة “الرجال” إلا إذا توفر فيه الشرطان القرآنيان (الصدق، والذكر) اللذان تتفرع عنهما جملة من الشمائل والمناقب كالمروءة، والوفاء، وسداد الرأي، والثبات على الحق، والصبر عند النوازل، وقوة اليقين، والبذل، والعلم، والعمل، والسمت الحسن… وغيرها من الصفات الحميدة التي تعتبر في المنظور الإسلامي معيار التفاضل بين الناس مصداقا لقول الرسول الأكرم: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، ومعلوم أن التقوى لا يمكن أن تتحقق إلا بصدق وذكر. والأكيد أن هاتين الخصلتين “إن ركزتا في فطرة من معدن بشري نفيس كان منهما كمال الاستعداد وتمام الخيرية والرجولة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا” الحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة.

وأهم ما يتمايز به الرجال من حيث المعدنُ والفطرةُ الكرمُ والعقلُ والخلقُ وما يتفرع عنها من محامد، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كرم المؤمن دينه، ومروءته ُ عقله، وحسَبُه خلقُه. “. رواه الإمام أحمد والحاكم والببهقي بسند حسن عن أبي هريرة.”(19)

ويجدر بنا -ونحن بصدد تحديد المفاهيم وتصحيحها- الإشارة إلى أن السواد الأعظم من الناس، ما زالوا يفهمون الرجولة فهما خاطئا مشوها، وهذا ما يجعلهم يتعاملون مع الآخرين بأساليب فيها الكثير من الشذوذ، والنفور، والقسوة، والتجبر، والتسلط، والغلظة، والعناد “ومن هذه الأساليب:

1_ محاولات إثبات الذات: التي غالبا ما يلجأ إليها الشباب المراهق، فيصر على رأيه ويتمسك به بشدة حتى تغدو مخالفة الآخرين مطلبا بحد ذاته ظنا منه أن هذه هي الرجولة.

2_ التصلب في غير موطنه: والتمسك بالرأي وإن كان خاطئا، والتشبث بالمواقف والإصرار عليها، وإن كانت على الباطل ظنا منه أن الرجولة ألا يعود الرجل في كلامه وألا يتخلى عن مواقفه، وألا يتراجع عن قرار اتخذه وإن ظهر خطؤه أو عدم صحته.

3_ القسوة على الأهل: اعتقادا أن الرفق ليس من صفات الرجولة، وأن الرجل ينبغي أن يكون صليب العود شديدا لا يراجع في قول، ولا يناقش في قرار، فتجد قسوة الزوج على زوجته، والوالد على أولاده، والرجل على كل من حوله… مع أن أكمل الناس رجولة كان أحلم الناس، وأرفق الناس بالناس مع هيبة وجلال لم يبلغه غيره صلى الله عليه وسلم.”(20).

نستطيع انطلاقا من كل ذلك أن نفهم الخصوصيات الدلالية المميزة لكل مفهوم من هذه المفاهيم التي غالبا ما يتم الخلط بينها، إذ يتم توظيفها بشكل عشوائي دون مراعاة الانعكاسات السلبية التي تترتب عن هذا التوظيف.

الهوامش:

(1) _ (اللغة العربية معناها ومبناها) 329.

(2) _ (لسان العرب): مادة (شبب).

(3) _ (نفسه): مادة (فتا).

(4) _ (نفسه): مادة (فتا).

(5) _ الكهف: 13 / 14.

(6) _ (تفسير ابن كثير) 3/73 _74.

(7) _ (الرسالة القشيرية) 226 _ 227.

(8) _ تعليق محقق كتاب (الرسالة القشيرية)، ورد في، ص: 227.

(9) _ (الرسالة القشيرية) 226 _ 227 _ 228.

(10) _ (لسان العرب): مادة: (رجل).

(11) _ النساء / 7.

(12) _ النساء / 12.

(13) _ (لسان العرب): مادة: (رجل).

(14) _ (الرجولة بين المظهر والمضمون) / مقالة نشرت بموقع الشبكة الإسلامية على الأنترنيت بتاريخ: 4/12/2005.

(15) _ يوسف / 109.

(16) _ الأحزاب / 23.

(17) _ النور / 36 _ 37.

(18) _ التوبة / 108.

(19) _ (الإحسان) 2/493 _ 294.

(20) _ (الرجولة بين المظهر والمضمون) / مقالة نشرت بموقع الشبكة الإسلامية على الأنترنيت بتاريخ: 4/12/2005.