لقد ظل مسرح الفعل السياسي المغربي على طول تاريخ المغرب المعاصر مجالا لتناقضات صارخة أربكت دائما حسابات المحلل السياسي وخدعت عين المراقب الاجتماعي، وقد كانت أغلب القراءات في هذا الصدد تميل في أغلبها نحو العمومية قصد جمع شتات هذه المتناقضات، فقد قيل دائما أن في المغرب يتغير كل شيء لألا يتغير شيء، وأن ما يحدث على مستوى الواقع لا علاقة له مطلقا مع ما ينتظر في المستقبل (ولك أن تقارن بين واقعنا المغربي البئيس وبين شعارات التنمية في أفق العقود المقبلة)، أما عند إمعان النظر في الواقع المغربي وفي وضعيته الميئوس منها -على مستويات عدة- فإن خلاصة النظر تذهب بك إلى أن انفجارا وشيكا قد يحدث، لكن لا شيء يحدث على الإطلاق، كما أن في الخطاب السياسي الواحد، يمكنك أن تعثر على تبجيل الحرية الليبرالية وتقديس العدالة الاشتراكية مع رفع شعارات إسلامية ولا عجب، ففي المغرب يتحول المناضل البسيط في حزب يميني  هذا إن سلمنا بوجود يمين ويسار في المغرب  إلى قائد كارزمي في حزب اشتراكي.

   يطول بنا الحديث إن استطردنا في عرض متناقضات المشهد السياسي المغربي، غير أن من المفارقات الحديثة الصارخة بين شعارات الواجهة للسلطة المغربية وممارستها الفعلية، ما كانت عدة مدن مغربية مسرحا لها، ألا وهي حملة الاعتقالات التي دشنتها الدولة في حق أعضاء جماعة العدل والإحسان في خرق سافر لكل القوانين، والتي تأتي بعد أشهر قليلة من تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة الذي كان من أهم خلاصاته وضع ضمانات تحول دون تكرار جرائم الماضي ضد حقوق الإنسان، وقد اعتبر هذا الحدث من طرف أبواق المخزن المغربي ولا يزال حدثا عظيما يستحق التسويق وعلى الدول الأخرى أن تستفيد منه وأن تقتفي أثره، أقيمت الدنيا ولم تقعد احتفالا بهذا الحدث ولا يزال خطاب المصالحة وطي صفحة الماضي يلاك في الإعلام الرسمي والمستقل على حد سواء.

   تأتي هذه الحملة على جماعة العدل والإحسان لتكشف زيف هذه الشعارات ولتوضح عمق الهوة بين الشعار والممارسة لدى المخزن المغربي، ولتظهر لمن لم يقتنع بعد بأن الواقع هو استبداد يجدد لبوسه حسب الحاجة، فكل شيء يتغير من الخطاب المخزني لألا يتغير شيء على مستوى الواقع الملموس.

   لكن ومع تسليمنا بأن مرض الفرعونية المخزني لا رجاء في الشفاء منه وأن دروس التاريخ تعلمنا بأن الطوفان هو الكفيل بالذهاب به، يبقى السؤال مطروحا حول السر في صمت النخبة السياسية وعدم تصريحها بموقفها من هذا القمع المسلط على جماعة العدل الإحسان، وكيف تفسر هذه النخبة تعاملها الانتقائي مع حقوق الإنسان كلما تعلق الأمر بالإسلاميين.

   وهنا لا بد من التمييز بين نخبة ممخزنة ونخبة سياسية لها حظ من الفضل والمروءة .

النخبة الممخزنة أو المخزنيون الجدد   خلصنا في السابق بأن أمر المخزن لا يهمنا كثيرا في التحليل، وبالتالي وبصفة تبعية لا يهمنا ذيوله وأذنابه من المخزنين الجدد، وهم أصناف وألوان من الانتهازيين نجد فيهم وكلاء الاستعمار، وطفيليين يمتصون دماء الشعب وهم على ناصية السلطة أو في حواشي المائدة يأكلون من فتات المخزن ويساهمون في خنق الحركة الإسلامية.

   ولاؤهم غير مشروط للسلطة ويشكلون طبقة واحدة معها، وهم خليط لا يكفي منطق اليمين واليسار لتصنيفهم حيث لا يثبتون على مبدأ، ونجدهم مع الحملة الموجهة ضد العدل والإحسان يسعرون نار الفتنة ويدقون طبول الحرب، ومنهم من دعا إلى تشكيل جبهة وطنية ضد الإسلاميين تؤبدهم في مواقع المعارضة إلى يوم يبعثون قاطعين عنهم طريق الوصول إلى ممارسة السلطة وممارسة فعل التغيير عموما، أما في تغطيتهم الإعلامية لحدث عنف الدولة ضد العدل والإحسان فنجدهم يعاكسون الحقيقة ويجعلون من العدل والإحسان الخطر الداهم والظلام القادم .

   أولئك يقال لهم في كلمة واحدة الموعد الميدان وساحة الفعل ففيها سيميز الشعب بين الصادق والكاذب، والأصيل والدخيل.

النخبة الصامتة أو نخبة مع وقف التنفيذ   من خلال الانتقال عبر أطياف النخبة السياسية المغربية نجد في مستوى من مستويات المروءة والفضل نخبة لها فضل علوم، وفضل اهتمام بالشأن العام، وبما يعني حاضر الأمة وتاريخها وبما يتراءى في آفاق مستقبلها وبما يتصارع من قوى وما يقترح من أفكار.

   هذه الفئة من الفضلاء الديمقراطيين هي المعول عليها إلى جانب عقلاء الإسلاميين في قيادة الشعب المغربي نحو الخروج من أزماته المزمنة وبناء مستقبله بمشاركته على أرضية الوضوح الكامل ولا يتأتى ذلك إلا بالانعتاق من الاستبداد مرض الأمة المزمن الذي تشكل التفرقة بين الفاعلين السياسيين أهم ركائزه.

   إلا أن أشد ما يصدم المتتبع للأحداث الأخيرة التي تعرفها العدل والإحسان – والتي هي نقطة من بحر القمع المخزني الذي تعرضت له الجماعة  هو صمت هذه النخبة في غالبيتها عن التعبير عن موقفها تجاه ما حدث ويحدث من انتهاك خطير لحقوق الإنسان.

   ولعلنا نجد تفسير هذا الصمت من خلال استعراض سلوك الفاعل السياسي المغربي على مر التاريخ المغربي المعاصر، لقد تركز السلوك السياسي للنخبة في الحرص الدائم على ترقب تقلبات الدهر وعند حدوث أزمة ما لا يجازفون باتخاذ موقف حاسم، حيث تسير الانتظارية في خط متواز مع المناورات السياسية ولا تؤدي الظروف الموضوعية كيفما كانت خطورتها إلى حدود فعل ملائمة، لقد كانت النخب المغربية دائما في حالة تردد وتحفظ مستمرين.

   من جهة أخرى يمكن تفسير هذا الصمت من خلال ارتباط هذه النخبة بطريقة ما بالمخزن، فقد خاب أملهم في مقاومة النظام وقد تعودوا على منافعه إلى درجة أنهم أصبحوا عاجزين عن الانفصال عنه ومع ذلك يأملون أن تسعفهم بلاغتهم إذا ما تغير النظام، لذلك نجد بأن تحالفاتهم غير حاسمة، فهم مع النظام بالكلية لكنهم يحافظون على علاقات الود مع الإسلاميين من خلال حمائم النخبة ترقبا لأي تغير في موازين القوى لصالح الإسلاميين.

   هذا ويبقى من الواجب التاريخي للفضلاء الديمقراطيين أن يعبروا بوضوح عن موقفهم مما يحدث، وإلا فالسكوت في موقع البيان بيان.

   ليس للانعتاق إلا طريق واحد فرغم كل ما يطبع النخبة السياسية من جمود وتردد يبقى التعويل على العقلاء من الإسلاميين والفضلاء الديمقراطيين في فتح باب الحوار على مصراعيه والعمل في جبهة موحدة لتوسيع رقعة الحرية التي تعتبر الأرضية الحاسمة في أي تغيير منشود، في هذا الزمن المغربي الصعب الذي لا ينبئ واقعه ومستقبله إلا بالانفجار لأن الضغط على جميع المستويات قد بلغ مداه.

   يبقى الأمل في عقلاء المجتمع المغربي أن يواجهوا في جبهة واحدة وعلى أرضية ميثاق جامع العدو الأكبر وهو الاستبداد ليكون المغرب فضاء رحبا يعيش فيه المغاربة بكل اختلافاتهم مشاركين جميعهم في التخطيط لواقعهم وفي اقتراح مستقبلهم.

   الأمل في أن تقطع النخبة عربتها عن قاطرة السلطة وتشدها إلى قاطرة الشعب، وأن يخرج الفضلاء الديمقراطيون من دائرة المخزن الصماء والمغلقة التي تلعب بهم في مهرجانها الأبدي فيتحرروا من دورات المساومة على الولاء غير المشروط للسلطة.

   الأمل في أن تنطق النخبة وتقول أنها ضد الإقصاء والقمع وكم الأفواه فقد طال الصمت وتعمقت جروح الشعب المغربي.

   إن العنف المسلط على جماعة العدل والإحسان هو في عمقه موجه ضد الشعب المغربي وضد مسيرته الواعية نحو التحرر والانعتاق، فمتى إذن يفهم الفضلاء الديمقراطيون أن الإسلاميين حملة رسالة ودعاة إلى الله هدفهم السياسي تحقيق العدل والكرامة والحرية، لا كما يظن البعض أنهم منافسين متزمتين مظهرين العداوة المبدئية والعنف ونية التدمير للعالم.

   هذا وتبقى جماعة العدل والإحسان مصطفة اختيارا في صف الشعب المغربي واعية بثمن هذا الاختيار، وتبقى يدها ممدودة للحوار مع من له غيرة على هذا الشعب من موقف القوة، لا من باب الاستنجاد.

   فالعاصم الله والناصر الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون.