النبيل لغة الشريف خلقا، وجمعه نبلاء .. هذا في المدلول اللغوي الأصلي الصرف .. فتصبح اللفظة بذلك صفة لكل من اتصف بها من البشر، لا فرق بين هذا وذاك إلا بعمق وصدق التحلي بها.

   إلا أن للحكام مدلولاتهم الخاصة ولغةً لا تستقيم ولغة عامة الناس من الشعب .. وهكذا ففي أوربا غابر الأزمان كانت لفظة “النبلاء” تُطلق على فئة قليلة من الحكام والأسياد .. حظيت -ولا ندري كيف- “بشرعية” سلطة الحكم والمال دون الرعاع من الشعب .. فكانت الأمور تقاس بمقياسها، والشؤون تفصل على مقاسها .. وتنسب “الحكمة” لنفسها ..

   طغمة قليلة مستبدة، تتحكم في الأرض ومن عليها .. وتسخر كل ذلك لإشباع أنانيتها المستعلية وشهوانيتها الجانحة .. أولئك كانوا “نبلاء” أوربا المنحطة .. أوربا الأزمان الغابرة..

   ويشاء منطق تلاقح الحضارات إلا أن يمرر التجربة إلى الدول عفوا “الدوقيات” العربية ، فأصبحتَ ترى على رأس كل دوقية ( شبه دولة) “نبلاء” في السياسة والاقتصاد .. تحكموا واستأسدوا .. فكانوا أحق “بالحكمة” من غيرهم ..

   فليس من الغريب إذن، أن يطلع علينا “نبيل” من “نبلاء” العهد الجديد في بلاد المغرب الأقصى، ليلقن عامة الشعب المغربي درسا أملاه عليه الأسياد – وهو يظن نفسه منهم – في الديمقراطية .. وليلقي على رؤوس الأشهاد كلاما يقطر” حكمة” في الموضوع ..

   قال “الحكيم النبيل”: “الاعتقالات جاءت لحماية المنظومة الديمقراطية”، ويقصد بذلك الاعتقالات التي تعرض لها المئات من أعضاء جماعة العدل والإحسان على خلفية تنظيم الأيام التواصلية في مختلف مدن المغرب .. وهكذا يصبح (التواصل) خطرا ينبغي حماية البلاد والعباد منه في منطق وزير الاتصال .. ولنا أن نتساءل أحقا يقصد “الحكيم” (حماية المنظومة الديمقراطية) ؟! أم يخاف من انفضاح ما تنطوي عليه (منظومته الديمقراطية) من وهن الشعارات الزائفة المزيفة للحقائق .. من قبيل (طي صفحة الماضي) و(الإنصاف والمصالحة) وهلم جرا…

   ولك أيها الشعب الكريم أن تحكم بيننا وبين قومنا بالحق .. هم يرفعون هذه الشعارات .. ونحن ننعي لك مسلسل مظلوميتنا على مدى أكثر من ثلاثة عقود : سجون .. وتعذيب .. وحصار .. ومنع وقمع .. وتهم ملفقة .. ومحاكمات صورية .. وسطو على الممتلكات .. ومصادرة للمنابر الإعلامية .. وتضييق على الجمعيات .. واغتصاب لحقها في الوجود.. وطرد وعسف ضد طلاب العلم .. ونسف وإحراق للمخيمات .. وحرمان الأطفال والعائلات من المنتزهات .. ومتابعات في أماكن الشغل.. وتنقيلات .. واقتحام للبيوت دون حكم أو إذن صادر عن القضاء .. وترويج الشبهات والشائعات .. وتسخير أموال الشعب لتنفق في استئجار الذمم المنحطة .. ضد الفضلاء .. وضد العدل والإحسان .. ولما خاب كل ذلك .. ومددنا يدنا لنتواصل مع شعبنا بالصدق والحق .. ثارت ثائرة “النبلاء”: حراس العهد الجديد .. وعمت حمّى الاعتقالات كل مكان .. خوفا من انفضاح أمرهم، وانكشاف عورة ديمقراطيتهم التي يريدون أن يحموها بورق شجر يابس يتفتت بين أصابعهم..

   وزاد “النبيل الحكيم”: “المغرب انخرط في نظام سياسي معين يريده المغاربة .. وهذا النظام قائم على الديمقراطية، وقواعد الديمقراطية تقتضي الانضمام إلى المنظومة الديمقراطية، وإن كل من يريد أن يشتغل في الحقل السياسي عليه أن ينضبط إلى هذه المنظومة”.

   أراد “الحكيم” أن يؤسس لمنطق متماسك، يجعله لبنة يساهم بها في بناء صورة ” النظام الديمقراطي ” في المغرب .. وما أرى إلا أن اللبنة أصبحت رملا يتسرب من بين أصابع كفيه .. وحسبي أن أقف عند نص كلامه لأدلي ببعض الإشارات..

   قال “الحكيم”: “المغرب انخرط في نظام سياسي معين يريده المغاربة” .. وإنني – كمغربي – لم أسمع ولم أعش ولم أقرأ عن شيء عُرض على إرادة المغاربة ليقرروا فيه.. إلا أن يكون دساتير ممنوحة .. وما أحسب الدستور إلا إطارا نظريا عاما لمؤسسات واختصاصات وقضايا أساسية ومحورية – في أي نظام سياسي – تحتاج إلى تدقيق في الصفة والمهمة رئاسية كانت أو تشريعية أو تنفيذية. وأترك للبسطاء، فضلا عن مهندسي القانون، التعليق على الدستور المغربي ..

   وحتى إذا كان “الحكيم” يقصد بالنظام السياسي نظاما معينا، ويريد أن يرهن فهمنا عند هذا الحد، فنحن نسائله: هل عُرض على المغاربة يوما ما استفتاء حول طبيعة النظام السياسي المرغوب فيه ؟! وهو الذي – ورفاقه معه – كثيرا ما نعَقوا بذلك ثم نسوه أو تناسوه … ومن الفضلاء من أسال مدادا غزيرا في الموضوع ..!

   وعلى المستوى التنفيذي هل استُفتيت إرادة المواطنين في طريقة تعيين المؤسسة التنفيذية ومهامها بدءا من الوزير الأول إلى مهام واختصاصات مجلس الحكومة .. إلى..؟! أم هو منطق الدساتير الممنوحة: يمنح ..ويُعفي .. و”نحن عنه راضون”؟!

   وحتى المؤسسة التشريعية – أسائل السيد الوزير – هل استُفتيت إرادة المغاربة في إضافة غُرفة ثانية؟! أم هو منطق العطايا يجعل الغَرفة غَرفتين .. وزيادة ..؟!

   ألم نقل بأنه منطق “نبلاء” الدساتير الممنوحة والعطايا “السخية” يجعل من السيد الوزير ليس ناطقا باسم الحكومة فقط ، بل نائبا عن المغاربة وناطقا باسم إرادتهم..

   ولك أيها الشعب الكريم أن تقبل أو أن تندب حظــــــــــك !!!

   “وأن هذا النظام قائم على الديمقراطية، وقواعد الديمقراطية تقتضي الانضمام إلى المنظومة الديمقراطية”.

   لشدة إعجابي بكلام السيد الوزير .. الحكيم النبيل .. أكتبه بخط متميز .. حتى يبقى كلامه مميزا عن كل كلام آخر ..

   يرسم لنا حكيم زمانه بـ(قائم على الديمقراطية وقواعد الديمقراطية) صحراء من التيه .. والتضليل .. تعلَّم خريطتها، واكتسب أبعادها من مسلمات وخطابات العهدين القديم والجديد على السواء..

   عن أية ديمقراطية، سيدي “الوزير”، تتحدث؟! عن ديمقراطية الدساتير الممنوحة؟! أم عن ديمقراطية الانتخابات الكرنفالية حيث تُفتح دكاكين الأحزاب هنا وهناك (لتغلق عند نهاية الكرنفال)، وتقام الخيام .. ويعلو صوت الأبواق .. وتشترى الذمم التي أنهكها الفقر .. والإغراء .. والتحايل .. ولا نقول الوعود، لأنكم فطنتم لها، وتبرأتم منها لما فضحتكم أمام دورات الزمان والبرلمان … أم غير هذا وذاك: ديمقراطية المؤسسات الصورية التي لا تقدم ولا تؤخر ..؟! بل متربعة على كراسيها .. تأكل حتى التخمة وتنتظر أن تُعيَِّن “لجنة” لتنظيف بقاياها ومخلفاتها قبل أن تتعفن من تحتها ومن حولها .. فيستهوي المشهد الفريقان، فيجلسان جنبا إلى جنب يأكلان ويفسدان.

   ولعمري – وأنت الصادق – إنه “الانضمام الحقيقي” للمنظومة الديمقراطية في منطق حراس العهد الجديـــــد..!

   وعليه “فإن على كل من يريد أن يشتغل في الحقل السياسي أن ينضبط إلى هذه المنظومة”.

   هذا بلاغ للناس وإعلان من وزير الاتصال، الناطق باسم الحكومة، فالأبواب مفتوحة لتقديم الطلبات .. والموعد انتخابات 2007 ..! ومن اعترض .. أو بدّل .. أو غيّر .. فإنه خارج اللعبة عفوا “المنظومة” العجيبة .. وما ظلم إلا نفسه ..

   وا أسفاه على قيم بارت .. وعلى شعارات خارت .. وعلى مبادئ هُجرت .. حين تغنى بها أصحابها ردحا من الزمن .. فلما استهوتهم أصوات غرمائهم تركوا “قصائدهم” على الرفوف في مقرات مهجورة تبكي حالة شعب مسكين أصبح يكفيه – في قناعاتهم الجديدة – إطفاء ظمئه بمشروع لا يتحقق .. أو شعار..

   وللسادة “المناضلين” الحق في أن يرتاحوا من عناء “التضحية” ليصبحوا “نبــــــلاء”!