تاريخ المغرب الأقصى حافل بالأدوار الريادية التي قامت بها الزوايا منذ قرون. ذلك أن الدور التعبوي الذي لعبته هذه الزوايا، والرباطات التي كانت تعقدها والحلق التربوية والتعليمية.. كانت المحضن الذي نشأت فيه تلك الطليعة الأولى، وحملت على عاتقها هم توحيد المغرب، والجهاد ضد الغزو الخارجي أو الفساد الداخلي.

   فكان الرباط الذي اتخذه الشيخ عبد الله بن ياسين، مؤسس الدولة المرابطية، يستقبل فيه أشراف القبائل المغربية وشبابها، يعلمهم الدين ويستنهض هممهم لجلائل الأمور، دوره الهام في بلورة فكرة الدولة المغربية المستقلة التي تتطلع إلى توحيد البلاد بل وإتمام الفتح الإسلامي في الشمال وراء البحر المتوسط… ” ولما كمل معهم ألف من الرجالات قال لهم شيخهم عبد الله بن ياسين إن ألفا لن تُغلب من قلة وقد تعين علينا القيام بالحق والدعاء إليه وحمل الكافة عليه فاخرُجوا بنا لذلك ” (1)

   ونفس الروح أطرت دعوة المهدي بن تومرت، مؤسس دولة الموحدين،الذي اشتهرت أسرته بالزهد والتقوى لتشكل شخصية الداعية ابن تومرت منذ صغره.

   ثم جاء المرينيون من بعدهم، وإن لم يؤسسوا دولتهم على أساس ديني كما كان الشأن مع المرابطين والموحدين، لكنهم رغم ذلك أظهروا على الأقل بعض الاهتمام والرعاية للشرفاء المغاربة… ومع تراجع أمرهم، وتوالي سقوط ثغور المغرب تحت الغزو الإيبيري، تجند المغاربة تحت قيادة شيوخ الزوايا وأظهروا مقاومة شديدة للغزو الأجنبي ” ولما نزل بأهل المغرب الأقصى من غَلَبة عدو الدين واستيلائه على ثغور المسلمين تباروا في جهاده وقتاله…فكم من رئيس قوم قام لنصرة الدين غيرة واحتسابا. وكم من وَلِي عَصْر أو عالم مَصْر باع نفسه من الله ورأى ذلك صوابا.” (2)

   ودام الحال على ذلك إلى أن ظهرت دولة الوطاسيين التي بدأت عهدها باسترجاع بعض الثغور من يد البرتغاليين الشيء الذي أكسب زعماءها شهرة وسمعة الجهاد ضد الكافر. لكن سرعان ما تهاوى حكم هذه الدولة تحت ضربات البرتغاليين، فضلا عن الاضطرابات الداخلية مما حدا بالشعب المغربي إلى اللجوء مرة أخرى إلى الزوايا يطلب شيوخها لقيادة الجهاد ضد العدو الهاجم، ولم شتات الأمة، لتظهر على مسرح التاريخ أسرة الشرفاء السعديين التي قادت الجهاد ووحدت كلمة المغاربة بفضل انتسابهم إلى الدوحة النبوية الشريفة، ونظرا لدعم ومناصرة الطريقة الجازولية لهم. ثم أسرة الشرفاء العلويين من بعدهم.

   إن القاسم المشترك بين هذه الدول والأسر التي تعاقبت على حكم المغرب منذ الربع الأخير من القرن الثاني الهجري تمثل في عنصرين أساسيين:

   1  شرف النسب الذي اعتمد عليه كل من تصدر للدعوة بالأمر لنفسه،.وقد كان لهذا العنصر بالغ الأثر في التفاف المغاربة حول كل من ينتسب إلى الدوحة الشريفة، نظرا لتمسكهم الكبير بالإسلام وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ونظرا كذلك لاعتقاد المغاربة في جلب البركة والخير لبلدهم بتولية آل البيت الحكمَ. فكذالك كان الأمر مع إدريس الأول مؤسس دولة الأدارسة، ومع السعديين والعلويين الذين ينحدرون من سلالة النبي صلى الله عليه وسلم.

   2  العنصر الثاني تمثل في الريادة السياسية للزوايا. ذلك أن معظم بل وأقوى الأسر التي حكمت المغرب انطلقت من الزوايا، وبدأت دعوتها من الرباطات الدينية واعتمدت في دعوتها على الجمع بين المسلكين اللذين تربى عليهما الرعيل الأول من المومنين في صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الجمع بين الحهادين : جهاد تزكية النفس وجهاد بناء الدولة والذود على ثغورها والقيام ضد فساد الحكم الذي تترتب عنه باقي مظاهر الفساد، الأخلاقي والاقتصادي والاجتماعي.. وهذا مثال المرابطين والموحدين بشكل خاص.

   أو أن تلك الدول قامت ونشأت بمبادرة ونصرة الزوايا كما هو الشأن بالنسبة للزاوية الجزولية لما ناصرت ودعت لقيام الشرفاء السعديين والعلويين من بعدهم.

   للمغاربة تاريخ طويل مع الزوايا، ومع رجال الدعوة والتربية، وطالما عُرف بأنه بلد أهل الله من الأولياء والصالحين والشرفاء.

   وكثيرا ما كان المغاربة، حينما تَحْزُ بهم الأمور، جفاف أو وباء أو غزو الكافر للبلاد..، يتوجهون إلى الأولياء والصالحين طلبا لدعائهم الصالح، بل ودعوتهم للمشاركة بهمتهم وما آتاهم الله من فضله وما فتح به عليهم في تعبئة الناس وحثهم على القيام في وجه العدو الكافر أو في رد ظلم سلاطينهم..

   المغرب اليوم، يشهد آخر مراحل ظهور وبزوغ جماعة دعوية كان منشأ صاحبها ومنطلق مسيرته الدعوية هي إحدى أهم الزوايا بالمغرب وهي الزاوية القادرية البودشيشية، ذلك المحضن الذي تربى فيه الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان شابا، وتلقى على يد شيخها الحاج العباس رحمه الله وأحسن إليه، أصول التربية وتزكية النفس وسلك به دروب معرفة الله.

   من داخل هذه الزاوية تبلور لدى الأستاذ عبد السلام ياسين مشروعه الدعوي الكبير الذي ضاقت به جنبات الزاوية بعد وفاة الشيخ العباس، فزمن القعود والاكتفاء بالبحث عن الخلاص الفردي والزهد في دنيا الناس وما تتطلبه من مدافعة ومنازلة إزهاقا للباطل وتثبيتا للحق قد ولى. فكان لابد من البحث عن محضن آخر يتسع لذلك المشروع الجهادي، سيرا على منوال ومنهاج النبي الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإحياء لسنة الجمع بين الخلاص الفردي الذي ينبغي أن يبحث عنه كل مؤمن، وبين الخلاص الجماعي الذي يجب أن يجتمع عليه المومنون إنقاذا للأمة واسترجاعا لسيادتها وعزها..

   على هذا الأساس قامت الدول في المغرب. جهاد النفس وتزكيتها، وجهاد العدو الكافر المتربص باستقلال البلد، والذي لن يتأتى إلا بالقيام ضد فساد الدولة والنظام القائم.

   لكن الفرق بين الأمس واليوم بين وواضح وعميق.

   في الأمس، الرجال الذين أسسوا الدول في المغرب كان يفتقدون لمشروع شامل متكامل وواضح لما كانوا مقبلين عليه، كان الهاجس الذي يتملكهم، والهم الذي يشغلهم يتمثل في القضاء على فساد السلاطين والأمراء، والحد من سفك دماء المسلمين بسبب صراعاتهم وحروبهم على الحكم والسلطة، وتوحيد المغاربة على كلمة واحدة عنوانها الوقوف في وجه المستعمر الكافر، الذي استباح ثغور البلد مستغلا انشغال السلاطين بالحروب والنزاع حول العرش.

   فكان السيناريو يتكرر في كل مرة بعد قيام ونجاح الدعوة الجديدة واستئثارها بالحكم.. ذلك أنه بمجرد استتباب الأمن واسترجاع بعض الثغور، والنجاح في التوسع وامتداد نفوذ الدولة الفتية والقوية، يظهر نفس الداء الذي نخر جسم سابقتها من الدول ألا وهو داء الحكم العضوض. فينشأ الصراع من جديد بين الأبناء والأحفاد على الحكم. ويستنجد هذا بالعدو الكافر على الطرف الآخر، فتضيع ثغور وأراضي المغرب، وتسفك دماء المسلمين وتغرق البلد في دوامة أخرى من الحروب والويلات تعمر دهرا من الزمان، تتعطل خلاله جهود البناء والتنمية، وتتراجع كل الآمال في تقوية المجتمع وتماسكه ونهوضه للوقوف في وجه التحديات التي كانت تتهدده في فترة بدأت أوربا تستعيد عافيتها، وتنزع إلى التوسع على حساب الدول المتخلفة والغارقة في المشاكل الداخلية.

   لكن لا ينبغي أن نغفل معطى رئيسا ومحوريا ما كانت لتحيد عنه الأحداث في تلك الفترة ونحن نستعرض بعض خصائصها. ذلك أن نمط الحكم الذي عرفه المغرب في هذه الحقبة التاريخية جاء في سياق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث نقله الإمام الشاطبي عن الحافظ البزار: حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن أول دينكم نبوة ورحمة. وتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم يكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعه الله جل جلاله. ثم يكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي، ويُلْقي الإسلام بجيرانه في الأرض، يَرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطر إلا صبه مدرارا، ولا تدع الأرض من نباتها وبركتها شيئا إلا أخرجته”.

   فجاءت إذن الأحداث في تلك الحقبة التاريخية موافقة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك ما أوضحته، أنه كلما قامت دعوة جديدة وظهرت أسرة أخرى وتمكنت من الحكم، إلا وانتهى أمرها إلى نفس ما انتهت إليه سابقتها. بمعنى أن البداية تكون صادقة وخالصة، ترنو إصلاح الفساد والعدل بين الناس وتحرير البلاد.. لكن في غياب مشروع عام للدولة كان من المستحيل أن يستمر الخلف على نفس المنوال والمسار الذي بدأه السلف المؤسس. فيستحيل الحكم إلى وراثة مقيتة سماها الرسول صلى الله عليه وسلم ملكا عاضا.

   أما اليوم فنحن بصدد مرحلة وفترة جديدة وحساسة من تاريخنا. مرحلة تؤسس لموعود الله الذي بشرنا به المصطفى صلى الله عليه وسلم كما جاء في الفقرة الأخيرة من حديث البشارة ” ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي ” فكان لابد من أن تكون الهمة بقدر المهمة، والتخطيط و والرسم والتصميم والأساس بقدر ضرورة رسوخ البناء ورحابة الأفق وسمو الصرح.

   كان لابد إذن من مشروع ضخم متكامل وشامل في مستوى المرحلة التي نحن بصددها. ولابد من صناعة طليعة ورجال تشربوا كل معاني ذلك المشروع ، وعلى أهبة للسير بمراحله في خضم ما يحيط بهم من عواصف التخويف والإرهاب. والتشكيك والتشويش. لا يلتفتون عما هم عليه، ولا يستفزهم من يكيد لهم. حاذيهُم اليقين الراسخ فيما وعد به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يساهمون بجهدهم موافقة لقدر الله الذي يخبر به الغيب. دون تواكل أو انتظار، ودون عُجب أو اغترار..

   هذا ما تعمل به وعليه جماعة العدل والإحسان في هذا القرن. قرن الإسلام إن شاء الله الخبير العلام.

   وهذا هو الفرق بين الأمس واليوم.

   من رَحِمِ الزاوية تَخَرج الأستاذ عبد السلام ياسين بعد أن تشرب معاني الربانية من القوم أهل الله. وراح يؤسس وينظر لأمر يروم توحيد كلمة الأمة ولم شتاتها وتوجيهها نحو ما يعيد لها عزتها وإمامتها للعالمين. فكان أن رسم الطريق قبل السير، ووضع الخطة والمنهاج قبل العمل. وسعى في ربوع المغرب يعرض منهاجه ويستحث العلماء وأهل الدعوة للنهوض معه لما يحاوله. فاستجاب له من سبقت لهم الحسنى وزيادة. وأعرض من منعه الاغترار بالنفس وطلبُ الريادة.

   الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله لم يؤسس زاوية فقد تركها للتو، بل أسس مدرسة ربانية تسير بروادها على هدى من الله. مقتفية منهاج النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، لتحيي سنة الاشتغال والتهمم بمصير العباد الأخروي، واستحضار هم الدنيا التي فيها معاش الناس. ليَنتظم ويستقيم ويستويَ بالاستغراق في هم الآخرة.

   لقد جمع الله للأستاذ عبد السلام ياسين ما تفرق عند كثير من الدعاة والمصلحين. فهو من جهة سليل آل البيت ويرجع نسبه إلى المولى إدريس.

   ومن جهة أخرى، كانت ولادته ونشأته الروحية في الزاوية القادرية البودشيشية منطلقا لتأسيس جماعة دعوية تربوية تشكل أقوى تنظيم سياسي في المغرب يملك مشروعا متكاملا وواقعيا للتغيير والإصلاح.

   واليوم، وقد تفضل الله على جماعة العدل والإحسان بعظيم عطاياه، وأغدق عليها بنعيم مزاياه. فألف بها قلوبا تاقت لمعرفته، وجمع بها عقولا ضاقت بشتاتها وغربتها. فتعارفت القلوب والأرواح، وتقاربت العقول والأشباح. فصار الحال غير الحال. واستحالت الفرقة صحبة وانجماعا، والغربة رفقة واتباعا، والممانعة محبة ومشورة وطاعة.

   وهكذا تأذن أن تنتظم جماعة دعوية ربانية تجمع في مشروع عملها بين الجهاد الأنفسي والجهاد الآفاقي، كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين، وتبشر بدنو فجر جديد يَعد الأمة بمرحلة ونقلة نوعية وتاريخية. ليجعلها القدر الذي تحكمه إرادة الله، باعثة للأمل في قلوب المسلمين في كل الأرض، وحاملة للواء اليقين المطلق في موعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالخلافة الثانية على منهاج النبوة. مستندة إلى علة الأسباب، سنة الله.. التي تؤطر فعل البشر وتُسَيج حركتهم في الأرض.

   اليوم اكتمل بإذن الله البناء، واتسع الوعاء. وآن أن يفيض بخيره على الأمة، ويعم بفضله على العامة. ويشارك بعطائه وما يختزنه من همة، وبخبرته وما اكتسبه من دربة. في خدمة الشعب. يَحْمله على طاعة الله ومحبة نبيه صلى الله عليه وسلم. يعيد إليه الثقة في موعود الله، وفي النفس. ويستنهضه للفعل والمبادرة. ويستحثه على العمل والمثابرة. لا يستقيله من واجبه التاريخي في الانبعاث واليقظة، ولا يُسْلِمُه لِمَضانِ الانتظار والدﱠعَة.

   فَعَوْداً على بَدْء، تتأهب جماعة العدل والإحسان بطليعتها المباركة، ومعها قاعدة عريضة من الشعب المغربي، وجمع غفير من فعالياته وأطره وذوي المروءات من أبناءه وبناته. لاستلام راية العودة والأوبة إلى الله. ولاستئناف الطريق في مسار تصحيحي لواقع الانكسار التاريخي الذي خيم على الأمة منذ انتهاء الخلافة الأولى، باغتيال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

   السور الذي انتصب بين الأمة وتاريخها المجيد، يوم كان القطار يسير في الطريق الصحيح صار يتهاوى ارتفاعه ويتصدع سمكه. وأضحت الشقوق تنخره معلنة عن دنو أجل سقوطه.

   ومطلوب الى الطليعة المجاهدة أن تكون على أهبة الاستعداد لتلقي نبأ ذلك السقوط. وتمام الاستعداد في حقها أن تدرك جسامة ما ينتظرها من جهد وبذل وعطاء لا ينتهي لصالح هذا الشعب الذي طال أمد ظلمه وقهره. وحُرم لقرون من نعمة العيش في ظل دولة القرآن التي تعطي بحق ولا تمنع إلا بحق.

   فطبول الفرحة بيوم الفتح سرعان ما يخفت قرعها. مع بزوغ فجر اليوم التالي، لا ينبغي أن تشرق الشمس على أحد من طليعة هذا الشعب وهو نائم في فراشه.

   فالصبر الصبر يا حملة لواء اليقين. والعمل العمل حتى يأتيكم اليقين. والعاقبة للمتقين. ولا عدوان إلا على الظالمين. والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

(1) ابن خلدون، العبر الجزء.3

(2) الناصري، الاستقصا، ص 111، ج4.