غريب أمر الديمقراطية عندنا، وفي بلدنا، هذا المصطلح الضخم الذي يحمل بين حروفه معني سيادة الشعب، ويحمل بين طياته الأمن والسلام، والحرية والتعددية، والقضاء على حكم الفرد وكل طغيان، ويدعو للتعاقب على الحكم واحترام حقوق الإنسان…..إلخ. هذا كله هناك في تلك البلدان المتحررة من نير الاستبداد والاستعباد. هذه القيم هناك في تلك الأوطان التي تفصلنا عنها بحار ومحيطات وحواجز أخرى لا يعلمها إلا المخزن المتربص على الحدود من أن ينفلت شيء من هذه المعاني إلى وطننا، فيفسد الشعب ويحدث الشغب.

أما نوع الديمقراطية في بلد المخزن – وفي العهد الجديد، ومع حكومة التناوب المنافحة عن الحقوق والتي زعمت أنها طوت صفحة الماضي بأمر من الملك لتطوي عهد القمع والرصاص بتعويض من رضي من أولئك الذين ألقي بهم في غياهب السجون أو تعويض الذين فقد أبناِؤهم ولم يعثر لهم على أثر- تحمل معاني أخرى ومفاهيم مغايرة تماما للديمقراطية الغربية لأنها ببساطة ديمقراطية مخزنية. ولا حرج عندنا إن كان نفس المصطلح ولكن بمفاهيم ومعاني مخزنية، برلمان وأحزاب وجرائد ولكن الجميع يتقن دوره فوق خشبة المسرح.

ففي ظل الديمقراطية الممنوحة تقوم الحكومة بإرشاد الشعب إلى الأفكار والقيم التي ينبغي أن يؤمن بها، وهي بالمرصاد للأفكار السامة والخارجة عن فكر وسياج المخزن. فكل من يغرد خارج الثالوث المقدس فهو من الخوارج المبتدعين العاملين على إفساد عقيدة الشعب.

الديمقراطية في بلد التناوب عندنا هي استمرار الوصاية على الشعب الذي لم يبلغ بعد سن الرشد. ولا استغراب مما يحدث في أرجاء البلاد من اعتداء على المساجد واقتحام للبيوت واقتداء كل من وجد فيها متلبسا بالذكر والقيام ومناجاة رب العباد، ولا حرج في هذه الديمقراطية الدوس على كل القوانين والحقوق، فيسرق الأثاث والحلي، وتحطم النوافذ، وتشمع الأبواب حتى لا يلجها أصحابها.

ومن مميزات الديمقراطية المخزنية أنها تستعمل كل الوسائل لمنع الكلمة الحرة من وصولها إلى الشعب، فتسعى لخنقها لكي لا تفضح زيف الشعارات التي يروجها النظام ولأن الكلمة الحرة الصادقة الوفية لمبادئها هي وحدها الكفيلة بوضع حد فاصل بين الديمقراطية المنشودة والديمقراطية التي تكرس لمشهد سياسي مغشوش، متسلط يصادر ويمنع.

رحم الله أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يهدده العبد المجوسي بالقتل ويفهم الإشارة ويخبر بذلك من كان معه في ذلك المجلس، ومع ذلك يبقى أبو لؤلؤة المجوسي حرا طليقا. روت كتب التاريخ أن أبا لؤلؤة المجوسي قال لسيدنا عمر بن الخطاب: ¬لأديرن لك رحى لا تسكن إلى يوم القيامة. فقال سيدنا عمر إن العبد قد أوعد ولو كنت أقتل أحدا بالتهمة لقتلته.

فهذا تاريخنا وهذا ديننا وهذا ما ننشده لأمتنا. ولا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها.