لا يملك المراقب للشأن السياسي المغربي سوى أن يؤكد ملاحظة الباحث الأمريكي جون واتربوري في الستينيات التي تقول بثنائية التوتر والجمود المهيمنة على الفعل السياسي (أمير المؤمنين، الملكية والنخبة السياسية المغربية). ورغم مضي عقود على ذلك التحليل، إلا أن الحياة السياسية المغربية ما تزال تلازم مربع الأزمة وإن بأشكال وصور جديدة..

   ما تزال السلطة موحدة بيد مشرعة منفذة حاكمة محتكم إليها، وإن كان المشهد المؤسسي العام يوحي بحركية وحيوية لا تخفى على الخبير بآليات الديمقراطية أنها مجرد ترويح عن النفس في يوم عيد أو نهاية الأسبوع!

   وما تزال المواطنة حديث منتديات أكاديمية ومطالبات حقوقية وجولات إعلامية لا أكثر.. بل أصبحت المواطنة ملخصة في عبارات مكتوبة في أنحاء مملكتنا السعيدة: “أداء الضرائب واجب وطني”!

   وما تزال الكلمة الحرة المسؤولة في دنيا التعبير جريمة في حق “المقدسات” أو على الأصح “المقدس” لأن الدين لم يكن يوما ما مقدسا في بلادنا، ولا كان حماه محروسا من استباحة السفهاء!

   والأدهى أن الفقر هو صنو الحياة الفردية للمواطن المغربي الذي يصارع بشكل انفرادي أمام استمرار النهب المنظم لثروات البلاد والعباد، واستمرار التزوير الرسمي لإرادة الفئات الشعبية!

   هكذا يبدو المشهد الوطني أمام كل ناظر يأبى أن يستورد النظارات المخزنية ليوهم نفسه بأن المغرب يعيش انتقالا ديمقراطيا، ويتمتع ببركات مشروع حداثي، ويتأهب ليقطف ثمرات المبادرة المخزنية للتنمية البشرية.

   وفي ثنايا هذا المشهد البئيس يبدو هجوم بعض أجهزة الدولة على أنشطة ومقرات جماعة العدل والإحسان في مناطق مختلفة صورة من صور المشروع الحداثي، وعلامة فارقة على الانتقال الديمقراطي الهادئ، ومنهجا سديدا في التنمية البشرية الموعودة.

   ذلك أن الهجوم العنيف على المواطنين -الذين أبوا أن يدينوا بالعقيدة المخزنية التي عمت بلواها جميع الأنشطة الإنسانية، تربية وتعليما وصحة واقتصادا…وأثمرت هذا الفشل الكبير في إدارة كل ملفات “المغرب المستقل”- يؤشر على صواب الرؤية السياسية للعدل والإحسان التي تدعو إلى طي ملفات الأزمة من خلال حوار وطني موسع لا يقصي إلا السفهاء والموالين للمصالح الاستكبارية العالمية.. حوار وطني هادئ يبحث في جذور الأزمة والبدائل الممكنة وفق معايير الإسلام الصحيح والمروءة الإنسانية.

   لكن، ألا يمكن أن نتأمل في تضاعيف هذا العنف الوحشي على كيان دعوي سياسي من مبادئه الثابتة “لا للعنف” لعلنا نفهم الخلفيات التي تؤسس “حداثيا” لمصادرة الحق في الوجود والتعبير، والرسائل التي تقصدها تلك الأجهزة الديمقراطية من وراء منع الأيام التواصلية المنظمة في الأسابيع الأخيرة.

   1. خلفيتان: نريد أن نفهم الخلفيات السياسية التي تدعو أجهزة السلطة المتجاذبة المتناقضة المتشاكسة إلى انتهاك حرمات الناس، ومخالفة القوانين التي صادقت عليها (ثم كذبتها)، وتفعيل المفهوم الجديد للسلطة، واستنزال بركات العهد الجديد.

   ما الذي يجعل السلطة تزداد تهورا واستكبارا وعتوا كلما رأت من شباب المغرب انتماء سياسيا راشدا، وفعلا مجتمعيا ناجحا، وهي التي تدعو عبر وسائلها المؤممة في الإعلام والأحزاب والحكومة والبرلمان..إلى تجديد مشاركة الشباب في الشأن العام، والانخراط في المنظمات المدنية والسياسية؟

   ما الذي يدفع هذه السلطة  ذات المرجعية الحداثية الكونية والإسلامية المتسامحة  إلى تطويق ومحاصرة البيوت والمقرات التي تنعقد فيها مجالس النصيحة والذكر وقراءة القرآن وتدارس السيرة النبوية والأحاديث الشريفة، وإلى ترهيب النساء والأطفال ليلا ونهارا، والسطو على الأجهزة والممتلكات؟

لعل خلفيات هذا الهجوم العنيف على جماعة العدل والإحسان  وإن لم يكن مفاجئا أو غريبا على دولة الجمر والرصاص  يمكن أن نحددها، اقتراحا لا حصرا، في أمرين على الأقل:

   ” ملابسات 2006: الأكيد أن رؤى ومشاهدات العدل والإحسان خلقت ارتباكا لدى كثير من الفاعلين والمنتسبين إلى مجالات الإعلام والسياسة، وحتى بعض أبناء الحركة الإسلامية! وهو الارتباك الذي جعل السلطة تجند أجهزة متباينة لرصد الإمكانات والاحتمالات ذات الصلة بالموضوع، وتضيع أموال الشعب في رصد التحركات والتجسس على الهواتف الثابتة والمحمولة، سيرا على سنة السلف الطالح و”الرجال الأشداء” ادريس البصري ومعاونيه، في الوقت الذي كانت الدولة مطالبة بالاستماع إلى نداء الحق والصدق، والطي الفعلي لا المسرحي التمثيلي لصفحات الماضي الأليم.

    الارتباك تولد عن نوع من الحيرة بين ما تشير إليه رؤى عالم الغيب وتصدقها كوارث عالم الشهادة، وبين ما يتطلبه موقف “التسامح الديني والحداثة اللائيكية” من حزم وصرامة مع المتنطعين الرافضين للانخراط الطوعي أو القسري في لعبة السياسة المريضة المدمرة للبلاد والعباد.

    الارتباك أيضا أنتج إصرارا على الاستمرار في ذات الطريق الموصلة إلى الهلاك والدمار تحت اسم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو الانتقال الديمقراطي أو تدشين الحداثة… وهي شعارات القاسم المشترك فيما بينها هو تهميش الشعب وقواه الحية، وتزوير الاستشارات الشعبية، ونهب الثروات والأموال العمومية، ومنع مساءلة المفسدين والجلادين، ومحاكمة الأصوات الحرة في السياسة والإعلام!

   ” نجاح كبير في التواصل: لم يكد الحاكمون بالوكالة في هذا البلد يخرجون من دائرة الارتباك المتصل بموضوع 2006 حتى فاجأتهم الجماعة بتنشيط أيام تواصلية وتعريفية بأجهزتها ومشروعها التربوي والسياسي، والعمراني الشامل، عبر ربوع المغرب وحواضره وقراه. وكان لهذه الأيام التواصلية أهداف محددة، داخليا وخارجيا، برهنت مؤسسات الجماعة ورجالها ونساؤها على قدر كبير من استيعابها وترجمتها ميدانيا. كما برهنت السلطة على نجاحها الواضح من خلال التدخل العنيف لإيقاف بعضها ومنع وإجهاض البعض الآخر.

    ونحن، إزاء هذا الخرق لحقوق المواطنين في التعبير والتنظيم والانتماء، مجبرون على مجابهة أسئلة كثيرة متناسلة.. هل كانت الدولة ذات المرجعية الحداثية والديمقراطية في حاجة إلى إجهاض هذه الأيام التواصلية، وترهيب المواطنين الأبرياء، وبالتالي تشويه سمعة تجربتها الديمقراطية “النظيفة جدا” و”المتقدمة جدا في العالم العربي”؟

    هل كانت السلطة ستفضل لغة القمع لو قبلت جماعة العدل والإحسان بالانخراط في مسلسل الإعداد لانتخابات 2007، وجعلت أيامها التواصلية جزء من الحملة السياسية المبكرة لتلك الانتخابات؟

    أيُمكن أن نقرأ أحداث العنف الرسمي ضد الجماعة ورموزها ومقراتها ضمن سياق تهيئة الأجواء لأحزاب السلطة ودعاماتها التي عجزت عن التواصل مع عموم الجماهير الشعبية بينما أفلحت العدل والإحسان في أن تكون القوة السياسية الأولى المرشحة شعبيا لإنقاذ الحياة العامة للمغاربة من التهديد المستمر والظلم والتجويع؟

   2. رسالتان: نود في هذه الفقرة أن نتعرف على الرسالتين المقصودتين من خلال الاعتداء على قاعدة عريضة من المواطنين الذين أرادوا أن يختبروا شعارات المؤسسات المتنفذة، فأقبلوا على تنظيم ملتقيات للتعريف بالتصورات المجتمعية التي يؤمنون بصدقيتها في النهوض بأعباء تغيير ما بالأمة من وهن وغثائية وتقهقر.

    هذه الحلقة الجديدة من حلقات قمع شرفاء هذا البلد واستمالتهم إلى الخضوع لمشيئة العبث بمقدرات هذا الشعب وثرواته، وهذا الضرب من العدوان المقيت على حرمات الناس، لا يجوز فهمهما إلا باستحضار جملة من المواقف والمبادئ التي أعلنتها العدل والإحسان منذ نشأتها وطوال مسيرة بنائها؛ إنها مواقف الانحياز إلى الشعب – بصفته مستضعفا تحت أقدام مستكبرين دأبوا على نهب ممتلكاته، وتسفيه عقوله  ونصرته والدفاع عن قيمه الدينية الصحيحة، ورفع مطالبه في العيش الكريم والعادل.

    وهي أيضا مواقف الجهاد السياسي، على أسس الرفق والتؤدة والصبر والوضوح، ضد كل السفهاء والدجالين في سوق السياسة والإعلام الذين يجعلون الظلم والتفقير والتبذير مشروعا مجتمعيا ، ويرون محاصرة العلماء والدعاة رؤية حداثية لكيفية التأقلم مع “العولمة ومشتقاتها”.

    لكن ديمقراطية دولتنا سرعان ما يضيق صدرها حينما ترى جماعة العدل والإحسان تمتلك من القدرات والطاقات الشابة، رجالا ونساء، ما يؤهلها لتفعيل تواصلها مع الشعب المغربي المسلم الكريم ولو في أجواء الحصار والتضييق. ولعل الرسائل المحتملة من هذا الهجوم العنيف على جماعة هذا شأنها وهذه مواقفها، يمكن تحديدها في المحورين التاليين:

   ” القمع سياسة ثابتة: تريد بعض أجهزة السلطة أن تكذب شعاراتها حول الانفتاح والمرونة واحترام حقوق الإنسان.. وأن تثبت لشركائها المحليين والخارجيين أن رؤى 2006 لن ترهبها أو تشل حركتها في تأديب المتنطعين الصابئين عن دين الجبر الذي أهلك البلاد والعباد، وأن فعاليتها القمعية إزاء المد المتنامي لأنشطة العدل والإحسان لن تتوقف أو تضعف لمجرد إشاعة تغيير مرتقب.. والحقيقة أن كل عاقل لا يتوقع ممن تعود على الظلم ولم ير يوما محاكمة أو متابعة إلا لضحاياه، لا يتوقع منه أن يتراجع عن غيه إلا أن يقصمه الله عز وجل ويجعله عبرة تنضاف إلى المثلات من أنظمة منهارة قديما وحديثا.

   ” لكم الهامش.. ولنا الساحة: تجربة الجماعة مع السياسة الخرقاء للسلطة تحبل بالأمثلة الكثيرة التي تثبت أن الهدف هو عزل الجماعة عن الساحة العامة، ومنعها من التواصل مع عموم الشعب ولو اقتضى الأمر تكسير الجماجم والعظام وإجهاض الحوامل وترهيب الأطفال!

    تجربة الحصار الطويل لأنشطة الجماعة أثبتت هذا العدوان كما برز جليا في منع المخيمات الصيفية وقمع المواطنين الذين تمسكوا بحقهم في النزول إلى الشواطئ العمومية ،وتكسير العظام في يوم 10 دجنبر احتفاء باليوم العالمي لحقوق الإنسان…

    تجربة القمع والحصار أفادت ملخصا موجزا هو تحجيم قوة العدل والإحسان، ومنعها من اختراق حواجز التعبير الحر عن التصورات والأفكار، وبلورة أشكال التواصل مع سائر الشرائح الاجتماعية المغربية.

   3. ورسالة واحدة واضحة: التجربة نفسها علمت السلطة أن العدل والإحسان ازدادت رسوخا في الساحة السياسية والإعلامية الوطنية والدولية، وازداد رموزها تألقا في المنتديات والمؤتمرات القطرية والعربية والأجنبية.

    التجربة نفسها علمت جلادينا المتميزين جدا، الأغبياء جدا، أن أبناء الدعوة لم ولن يبيعوا دينهم بالأموال المنهوبة والممتلكات المسروقة والكراسي المزورة.. ولن يخونوا الأمانة التي حملوها طويلا، أمانة الدفاع عن أعراض المسلمين وعقولهم وأرواحهم وحقهم المقدس في الاحتكام إلى شريعتهم ومنهاج نبيهم عليه أفضل الصلاة والتسليم.

    التجربة نفسها أثبتت أن حصار الدعوة في هذا البلد، وفي غيره من بلاد المسلمين، ماض إلى غير رشد. وأن قدر الدعوة الصادقة المجاهدة النابذة للعنف هو النصر المظفر. والله حسبنا ونعم الوكيل.