رتَّبَتْ قدرة الله العزيز الحكيم في الآفاق وفي الأنفس أن النتائج لا تأتي قبل المقدمات، وأن الصيف لا يأتي بالثمرات وأنَّ الزروع لا توتي حصيدها قبل مطر الشتاء وشمس الربيع،وأن الناس لا يستجيبون لداعي الله ولا يدخل الإيمان في قلوبهم ولا تتألف صفوفهم إلا مع الوقت والصبر وطول المعاناة. ولذلك كانت التؤدة من أهم خصال النبوّة، وكانت أسوةُ: “ولقد كُذِّبَتْ رسل من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا، ولا مبدل لكلمات الله”[1] سنة النبيئين وسنة من يتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

      من سنة الدعوة التدرج في البناء، وعامل الوقت الذي تدل عليه “حتى” أساسي في القضية. وما وَسِعَ أمةَ الإسلام في مرحلة بنائها الأول يسعُها، بل لا يسعُها غيره، في مرحلة إعادة بنائها. تدرجت النبوة والخلافة الأولى بالناس من جاهلية سائبة لإسلام متمكن، وكذلك تتدرج إن شاء الله الخلافة الثانية بالمسلمين من غثاء شتيت إلى وحدة قائمة، ومن إيمان بال خَلَقٍ إلى إيمان متجدد، ومن كَمِّ قاعد إلى جند مجاهد.

      وليس يبني وازع السلطان وحده شيئا. ولا يُفيد الزجر والوَزْع والردع والعقوبة إن لم يكن في القلوب إيمان حي يكتنزه صاحبه كما يكتنز أعز شيء وأثمنه، يخاف أن يُسلَبَ نعمة هي حياته ومعناه. يسمع المومن والمومنة خبر الوحي أن المومن لا يزني حين يزني وهو مومن، ولا يشرب حين يشرب وهو مومن، ولا يسرق ولا ينتهب، فهو دائما على حذر أن يتدنَّس سِرْبال إيمانه بمعصية، يزعه القرآن وتَزَعه السنة ويخاف وعيد الآخرة ويرجو رحمة ربه.

      في المجتمع الإسلامي المومن حاملُوه المُحسنِ خِيارُه تكون المخالفة العلنية استثناء، وتكون العقوبة أقرب إلى التوبيخ العلني، قسوتُها في رمزيتها وفي مس شرف المخالف. المخالفون في مثل هذا المجتمع شاذُّون قد أحاطتهم اليقظة العامة المناهضة للمنكر بسياج من الحيطة، يحتقر أحدُهم نفسه أن يقع في محظور، إن لم يَرْعَوِ خوفا من الله ارعوَى خوفاً من الفضيحة.

      روى الإمام البخاري في صحيحه عن السائب بن زيد رضي الله عنه قال: كنا نؤْتَى بالشارب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإمْرةِ أبي بكر وصدرٍ من خلافة عمر. فنقوم إليه بأيدينا ونِعالنا وأرديتنا. حتى كان آخر إمْرةِ عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتَوْا وفسقوا جلد ثمانين.

      قال أهل اللغة: عتا بمعنى نَبا عن الطاعة وخرج. الأصْلُ الطاعة، والمطيعون هم القاعدةُ الاجتماعيةُ. والمخالف نابٍ خارج تدرَّج المسلمون في عقابه من ضرب بالأردية والنعال إلى الجلد كلما عز الإسلام وقوِي الإيمان واكتمل السلطان.

      وبالتدريج تنزل الوحي والتكليف والأحكام. لم يكن بمكة سلطانٌ يزع المسلمين قبل الهجرة، ولم يُفْطَمْ المسلمون عن مألوفهم في الجاهلية إلا بالتدريج. جاء عراقي إلى أمنا عائشة رضي الله عنها فقال: “يا أم المومنين! أريني مصحفك. قالت: لم؟ قال: لعلي أُؤَلِّفُ القرآن عليه (أي أرتبه) فإنه يُقْرأُ غيرَ مؤلَّفٍ. قالت: وما يضرك أيَّهُ قرأت قبلُ؟ إنما نزل أولَ ما نزل منه سورة من المُفصّل فيها ذكر الجنة والنار. حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام. ولو نزلَ أوّلَ شيء: لا تشربوا الخمر! لقالوا: لا ندع الخمر أبدا! ولو نزل: لا تزنوا! لقالوا: لا ندع الزنى أبدا!” الحديث رواه البخاري رحمه الله.

      من الناس من يرى واجبا على الإسلاميين أن يبدأوا بالعقوبة أولَ ما يصلون إلى الحكم مُقدِّمين أن التنزيل اكتمل،وأنه لا يسَعُنا إلا التطبيق الكامل منذ أولِ يوم يحوز فيه السلطانَ أهلُ القرآن. مثلُ هؤلاء الصادقين الغائبين عن حقائق النفوس وعن أسرار الشريعة يستنبطون استنباطا تعسُّفيا يُلْغي سنن الله ويلغي العلة القياسية. وفي قول أمنا عائشة رضي الله عنها: “لَوْ قال كذا لقالوا كذا” فقه للأسباب والعلل لمن أراد أن يذَّكَّر أو أراد شُكورا.

      وَلَوْ بدأتَ يأيها الحاكم الإسلامي بالعقوبة وأنت ومن معك قلة تفيض من حواليها الجماهير لقالوا لك. ولو فعلت لنفَّرتَ والإسلام يبشر ويؤلف. “يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا” حديث متفق عليه. ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري ومعاذاً بن جبل إلى اليمن أولَ ما أسلمَ أهل اليمن أوصاهما قائلا: “ادعُوا الناس، وبشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا” الحديث أخرجه الشيخان. قال: ادعوا الناس، ما قال: عاقبا الناس أولَ شيء.

      “إن هذا الدين يسر، ولن يُشادَّ الدينَ أحد إلا غلبه. فسددوا وقاربوا” حديث رواه البخاري.

      إن فطام الناس عن عوائدهم ومألوفهم أشقُّ شيء على النفوس، لا سيما إن طال على الناس الأمَدُ حتى تمكن الهَوَى واستعبدَ الناس. ثم إن الله عز وجل حين حرّم وأحل لم يقطع على الناسِ السبيلَ إلى حق النفوس ونصيبها من المتعة في الدنيا، بل جعل فيما أحل من الطيبات عِوضا عما حظَر ومنع. وجعل قبلَ العقوبة الوازعة مكانا فسيحا للمطالب الغريزية، فيه ترتع حلالا طيبا. بل جاء الأمر لهذه النفوس أن تقتضي حقها. قال الله عز وجل: “يأيها الرسل كُلوا من الطيبات واعملوا صالحا”.[2] وقال عز من قائل: “فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا”.[3] وقال جلت عظمته: “قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق”.[4]

      وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزَوْرك (أي زائريك) عليك حقا”. الحديث أخرجه الشيخان عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. زاد مسلم: فإن لولدك عليك حقا.

      لَمَّا بال الأعرابي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام إليه الصحابة ليعاقبوه قال الحبيب صلى الله عليه وسلم فيما قال: “إنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين”.

      أفتكون أيها الأحبة “بعثتُنا” بالتعسير والتنفير قبل أن نبني القاعدة الواسعة وقبل أن يستأنِس أعرابيُّنا بأنّ دينه يفطم عن الخبائث ويُحل الطيبات، ويقدم الطيبات، ويسعى للعدل، ويعمل ليأخذ كل ذي حق حقه؟ كيف تَقطَع الأيديَ في مجتمع يسودُه الجَوْرُ، مجتمعٌ يزداد فيه الفقير فقرا والغني غنِىً؟

      إن جئنا بالعسر والمشقة إلى أهواء الناس نوشك أن يثور علينا الناس. قال الإمام الشاطبي رحمه الله في “الموافقات”: “إن مخالفة ما تهوَى النفس شاقّ عليها، وصَعْبٌ خروجُها منه (…). وكفى شاهدا على ذلك حالُ المُحِبّين، وحال من بُعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين وأهل الكتاب وغيرهم ممن صمَّمَ على ما هو عليه،حتى قال تعالى: “أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم”[5] الآية. وقال: “إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس”،[6] وقال: “أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوءُ عمله واتبعوا أهواءهم”.[7] وما أشبه ذلك. ولكن الشارع إنما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلف عن اتباع هواه حتى يكون عبدا لله”.

      وذكر رحمه الله ما كان من عمر بن عبد العزيز صالح بني أمية الذي حاول أن يصلح ما أفسدوه رحمه الله. جاءه ابنه عبد الملك، وكان له بطانَةَ خير، وكان شابا متحمسا لإصلاحات أبيه، فقال يستعجله في تطبيق الحق وزجر الباطل: “مالك يا أبتِ لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أُبالي لو أن القُدور غَلَتْ بي وبك في الحق!”

      فأجابه عمر العالم المجتهد (وهذا أندرُ من النادر في الملوك): “لا تعجل يا بُني! فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة.وإني أخاف أن أحملَ الناس على الحق جملةً فيدَعوه جملة، فيكون من ذا فتنةٌ”.

      هذا هو الفقه، تجدَّد عند عمر بن عبد العزيز رحمه الله فاهتدى إلى تعليل السيدة الجليلة أم المومنين رضي الله عنها. هي أفهمت عراقيا أعرابيا كيف تنزلت الأحكام بالتدريج لعله “لو قال كذا لقالوا كذا”، وهو يخاطب شابا مليئا بالغيرة على الدين وبالغضب على المظالم الموروثة لا يدري أن الحق إذا فُرِض على الناس جملة أنكروه جملة.

      إنَّ تجذُّر العادات في الناس، في كل زمان ومكان، وتَمَكُّنَ الهوى حتى لَيُتَّخَذُ إلها لَعلّةٌ مانعة في يوم الإسلام وغده مما منعته في فقه الصحابة والتابعين. وإنما يُصلح آخر هذه الأمة ما أصلح أمرَ أولها كما قال إمامنا مالك رحمه الله. بالقياس السليم لا بالتقليد الأعمى. بمراعاة أحوال النفوس والزمان والمكان.

      من الفقه الثاقب ما كتبه شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله في كتاب “الفوائد” إذ قال: “الوصول إلى المطلوب (من الصلاح والخير) موقوف على هجر العوائد،وقطع العوائق. فالعوائد السكونُ إلى الدَّعة والراحة وما ألفه الناس واعتادوه من الرسوم والأوضاع التي جعلوها بمنزلة الشرع المتبع،بل هي عندهم أعظمُ من الشرع. فإنهم ينكرون على من خرج عنها وخالفها ما لا ينكرون على من خالف صريح الشرع. وربما كفروه، أو بدّعوه وضللوه، أو هجروه وعاقبوه لمخالفة تلك الرسوم. وأماتوا لها السنن، ونصبوها أندادا للرسول. يُوالون عليها ويعادون. فالمعروف عندهم ما وافقها، والمنكر ما خالفها”.

      يا من يريد إحياء سنن ماتت وترويض نفوس زمامها في قبضة هوىً جامح بين عشية وضحاها! كان الله لنا ولك، إنه نعم الوكيل.

الهوامش:

[1] سورة الأنعام، الآية 35.

[2] سورة المؤمنون، الآية 52.

[3] سورة النحل، الآية 114.

[4] سورة الأعراف، الآية 30.

[5] سورة الجاثية، الآية 22.

[6] سورة النجم، الآية 23.

[7] سورة محمد، الآية 15.