بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله المتسلط على كل طاغية متجبر، مدمر كل فرعون متكبر، وأكمل الصلوات وأكرمها، وأنور السلام وأوصله، على سيد الذاكرين الشاكرين، وأصبر المؤمنين الموقنين، سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.

(وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ {10}الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ {11} فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ {12} فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ {13} إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ {14}) ـ سورة الفجرـ

(وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ): أي الجنود والعساكر والجموع والجيوش التي تشد ملكه قاله ابن عباس. وقيل: كان يعذب الناس بالأوتاد، ويشدهم بها إلى أن يموتوا تجبرا منه وعتوا. وهكذا فعل بامرأته آسية وماشطة ابنته حسب ما تقدم في آخر سورة “التحريم”. وقال عبد الرحمن بن زيد: كانت له صخرة ترفع بالبكرات، ثم يؤخذ الإنسان فتوتد له أوتاد الحديد، ثم يرسل تلك الصخرة عليه فتشدخه. ـ الجامع لأحكام القرآن، الإصدار 2.02 / للإمام القرطبي ـ

دمر الله تعالى القهار، فرعون وجنوده تدميرا، وأخذه أخذ عزيز مقتدر، وجعله نكالا للعالمين وعبرة، لما عظم فساده، وبارز الله ودعوته بالحرب…

وكل فرعون عن هذا السير المهلك لايحيد، ينصب للخلق الأوتاد، ورب العباد من فوقه يمهله لأجل مسمى، وسوء عذاب، وكذلك فراعنة كل الأزمان، وإن كانوا لا يملكون أحيانا غير عِصي و”زراويط” بائسة عاجزة، لمحاصرة المؤمنين المتقين، ولترويع الذاكرين المخبتين، ولكن هيهات… ثم هيهات.

برنامج سياسي فرعوني عابث وبغيض، جور وجبروت لا يتغير، منذ أن كان أول الطواغيت، ومعه سنة الله في الأرض وناموسه في الكون الذي لا يتبدل، حين يمكن الله تعالى أمر الرشد لدعوته، ويمدها بطاقة نوره ويقينه، ويلبسها بحلة رضوانه، ويبتعث لها رجاله المجددين، وأولياءه الكمل الصالحين، يستيقظ الفرعون في يوم كرب عظيم ونكد، وحزن شديد وكمد، ما هذا الكابوس الذي أوشك أن يتحقق، والقدر الذي اقترب ؟!!، أهذا الملك المشيد والعز والهيلمان والسؤدد، أيهدم في لحظة، فينهار ويتبدد ؟!!، من ينازعني سلطاني ؟!!، من يؤلب علي عبيديٍ؟!!،” نعم يا ربنا، هذه مجالس الكفرة بك، وحلق ذكر الله وكلامه، الخطر على مملكتك ومنها يأتي هلاك فرعونيتك، وذهاب سلطانك..”.، هكذا وسوس له هامانات المملكة، وفسروا له الحلم الكارثة، وأعطوه التعويذة، “عليك بهؤلاء الذاكرين لله الذين يصومون سرمدا وأبدا عن ذكرك، يا فرعوننا المقدس عليك بهؤلاء القائمين بالليل يدعون ربهم ركعا وسجدا ولا يفترون، ولا يحنون الهامات لك ولا يوالون، عليك بهؤلاء المستضعفين الذين يجاهرون بصوت الرفض لفرعونيتك ويسفهون عظمتك ولا يؤمنون بجلالتك، عليك بهؤلاء القوم الذين فتحوا طاقة الغيب، وأشاعوا بين الناس من رعيتك بشارَة الفرج، ونبأ الفتح، وخبر الصبح الذي لاح”.!!!!!!

لم يحدثوه عن مملكة الجوعى وشعب الفقراء، ولا عن قوافل الصرعى بلا ثمن ولا كرامة، لم يخبروه بخطر دعوة المظلوم، وكم من ألف ألف مظلوم في مملكته الحزينة…، وكم من ألف ألف خزينة كانت لحاشيته أعطية بل رهينة، ولخسارته وسوء عاقبته التي لم تبك عليها الحرائر، لم يكن بين هاماناته رشيد أو حصيف…

استشاط الفرعون غضبا رهيبا، وتحولت دِعَّته وحيرته صراخا مدويا مجلجلا في أرجاء قصره العامر: استبيحوا كل المحرمات، حتى بيوت الله هدموها!، نعم هدموها!، شمعوا البيوت، انهبوا المقرات، وحلي نسائهم لا تتركوها!، اسرقوا كل متاع، خربوا كل بناء، سدوا كل الطرق، أغلقوا كل الممرات، استعملوا كل “زراويط” المملكة، اضربوا كل ذاكر لله كافر بي، رجلا كان طفلا، عجوزا أو امرأة، لا يهم، الأهم هذا الحبل الذي مد سأقطعه، هذا الغيب الذي كشف سأمنعه، هذه الدعوة سأذبحها في المهد!، من يعارضني حكمي قهرته، وسلطت عليه أوتادي و”زراويطي” ولا أبالي…!

هكذا فكر فرعون ودبر وقدر، ثم تولى وأدبر وتكبر، وهو يرغي ويزبد كأنه بركان حمم وتفجر: حربي على أولياء الله قد بدأت، وغارتي على عباده قد تقررت.

وطارت مواكب الغربان لتوها تحمل مرسوم التعليمات العلية، والأوامر الفوقية، تنعق بالويل والثبور، وتنذر بالتنكيل والفجور، وحرب شعواء لا تبقي ولا تذر، الفساد عدلنا، والظلم قانوننا، وشريعة فرعوننا “زرواطة” لكل رائي للغيب، أو مبشر بالخير، أو منخرط في مجالس ذكر، تأله غير سيدنا الفرعون، ربنا الأعلى المبجل…

(قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ{31} أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ {32}) ـ سورة الطورـ

قوله تعالى: “قُلْ تَرَبَّصُوا” أي قل لهم يا محمَّد ـ صلى الله عليه وسلم ـ تربصوا أي انتظروا. “فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ” أي من المنتظرين ـ يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم المُنتظِرـ بكم العذاب، فعذبوا يوم بدر بالسيف. ـ الجامع لأحكام القرآن، الإصدار 2.02 / للإمام القرطبيـ، قَهرهم الله تعالى أجمعين، ولم تقم لهم قائمة بعد أن جاء أمره وحل قضاؤه عز وجل، ولله الأمر من قبل ومن بعد، والله غالب على أمره، ولكن الظالمون لايفقهون.

وقلت بصوت اليقين، وقلب مطمئن مستبشر:قد حل بديارنا الصبــــاح *** فما عاد بالإمكان الإفصــــاح

أيا مريد الحق قم للفـــلاح *** النور هَلَّ والفتـــــــح لاح

وظلم الجور ولى باجتيــاح *** قومة أهل الذكر الفــــــيَّاح