هذا هو قدر الشرفاء، قدر الرافضين للركوع، المتشبثين بحق الحرية والكرامة.

هذا هو قدرهم أن يلاحقوا من مكان إلى مكان، وأن يفرض عليهم الحصار وعلى خطواتهم وهم يتنقلون من بيت إلى بيت، وأن يصبح الهواء الذي يتنفسونه محاصرا، والماء الذي يشربونه محاصرا حتى يعطوا الدنية لحكام الجور عن يد وهم صاغرون… وإن لم يكن ذلك فليس يرضي زبانية العهد الجديد، أقل من تغييبهم في المعتقلات ومصادرة الأرزاق والممتلكات.

هذا ملخص ما يجري من حكاية اعتقال ومتابعة أعضاء جماعة العدل والإحسان التي لم يرد لها الحاكمون أن تخرج عن سرب القعود والاستسلام لتعانق هموم شعب تواق إلى عيش كريم وكرامة مصانة، متبعة في ذلك أسلوب الرفق والدعوة بالتي هي أحسن، فالقضية ليست أن الجماعة وضعت نفسها خارج القانون بلجوئها إلى تكثيف أنشطتها كما زعم وزير داخليتنا، لأن ذلك لا يستقيم حجة لمنع مبادرة “الأبواب المفتوحة” الفريدة التي أبدعتها جماعة العدل والإحسان من أجل التواصل مع مختلف شرائح المجتمع لتقريبها من مبادئها وأهدافها وتصوراتها وأجهزة تنظيمها الذي يتعرض لحملات تشويهية ممنهجة تولى كبرها المخزن وأعوانه أصحاب مصالح ووصوليون وأنصاف مثقفين، استحالوا مناجل في أيدي مستخدميهم لحصد الإسلاميين وخاصة جماعة العدل والإحسان التي ستبقى بإذن الله عصية عن الإلغاء أو الترويض والاحتواء، وليست القضية أيضا مرتبطة بقضية حضر الجماعة، بدليل إقرار مختلف محاكم الدولة بشرعية تنظيم العدل والإحسان بعد التأكد من أن الإجراءات في شأن تأسيس “الجمعية الخيرية” التي شعارها العدل والإحسان أكثر من سليمة وفق قانون الحريات العامة، ليبقى الدافع الرئيس وراء هذه الردة الحقوقية والسياسية،كما أسلفت، هو محاولة تطويع وتركيع هذا التنظيم الذي أصبح يحظى بشعبية واسعة، اكتسبها بعد فضل الله وبمنه جزاء نضاله الصادق وانحيازه إلى شعبنا المستضعف وثباته الراسخ على مبادئه الداعية إلى إقرار العدل ومناهضة كل أشكال الطغيان والاستبداد السياسي والاقتصادي.

لقد كان أشرف لحكامنا أن لا يفضحوا أنفسهم أكثر بهذا المستوى من التصرف الأهوج، ومن الارتماء في أحضان طغمة حاقدة تمخزنت وأكلت وشربت من بركات العهد الجديد، وأصبحت هي فيه من المخزن الجديد بعد أن شيعت  عظم الله أجرها- المخزن القديم وتسلمت شهادة الوفاة، وكأني بها “نومنكلاتورا” الاتحاد السوفيتي البائد، تلك الطبقة الحاكمة الجديدة من البيروقراطية الحزبية التي تسند ديكتاتوريتها بوسائل الإرهاب والمراقبة الفكرية الفاشية، وكان أشرف لحكامنا أن يحافظوا على شيء من وقارهم المفقود خصوصا وهم يبشرون بوطن يضمن الكرامة لكل أبنائه من هنا وهناك، فلا ينزلقوا هذا المنزلق الخطير بالعدوان على جماعة مسالمة علنية نابذة لكل أشكال العنف لأنه سلاح الضعفاء المستكبرين وصبيانية لا تليق بالعمل السياسي.

إن الإدارة المغربية حين تلعب لعبتها هذه وبوجه سافر لا تدرك أنها تعلن الحرب على دين يقر الدستور أنه دين الدولة الرسمي، مما سيكون له تداعيات قد لا تحتملها أصابع اللاعبين بالنار.

ألم يكن أجدى للمسئولين أن يكونوا منطقيين مع ما يرفعونه من شعارات، فيفسحوا المجال أمام كل من أراد المساهمة في بناء هذا البلد وإخراجه من سراديب التخلف والتبعية والقفز على الهوية، أم أنهم ما يزالون منشغلين بتدبير آليات الانتقال الديمقراطي، أو بالأحرى الانتقام الديمقراطي كما عبر الفنان المحاصر بزيز في سخريته اللاذعة، الذي أصبح مشجبا لتبرير بعض انتهاكات حقوق الإنسان، وأن يهرعوا إلى تحسين أوضاع هذا الشعب ويرفعوا استبدادهم عليه، ويعملوا على تقويض هذا الاستقطاب الفظيع بين الفقر المدقع والبذخ السفيه، فإن الكسب الحرام ينتشر كالوباء، والفساد ينهب الموارد ويهربها للخارج ويحرم التنمية من هذا المدد الذي كان من شأنه، لو صدقوا، أن يقيم زراعة وصناعة ويجنبنا الاستدانة ومد أيدينا للئام.. ولكن الأخطر من ذلك أثرا أن المفسدين من محترفي السياسة و”محترفي” الأعمال أصبحوا على درجة من الصفاقة والبجاحة لم تشهدها أمتنا في أي مرحلة من تاريخها، إنهم يتصرفون بالفعل على أساس أن الدولة في أيديهم، وليس هناك من يتجاسر على سؤالهم، ومن أهل الحكم من لم يعد يؤرقهم أن يتهموا بأنهم غارقون في الفساد والكسب الحرام.

قــوم لم يعد فيهم رشــاد *** يساوي في محيط القرش سنتا

تولوا يملأ ون الأرض جورا *** وزورا وانتهـــاكات وبهتا

ولم تفرز مسيرتهم كريمــا *** يناضل عـن عباد الله كبــتا

فبــاتوا غصة في كل صدر *** وهما جـاثما صيفا ومشتـى

فهيئ من لدنك لنا خلاصــا *** قريبا، يا مزيل الكـرب أنتبلقاسم زقاقي

مجموعة طلبة العدل والإحسان

السجن المحلي  بوركايز – فاس.