كلمة سيدنا عثمان رضي الله عنه مشهورة إذ قال: “لَمَا يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن”. والمعنى لهذه الكلمة يختلف حسب اعتبارنا لكلمة “ما” ظرفا مصدريا أو اسما موصولا.

   قال أهل اللغة: “الوَزْعُ كفُّ النفسِ عن هواها”.قالوا: “الوازع في الحرب: المُوَكّل بالصفوف، يَزَع من تقدم بغير أمره”.

   وزْع السلطان إذاً زجره للناس عن أهوائهم، وردعه إياهم عن المخالفات بقوة الإكراه. وبهذا المعنى يفهم عامة الناس الشريعة، يتبادر إلى أذهانهم كلما ذكرت الشريعة وتطبيقها الزجر والإكراه والعقاب، وتختلف إلى أخيلتهم صوَر البتر والقطع والقتل، وتضخِّم الدعاية الأجنبية ضد الإسلام وسوءُ تصرف من يقطعون ويقتلون على غير بصيرة وباسم الشريعة المخاوفَ في النفوس.

   وفهمُ كلمة سيدنا عثمان رضي الله عنه خارج ظروف الفتنة التي سُفِك فيها دمُه، وإطلاقُها لمعناها باعتبار “ما” ظرفية مصدرية ميلٌ إلى اعتبار الزجر والوَزْع والحد أصلا واعتبار وازع القرآن فرعا. وهو قلب للحقائق. فإذا نظرنا إلى أن مولانا عثمان رضي الله عنه لفَظَ مثلَ هذه الكلمة في ظروف كثُر فيها من لا يزدجر بوازع القرآن كما كان العهد من قبلُ، كثر فيها “ما” لا يزعه القرآن كما وزع المهاجرين والأنصار، توجه لنا الفهمُ المستقيم إن شاء الله.

   إن وازعَ القرآن في النفوس، وازعَ خوف الله عز وجل والحياء منه، الكافَّين للأهواء عن المعاصي والموبقات هو الأصل. فمن لم يرتدعْ بإيمانه بالله وخوفه من عذاب الله في الآخرة وحيائه من ربه المنعم الحليم الكريم فسوْطُ السلطان وحد الشريعة وتعزير القاضي يسُدُّ في سلوكه ثغرةً انفتقت بانفتاق إيمانه. والأشخاص الذين يتناولهم وازِعُ السلطان ورادع الحد والتعزير هم الاستثناء من جماعة المسلمين لا الأصل.وكلما كان وازعُ القرآن في القلوب أقوى كان حيّز وازع السلطان والحد والتعزير أضيق.

   في المجتمع الإسلامي السوي يسأل العباد في تبتلِهم ومحاريبهم من الله عز وجل أن يلهمهم التقوى. قال سليمان بن داود عليهما السلام وهو يقدر نعم الله عليه إذ جعله خليفة في الأرض: “رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والديّ وأن اعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين”.[1]

   قال الراغب رحمه الله: أوزعني أن أشكر أي ألهمني لأزَعَ نفسي عن الكفران.

   ويصِف الله تبارك وتعالى عبده الرشيد الذي يبلغ أشُدَّهُ ويسمع وصية ربه بأنه العبد الذي يدعو: “ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والديّ وأن اعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي. إني تبت إليك وإني من المسلمين”.[2]

   الواحد من “الذين آمنوا وعملوا الصالحات” في قلبه باعث على طاعة الله ورسوله، باعث على الاستقامة وفعل الصالحات. وفي قلبه وازع عن معصية الله ورسوله، وازع عن المفاسد.فهو بين باعثه الإيماني ووازعه التَّقَويَّ الوَرَعيَّ. عبد لله عز وجل لا لهواه، عبد منيب تائب من زلاته مستغفر من لَمَمِهِ.

   وجماعة المسلمين المحمولةُ على أكتاف المومنين الذين يعملون الصالحات يسودُها المعروف ويكِلُّ فيها المنكر، ويُزْجَرُ أهله كما يزجر الشواذُّ. إن وقع أحد المومنين في موبقة، وليس من المومنين معصوم حاشا الأنبياء عليهم السلام، أسرع إليه وازع القرآن في قلبه ووبخه وبكَّتَه فندِم وتقَذَّرَ نفسه الملوثة بالمعصية. فتكون توبته وتطهُّرهُ منها عافية له وللناس جميعا من حوله.

   هذا النوع من المومنين الخائفين من ربهم المستحيين منه،المتفكرين في آلائه، المراقبين لأفعالهم مخافة يوم العرض عليه، يكون زمامٌ أنفسهم بيدهم،لا يكونون عبيدا لهواهم. هذا ماعِز جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعترف بأنه زنى ويطلب أن يقيم عليه الحد. لم يفضحه أحد ولا تجندت الشرطة والنيابة العامة والمحاكم لمقاضاته.إنما دفعه إلى الاعتراف وازع القرآن في قلبه ورغبتُه في تطهير نفسه بالتوبة والحد لينصرف إلى آخِرته راجيا المغفرة وحسن المآب.

   وما هكذا شأنُ عبيد الهوَى، عبيد اللذة وعابدي “الحرية” كما يفهم الحريةَ الجاهليون. الحرية هي استقلال أنانيتي عن كل وازع أخلاقي أو ديني. لا يعرف “الأحرار” إلا عبودية شهوتهم، يحدها فقط القانون الوضعي الذي يقف مثلَ جندي المرور لكيلا تصطدم “حرية” هذا بحرية ذاك، ولكيلا تفسد شهوة هؤلاء و”مصلحتهم” اللذاتية الاستهلاكية بشهوة أولئك.

   في المجتمع الإسلامي المُعافَى يَنْشَطُ وازع القرآن، ويرتبط المسلمون برباط البِر والتقوى، ويتعطل أو يكاد وازع الزجر والحد والعقاب. لما بويع أبو بكر رضي الله عنه بالخلافة عيَّن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاضيا. فلبث سنة لا يتقاضى إليه أحد. عرف المسلمون حدود الله فما تعدَّوْها. وقدَّروا نعمة الإيمان حق قدرها فصانوها بالعِفَّة. وعرفوا ميل النفوس إلى الشهوة، فاحترزوا من الهوَى والشيطان أن يغرياهم.

   ما تشتهيه الأنفس من متاع الدنيا وزينتها ولذتها نهْبٌ مُقَسَّم مُباحٌ في شرع “الحرية” الدوابية. لا حد لحقك في النهب إلا ما يرسمه القانون وتزجر عنه العقوبة. لا حلال ولا حرام ولا إثمَ إلا ما منع غيرَكَ من المشاركة الديموقراطية في نهب اللذات.

   أما في شرع الله عز وجل وحكمته، فالدار دار ابتلاء وامتحان، والآخرة، يراها المومن بعين قلبه يقينا، هي دار الجزاء والنعيم والجحيم. وقد أحل الله تعالى لعباده الطيبات، وحرم عليهم الخبائث، وأمرهم ونهاهم، وعرَّفهم المعروف وحببه إليهم، وكره إليهم الإثم والفسوق والعصيان. وركَّب فيهم الشهوة ليرى كيف يُصارع الواحِد منهم سلطان الهوى ليستخلص نفسه من رِقه، وكيف يتناهون عن المنكر جماعة يَزَع بعضهم بعضا، ويَهْدي بعضهم بعضا، ويأخذ بعضهم بيد بعض. فما شذ عن هذا التماسك والتعاون على البر والتقوى يأتي وازع السلطان ورادع الحدود وزاجر التعزير ليكفه ويَثْنِيَهُ ويقاتله. ذلك كمال حكمته تعالى ودوام شريعته.

   في شِرعة “الحرية” والمنفعة اللذاتية يتغير القانون كلما تحول الرأي العام من هوىً لهوىً. ويستكشف الإحصاء الاستطلاعي النسبة المائوية التي مع هذا الاقتراح أو ذاك. ويصوت البرلمان، وتختار المجالس الديموقراطية أيَّ الاقتراحات يُرْضِي الناخبين.

   وفي شرع الله عز وجل ثوابت الحلال والحرام، وثوابت الأحكام القطعية. لا تبديل لكلمات الله وحكمته التي خلقت في الكون وفي الطبيعة البشرية ثوابتَ تُقابلها ثوابتُ الشرع.وتفضل سبحانه وتعالى على العباد بمساحة واسعة سكت عنها الشرع، فهي فُسحة المباح وعالم المتحول، يقابل بها الشرع ما في الكون وطبيعة البشر وأعرافهم من متحولات.

   هنالِك وِجهةٌ لا يعرفها القانون الوضعي اللذاتي هي وجهة ما بين العبد وربه. غايَةُ القانون الوضعي أن يُسند تنظيماته وأوامرَه التنفيذية إلى مروءة المواطن و”مدنيته”.بل تأتي زواجر العقوبات أصلا، والمروءة والمواطنة مكملين.

   وِجهةُ المومن ربُّه، وآخرته، ورجاؤه في الله، وخوفه من الله،ورِعايته لحقوق الله، وحياؤه من الله، وقناعته بحلال الله عن حرام الله، وشكره لما أنعم به الله وأباحه الله.

   مطالب ثابتة وبواعث إيمانية إحسانية لا تتحول، وبثباتها تسمو الشريعة الإلهية على كل الشرائع. وتُكَوِّنُ سماءً عالية يتطلع إلى سُموقها المسلمون فلا يزالون في رُقي دائم.

   وازع القرآن في قلوب المومنين هو الشجرة المباركة أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء. ومن زعم أنه يرفع المسلمين من وهدتهم بتطبيق الحدود والزواجر فقط كمن يستنبت في رمال الصحراء أشجار الفواكه. إذا لم يكن المومن هو ينهى نفسه عن الهوى، ولم يكن المومنون حاملي المجتمع يتناهون عن المنكر ويتآمرون بالمعروف فما يفعل وازع السلطان؟ لا سيما إن كان “ما” يزَعه السلطان أكثر من الكثير.

   في المجتمع الإسلامي المُعافَى والسالك سبُل العافية يُسمَعُ بأذن القلب نداء القرآن، قبل وعيد السلطان، في مثل قوله تعالى: “فإذا جاءت الطامة الكبرى يوم يتذكر الإنسان ما سعى وبُرِّزت الجحيم لمن يرى. فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى”.[3]

   الفيصل في قضية إصلاح حال المسلمين ليس تطبيقَ الروادع الشرعية على فضاء خال، ليس حراسةَ مخزَن فارغ بقوة السلاح. الإصلاح أولا يكون بإيجاد ما فقده المسلمون من إيمان يزع الفرد ويربط الأمة بما لا يستطيع أن يربطهم به القانون الشرعي المفروض: ألا وهو التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر. بعدئذ يكون لوازع السلطان مَشغل. وإلى الله تُرجع الأمور. لا إله إلا هو.

الهوامش:

[1] سورة النمل، الآية 19.

[2] سورة الأحقاف، الآية 14.

[3] سورة النازعات، الآيات 34-40.