خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، يمشي سويا على صراط مستقيم، وأمره بالانقياد لأمره مخلصا له الدين، لكن هذا الإنسان سرعان ما يعتريه النسيان. ينسى من أين أتى؟ لماذا أتى؟ إلى أين المصير؟ فيردد مع اللاأدريين: أتيت لست أدري من أين ولكني أتيت، ولقد أبصرت أمامي طريقا فمضيت). نعم يمشي لكنه مكب على وجهه أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم.

لكن الحنان المنان، رحمة منه بهذا الإنسان يرسل إليه رسلا لتنتشله من ظلمات جهله وشكه وشركه وبعده عن الله.

صورة في سورة

في سورة إبراهيم صورة حية لطبيعة الصراع بين الحق والباطل. ألر، كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحكيم.

مهمة الأنبياء ومن على أثرهم تبليغ دعوة الله والدلالة على الله، ويقولون لمن كفر: إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد كما أخبر بذلك الحق سبحانه على لسان نبيه موسى عليه السلام. ويذكر سبحانه سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بخبر قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وحالهم مع أنبيائهم وكيف أعلنوا عدم استجابتهم. وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب الآية. أي موجب للريبة والشك، أي نظن أنكم تطلبون الملك والدنيا).

لكن الرسل لم تيأس ولم تستسلم بل استمرت في تبليغ الدعوة وأداء مهمتها بالحوار والإقناع وضرب الأمثال وتقريب المعاني.

قالت رسلهم:

أفي الله شك استفهام معناه الإنكار أي لاشك في الله، أي في توحيده، قاله قتادة (القرطبي).

وقال ابن كثير في تفسيره أفي الله شك أفي وجوده شك؟ فإن الفطر شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري للفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى الدليل الموصل إلى وجوده. ولهذا قالت الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه فاطر السماوات والأرض أي الذي خلقهما وابتدعهما واخترعهما وأنشأهما وأوجدهما بعد العدم. وفي هذا تنبيه على قدرته ومن ثم فلا تجوز عبادة من سواه ثم إنه يدعوكم إلى طاعته في الدنيا ليغفر لكم من ذنوبكم في الدار الآخرة.

قالوا:

إن أنتم إلا بشر مثلنا في الهيئة والصورة والمأكل والمشرب فأنتم لستم ملائكة، ثم إنكم تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا من الأصنام والأوثان. إنكم لم تأتونا بحجة ظاهرة فأتونا بسلطان مبين فأتونا بمعجزة خارقة نقترحها نحن عليكم. حجاب وعقبة!!

أما الحجاب فهو بشرية الرسل وهذا نظير قوله عز وجل: وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وتعلق النفس بالخوارق. أما العقبة فتتمثل في العادة الجارفة التي تمنع أصحابها من هجر المألوف وتجاوز ما كان عليه الآباء والأجداد، وتشترط شروطا تعجيزية وهي غير مستعدة للاستجابة حتى ولو تحقق ما طلبت ولن نومن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه، قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا.

وتستمر الرسل في حوارها الهادئ ومقارعة الحجة بالحجة معترفة بما عند المخاطب من صواب محاولة تصحيح الخطأ.

قالت لهم رسلهم:

إن نحن إلا بشر اعتراف بالقاسم المشترك ثم إننا بشرمثلكم بشر مثل البشر بدون تزيد. قال الزمخشري: لم يذكروا فضلهم تواضعا منهم وسلموا لقولهم وأنهم بشر مثلهم في البشرية وحدها، فأما ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم (الكشاف). ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وهنا تأتي المفارقة لكنهم يرجعون الفضل إلى صاحبه إلى الله سبحانه عز وجل الذي يتفضل عليهم بالنبوة وقيل بالتوفيق والحكمة وقيل بتلاوة القرآن وفهم ما فيه وكلها منن منه سبحانه، وعن هذه المنة أورد الإمام القرطبي حديثا خرجه الإمام الطبري من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: قلت لأبي ذر: يا عم أوصني، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: “ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا ولله فيه صدقة يمن بها على من يشاء من عباده وما من الله تعالى على عباده بمثل أن يلهمهم ذكره”.

وتستمر الرسل في إظهار ضعفهم والخروج من حولهم وقوتهم من غير ادعاء أو خضوع للاستفزاز.

فيعلنون بكل تواضع:

وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله نعم إلا بإذن الله إلا بمشيئته وأمره وقدرته كما أنهم لا يملكون الشفاعة إلا بإذنه، وأن دعوتهم إلى الله عز وجل دعوة إليه بإذنه. وهي بالنسبة لرسل الله عليهم الصلاة والسلام بعثة ووحي، وبالنسبة للعلماء بالله جند الله هو الإلهام والتوفيق. وعلى الله فليتوكل المومنون.

ويضيف الرسل:

ومالنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا وما يمنعنا من ذلك وقد هدانا أقوم الطرق وأي شيء لنا في ترك التوكل عليه ومن لنا غيره حافظنا ومانعنا من اعتداء العدو علينا حسبنا الله ونعم الوكيل.

وتضطر الرسل للقسم أحيانا لتيئيس المتجبرين وجعلهم يستيقنون أنهم  أي الرسل- لا يتزحزحون “ليتزحزح الجبل ولا يتزحزح المؤمن” كما أخبر بذلك الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأنهم لا يخيفهم الأذى فيعلنونها صرخة في وجه الظالمين ولنصبرن على ما آذيتمونا وبهذا التأكيد القوي، لام القسم ونون التوكيد، والقياس والله لنصبرن على أذاكم من إهانة وضرب وسب وشتم وتكذيب وسجن وقتل… على ما آذيتمونا، وتأمل رسم المصحف والمد فوق الألف تقرأ بالإشباع و إطالة الصوت ما آذيتمونا نعم بالإشباع مهما أشبعتمونا أذى ومهما طال الأذى فلنصبرن على أذاكم لأننا ألجأنا ظهرنا إلى الله واعتمدنا على الله وتوكلنا على الله وقلنا حسبنا الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله.

.. ولنتأمل مشهدا من ظلال القرآن يصف فيه “سيد” الشهيد رحمه الله الوجه الحقيقي للظالم وحالته عندما ينهزم. يقول رحمه الله: وهنا يسفر الطغيان عن وجهه، لا يجادل ولا يناقش ولا يفكر ولا يتعقل، لأنه يحس بهزيمته أمام انتصار العقيدة، فيسخر القوة المادية الغليظة التي لا يملك غيرها المتجبرون).

وفي لحظات انهزامهم هاته وقبل إشهار السيوف والتلويح بسياط الجلد يسدلون الستار عن آخر حلقة للحوار، حوار أحادي الجانب، إنه تهديد ووعيد لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا يقابل الطغاة قسم الدعاة بقسم مثله لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا، خيَّر الكفار الرسل بين أن يعودوا في ملتهم أو يخرجوهم من أرضهم، وهذه سيرة الله تعالى في رسله وعباده، ألم تر إلى قوله: وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلفك إلا قليلا. سنة من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا. كانت محاولة إخراج الرسل من أرض الآباء والأجداد ومحاولة إخراج الدعاة اليوم من أرض الإيمان و الإيقان بالإغراء تارة والتهديد أخرى.

هنا تبرز حقيقة المعركة، فهي معركة بين الحق والباطل معركة بين العبد ومولاه، هنا ستتدخل القوة الكبرى فتضرب ضربتها المدمرة القاضية التي لا تقف لها قوة البشر الضعاف وإن كانوا طغاة متجبرين).

بعد لنصبرن ولنخرجن تأتي لنهلكن ولنسكنن:

لنهلكن: نون العظمة ونون التوكيد.. كلتاهما ذات ظل وإيقاع في هذا الموقف الشديد. لنهلكن المتجبرين المهددين المشركين الظالمين لأنفسهم وللحق وللرسل وللناس بهذا التهديد.

لنسكنن: ولنسكننكم الأرض من بعدهم بعد، ظرف زمان، إذن مهما طال الزمان فلا بد إذن من بعد وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ويمكن فيها للمستضعفين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين.

لا محاباة ولاجزافا، إنما هي السنة الجارفة العادية) (قطب رحمه الله). ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد.

ذلك التمكين والإسكان والاستخلاف لمن خاف مقامي، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وإنما يتقبل الله الصلاة ممن تواضع بها لعظمته ولم يتكبر على خلقه وقطع النهار في ذكره ورحم المسكين واليتيم و الارملة، واتقىموجبات الوعيد فلم يفسد في الأرض ولم يظلم الناس فهو من تم يتعرض للاستخلاف، ويناله باستحقاق، أقول: يناله بمنة الله عز وجل وجوده وفضله وكرمه، وإذا أراد الله أن يظهر فضله عليك خلق ونسب إليك).

واستفتحوا:

أي واستنصروا وتضرعوا. ومما أورده المفسرون أن الاستفتاح من الجانبين: استنصرت الرسل ربها على قومهم واستفتحت الأمم على أنفسها بالدعاء كما قالت قريش (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك…).

وخاب كل جبار عنيد:

والجبار المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقا والعنيد المعاند للحق والمجانب له.

بعدما أورد الإمام القرطبي ما قاله أهل اللغة في معنى الجبار العنيد قال: قلت: والجبار العنيد في الآية بمعنى واحد وإن كان اللفظ مختلفا، وكل متباعد عن الحق حبار وعنيد أي متكبر. وقيل: إن المراد به في الآية أبو جهل، ذكره المهدوي. وحكى الماوردي في كتاب “أدب الدنيا والدين” أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يوما في المصحف فخرج له قول الله عز وجل:)واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد فمزق المصحف وأنشأ يقول:)أتوعد كل جبار عنيد *** فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر *** فقل يا رب مزقني الوليد
فلم يلبث إلا أياما حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره ثم على سور بلد.

عود على بدء:

لنصبرن على ما آذيتمونا، جعلته عنوانا لهذه المدارسة مكتفيا في هذه العجالة بالوصف، كيف صبر أولو العزم من الرسل. لكن بم صبروا؟