تساءل أحدهم على صفحات من دخان، في جريدة وزارة التراب قائلا: انتهى الحديث عن تسونامي المغرب، فماذا عن قومة الشيخ ياسين؟

   الظاهر أن من الآفات اللينة للكتابة تحت الطلب، وقوع الفكر تحت تأثير السطحية والتبسيط بله النفاق والتضليل. ذلك أن صاحبنا وإخوانه في الرضاعة من لبان الاستئصال  ما أعزلهم، وما أغرب أفكارهم عن هذا الشعب لولا التمترس خلف النفوذ والعصا  يريدون عطف ما يتنافس العقل والنقل والحس في إثباته، على الإشاعة ذرا للرماد في العيون، وجبرا للخواطر المتشوفة إلى عمر مديد للفساد الذي يكفل مزيدا من التصدر، ومن ثم مزيدا من العبث في مقدرات البلد على حساب ملايين العيون الذبلى جوعا وجورا.

   ذلك أن التهويل للإشاعة المتحدثة عن تسونامي مغربي بحري  بالنظر لتزامن توقيته مع انطلاق الاعتقالات الحمقاء الهيجاء في صفوف أبناء العدل والإحسان – لم يكن في تقديري إلا شغلا لانتباه الرأي العام، وصرفه عن تسونامي الانتهاكات الحقوقية الذي خطط له في ظلمة، وبيت بليل. وللتذكير فقط، فأحد “الصحفيين التقدميين” الذين استصحبهم “الأمن” في اقتحامه لمقر الجماعة بطنجة ذكر أنه كان على علم بالأمر قبل يومين من انطلاق هذه الحملة الوطنية الهادفة لتفعيل بنود مبادرة التنمية البشرية.

   فماذا بعد؟ وهل استجابت هذه الحملات المجنونة لنداء الاستئصال؟ أم لبت داعي المنان الذي يخرج الحي من الميت؟

   لتبين ذلك، نقف مع الحقائق الآتية:

   الحقيقة الأولى:

   المتبصر بواقع الجماعة، والمستقرئ لتاريخها، لا يجد في هذه الاعتداءات الجبانة إلا حلقة في سلسلة طويلة من الظلم الذي أحاط بفكرها ومشروعها ومرشدها وأبنائها وبناتها، ولمدة ثلاثة عقود وزعت فيها على الجماعة “حسنات” السجون والمعتقلات، والمخافر والمصحات النفسية والمستشفيات وحواجز الأرزاق والموانئ والمطارات ،وكتم الأنفاس ولي الأذرع والمقترحات … فليست هذه المرة الأولى التي توشح فيها الجماعة بوسام الشرف مدافعة في معارك الحرية والكرامة التي خاضتها بسلاح الإيمان والصبر والنصح والاحتساب. والتي عادة ما كان  وما يزال- يقتات من عائداتها الديمقراطيون، وكل من يجلس هناك يمينا ويسارا. بكلمة أخرى، إذا كان الرهان في هذه الحملات مرتبطا ببث الرعب والفزع، وزرع الخوف بهدف التراجع، فهذه مجهودات سدى، ومحاولات عبث، طالما أن الجماعة قد برهنت عبر هذا المشوار الحافل على قدرتها في التأقلم مع الظلم. بل أكثر من ذلك، فقد نشأ جيل في الجماعة ولد في الجور ولا يعرف غيره أصلا، دون أن يضعف ذلك لهم عزيمة أو تلين لهم قناة. ولسان الحال يردد مقولة سعيد بن جبير رحمة الله عليه، التي قالها وسيف الحجاج على رقبته يساومه: “والذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، لو قطعونا إربا إربا حتى تخطفتنا الطير أو توزعتنا بطون السباع ما غيرنا ولا بدلنا ” لسنا إذا ممن يقعقع لهم بالشنان فوفروا جهودكم.

   الحقيقة الثانية:

   نتفهم أن السادة لم يكن ليروقهم إبداع الجماعة في الاستعاضة على المنابر الإعلامية المتداولة  حينما حرمت عليها الحداثة في العهد الجديد التلفاز والإذاعة والصحف، التي تمول من كد الشعب وملوحة جبينه خشية أفكار  للتواصل مع المجتمع، وفتحها لأبواب ازدحمت عليها الخلائق الهاربة من اللامعنى، والتواقة إلى السكينة، والباحثة عن ملاذ آمن يصلها بباريها، يرفض الظلم ويكابده دون أن يعنف، ويستميت في النصح دون أن ييأس، ويبني رجالا ونساء يستقبل بهم ما وعدت به حسابات السياسة وبشائر الغيب.

   ولئن كانت هذه المداهمات تستهدف إرباك هذه الأبواب، فأصحابنا لم يعوا الدرس إطلاقا  وأنى للغباء ذلك  إذ فتحها لم يكن إلا تعويضا ّعما قل شأنه عنها، سيما ونحن ندرك  مثلا- أن ثمن الجريدة يشكل ميزانية القوت اليومي للأسرة بكاملها لدى أعرض شرائح الشعب فلا نأسف على ما فات.

   لن نعدم أشكالا تعوض ما يمنع، ولا وسائل تحقق المقصود مادام رأس مال ذلك في تنام مطرد. والخبير بحركات التغيير في التاريخ البشري يدرك كيف أن المحن عادة ما تستبطن منحا لأصحابها، حتى إنهم لا يتوقعونها أحيانا كثيرة. ذلك أن العمل الجماهيري مهما كان لونه وفكره ووجهته، إذا لم يهذبه التدافع راح إلى الفتور. وهذه سنة لله في الكون لا تجامل ولا تحابي أحدا.فالجماعة مهما تكن ربانية في خطها وسلوكها ومشروعها، فإنها لا تستتثنى من الناموس الإلهي المذكور. فمؤسساتها، وأجهزتها، ودماؤها، وشرايينها لا تجد في هذه المحطات سوى وقود إضافي لرفع سقف الجاهزية في سلوكها تربية وتنظيما وزحفا. وللمتردد في ابتلاع هذه الحقيقة أن يتابع ما يأتي:

      أولا: كانت الاعتقالات في السابق تطال هذه المجالس وغيرها، وعادة ما كانت وسائل الإعلام تتناقل حديثا عن أعداد من المعتقلين في موضع واحد تتراوح بين الثلاثين والستين، وهاهي اليوم تتحدث عن المائة والعشرين، والمائة والخمسين في مجلس واحد. بمعنى أن المجالس التي كانت تقام في نوع من السعة  من حيث الاستيعاب- بات فيها الازدحام سيد الموقف وهذا ما يرضي الله، ويغضب الخائفين على قانون الجمود.

      ثانيا: كانت مجالس النصيحة بالنسبة لبعض الشرائح نصف شهرية.فغدا الإلحاح متزايدا لجعلها تنظم أسبوعيا.

      ثالثا: يدرك أعضاء الجماعة في المدن التي طالتها “صيانة القانون” أن أماكن النصيحة هذه لا شك مقصودة من مختلف أحجام الهراوات وأشكال العصي، وبالإمكان تغييرها وإخفاؤها بيسر وسعة. لكن الإصرار على ذات البيوت والمواقع يبقى الاختيار الأمثل، مادام حقا شرعيا وقانونيا لا يلغيه إلا البغي والهوى والحسد.

      رابعا: إذا كانت الأبواب المفتوحة في كثير من المواقع قمعت ومنعت، فإن عشرات الآلاف كانوا جاهزين للاستعاضة عنها بتنظيم جولات داخل الأحياء لطرق آلاف الأبواب، وإبلاغ الفكرة والمحبة إلى أهلها. ولله الحمد والمنة، فالأرض مسلمة، والشعب مسلم.

   الحقيقة الثالثة:

   لا يخفى على أحد كيف كانت حملة المداهمات هذه، والطريقة التي تمت بها مناسبة لفضح شعارات مثل الحداثة والديمقراطية وذلك على مستويين:

      على المستوى الرسمي:

   حينما تجد مثلا مؤسسة القضاء  وهي الوحيدة المخولة تحديد ما هو قانوني مما هو خارج عنه-تؤكد قانونية الجماعة، وقانونية اجتماعاتها التي لا تحتاج لا إلى ترخيص ولا إلى إشعار ما دامت تتعلق بأعضائها. ثم بعد ذلك تأتي المداهمات بتصريح من التعليمات فهذا لعمري هو العبث. وحينما تسرق الأمتعة من قبل رجال الدولة، لا رد ولا وصل عن ذلك. وحينما تطمع الدولة في اعتقال رضيع كما حدث في تمارة… فكل حديث عن الحق والقانون والديمقراطية بعد ذلك زيف مكشوف، ولغة مقرفة تبعث على الغثيان.

      وعلى المستوى الحزبي:

   فرغم التأكيد على أن مختلف الأحزاب المغربية لا تخلو من فضلاء ومروءات يختلف حجمها اتساعا- من إطار لآخر  إلا أن الصمت المريب العجيب جعلنا نطرح أكثر من استفهام على طبيعة ما يناضل من أجله هؤلاء. إذ الحديث عن الديمقراطية لا يلتقي مع مناصرة الاستبداد على الإطلاق. والحديث عن العدالة لا يبرر السكوت عن الظلم في شيء، نرفع الشعار ونسلك نقيضه. أبسط مقومات المعرفة بالديمقراطية تقتضي التسليم بحرية التعبير وحرية التجمع، وتنظيم الاختلاف لا إلغاءه وفصل السلط لا التنكر لها.فمنعها والسكوت عنه تواطؤا على حد من الظلم سواء.

   أصحابنا حين يسكتون عن هذه الخروقات، فكل حديثهم عن تلكم المطالب الإنسانية يبقى غير ذي موضوع، وغير ذي مصداقية. فلذلك – سياسيا- على ظهورهم يجلدون.

ندرك أن السيئة التي نقترف، والتي تجر علينا كل هذه المتاعب، هي الصراحة في نعت ماهو ليل بأنه ليل وما هو نهار باسمه. لكن نوقن أن مدد الله تعالى يغني، ونجزم أن الأيام كفيلة بأن تجلي الحقائق وتنصف الصادح بها. قبل عقد من الزمان أو يقارب تحدث الملك الراحل رحمه الله عن سكتة قلبية تهدد المغرب.الآن وبعد هذا العقد، كيف يحلو للناس أن تلف وتدور؟ وما فعل بعده لم يكن محاولات للاستدراك؟، بل مآثم أخرى ونزيف آخر من الاستبداد والظلم والانحلال والنهب الذي لم نعد نحصي حالاته بله الملايير المختلسة في كل حالة.

   ولما قام الأستاذ المرشد بعد مجيء الملك الجديد ناصحا لمن يهمه الأمر في مذكرته واضعا يده على مكمن الداء ومبينا المخرج، قام كل منتفع يحتج ويستنكر ويتحدث عن الخروج عن الإجماع، وعن التنطع وبقيت الحناجر المحلاة بالكعكة – ومعها بعض المغرر بهم  رافعة صوت النكير حتى بدأت تتهاوى أمام حقائق السنين الماضية التي أجلت غبار البهرجة عن مسلمات المذكرة وتوقعاتها. لتدرك-أفصحت أم امتنعت-أن الرجل لم يكن يغامر بصدقه مع الله عز وجل، ومع آل البيت والمسلمين أجمعين في هذا البلد الحبيب. إنما كان في حبل دنيا الجميع وآخرتهم يفتل يرتجي الخير للجميع ولا يتمنى سوءا لأحد. هكذا هو. قضى ومعه الجماعة عقدين ونيف من الزمن في عهد الملك الراحل يرفضون الظلم ويكابدونه حتى إذا فاضت روحه إلى باريها، قرؤوا عليها الفاتحة وقالوا: يرحمه الله.لا ينافقون ولا يدارون، ولا يسلكون سبيل الذين لم ينبروا للذوذ عن “المقدسات” إلا بعد أن وصلت مغامراتهم الدموية إلى الباب المسدود.