رسالتنا في هذا المكتوب تخاطب ذوي الأفئدة الرقيقة والنفوس الراقية والأرواح الندية، نبلغها خطاب أهل القرآن وكلمة أهل الإيمان تواقي الإحسان، ماذا تصنع الصورة الراقصة المائعة بعقول الناس وقلوبهم؟! وماذا يثير الناس في أدب مائع مميع هزيل متفرق جذع مزع؟! أي أدب نريد ولأية غاية؟ وأي مضمون يجب أن يحمله حتى يستحق سمة الإسلامية.

إن معظم التصورات الفنية التي تقدم لمفهوم الأدب ووظائفه ومناهج مقاربته لا يمكن فصلها عن خلفياتها الفلسفية والمعرفية التي أنشأتها، ولا عن المذهبية المجتمعية التي أنتجتها. وعليه وجب أن يكون فهمنا للأدب وللإبداع الفني عموما ووظائفه المختلفة نابعا من تصورنا الإسلامي للوجود في علاقاته المتعددة، حتى نكون منسجمين مع عقيدتنا، غير مستلبين ولا فاقدين لهويتنا الإسلامية المجسدة لعمق وجودنا وكينونتنا.

تعلمنا الثقافات المنحرفة أن نغمض أعيننا عن معنى الوجود، ونصرف فكرنا عن غاية الحياة. ألا نقلق ذواتنا ونوجع أنفسنا بالبحث عن الميتافيزقيات، والنبش عن الماورائيات، لأن ذلك تخلف وبلادة ورجعية وظلامية…

وكلما اعتقدت أن الحياة ليست إلا صدفة كيماوية ودورة تطورية من أرحام تدفع وأرض تبلع، وحركة تاريخية في عجلة حضارية طاحنة، إلا كنت تقدميا تطوريا حداثيا وما شئت بعد من نعوت وأوصاف تجعلك في مصاف الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم -نعوذ بالله-.

نعتقد متوكلين على الله أن تأسيس إبداع جدير بالإسلامية حقا رهين بمدى قدرة الأدب الإسلامي بفنونه المتنوعة المختلفة أن يصمد وسط هذا العالم المتومج بعولمة الفساد والإلحاد في صوره الجميلة، وذلك بان يسعى إلى مخاطبة الإنسان في فطرته حتى يعود إلى ماهيته وحقيقته، ويدرك أساس وجوده في هذه الدنيا. هذا الإنسان الحائر المريض المنتحر على أعتاب الحداثة و العولمة لابد له من أن ينتشل من وهدة هذا القلق ويتخلص من نير تلك الأمراض النفسية المردية التي تقود الفرد إلى البؤس والضياع.

يرتاد الأدب، طبعا، هذه العوالم وهو واع تمام الوعي، مدرك كافة الإدراك أن رحى الفن الدوابي تطحن كل ما تجد في طريقها، دائرة تغزو قلوب الناس وعقولهم وأفكارهم بعجرها وبجرها، غثها وسمينها، مؤمنة لها الوسائل والآليات العملاقة التي لا تألو جهدا في إشاعة الدعارة والعهر باسم الفن، تلهي الناس وتشغل الدنيا وتغرق الإنسان في عوالم الخيال. تعده وتمنيه. وما يعدهم الشيطان إلا غرورا استكبارا ومكرا كبارا.

لابد أن يرفع إبداعنا الأدبي الإسلامي راية الدعوة إلى الله عز وجل بين قوم درجوا على الغفلة ونسيان الموت وما بعد الموت، في حاجة نحن إلى إبداع ينفذ إلى أعماق النفوس، يطرق عليها الباب طرقات متتالية مفزعة، ينفذ إليها ليحييها ويزيل عنها ماران عليها من فلسفات التشكيك والإلحاد تلك الفلسفات التي لا تؤمن بالله ورسوله ولا تصدق بالبعث والنشور، ولا تعير بالا للقيم والأخلاق، تلك الفلسفات التي آمنت بالنهايات، وقتلت في زعمها الإنسان والتاريخ والجغرافيا، بل حتى الله تعالى. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

أدبنا الإسلامي يجب أن يوافق الحق الذي في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل ذلك يجب أن تكون النية فيه خالصة لله قاصدة إليه. ما أنا فاعل أنا الذي أنعم الله عز وجل علي بموهبة الإبداع في الشعر والقصة والمسرح والأنشودة…؟! كيف عبدت الله بشكره على نعمه، ونصرت دين الله وبلغت دعوة الله بموهبتي، فكنت ممن حياتهم ومماتهم وجميع شأنهم لله رب العالمين. ثم بعد تصحيح النية وتوجيه القصد، كيف يكون إبداعي الأدبي الفني موافقا للحق الذي جاء به الوحي بلاغا عن سر الوجود وحقيقة الإنسان وغاية الكينونة ؟. كيف أحقق عبوديتي أنا وعبودية غيري؟.. كيف أندرج في سلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات فجمعوا القول بالفعل، وقرنوا العلم بالعمل، وانتصروا من بعد ما ظلموا، فنافحوا ودافعوا، وذكروا وتذكروا. ثم كيف أكسب هذه المعاني كلها حلة البيان وجمال العبارة وجلال الأسلوب، حتى تلقى لدى السامع تأثيرا يحدث استجابة يتلوها عمل صالح حسن على درب التقوى؟.. “وإنما يتقبل الله من المحسنين” (المائدة/29).

إن آدابنا للمتأمل الحذق تسير ذيلية تابعة وراء السيد الغربي، تنال رضاه وجوائزه إن رددت دعاويه، ونعقت بنعيقه وغردت بتغريده، لا تلتفت إلى ذاتها ولا تنظر في دواخلها. فحاجتنا ماسة وأساسية إلي تمييز إبداعنا الأدبي بسمة الإسلامية. يفرض ذلك ضرورة الزيال وسط أدب الإلحاد المادي المهووس بإلهام الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس. وما ينبغي للأدب الإسلامي أن يسكت عن تبليغ كلمة الحق كلمة الموت وما بعد الموت، أن ينسج من إبداع الكلم وصنعة الكلم، ما يبلغ به مضمون الآيات القرآنية الكريمة، ومعاني الأحاديث النبوية الشريفة، غير هياب أن ينعت بالبدائية والتخلف والرجعية إذ:

“لا خير في أدب ينعت إسلاميا إن جرى في مضمار السباق مع الآداب الإنسانية، يلهب الأحاسيس بالتشبيهات البارعة والمبالغات الفنية، والزخارف اللفظية، و النصاعات البيانية، ثم لا تجد له مضمونا إلا خيالا دغدغ، وصورا حومت لحظة في المخيلة ثم احترقت كما يحترق الفراش الهائم.

لا خير في أدب يجول في عرصة الدنيا وعرسها يداعب أهواء الناس وتداعبه، يثير مشاعر الناس وتثيره، يؤجج مشاعر الناس وتؤججه غافلا مغفلا عن المآل، عاجزا مثبطا لعزمات الرجال”(1).

دغدغات أحلام، ومداعبات أوهام، وسدر في غي وغفلة، هو الأدب الذي لا يذكر الله، ولا يؤمن بالله ولا يصدق بالبعث.

لقد غلبت الثقافة الإلحادية المادية على خطابنا حتى غدا عند البعض صفرا بلقعا. لا تكاد تسمع ذكر الله وذكر الموت وذكر الدار الآخرة.! تحدٍّ كبير يواجه إبداعنا الإسلامي وسط آداب تنضح بالغرابة والغموض، وترشح بالخيبة والفسق والفجور، وارتداء شتى أردية الفساد تهيم في أودية القول بلا كوابح أو رادع.

ليس لأدبنا الإسلامي الجدير بإسلاميته أن يهاب سياط الفن الدوابي في شيطنته وفرعنته، بل يقتحم عقبات هذا الفن الدوابي الفتاك متوسلا بجمال الكلمة وصدق العبارة وفنية الأسلوب، دون أن يضيع معنى لوجوده الحقيقي ودون أن يسلبه الجري وراء الجمال إبراز الحقائق الغيبية والتذكير الدائم بالله وباليوم الآخر، ذلك أن:

“الأدب إن ادعى إسلامية واكتفى بالحوم المحتشم حول حقائق الدين مخافة أن يقع فيها فيفقد أهليته لصفة الأدب فإنما هو مكر مفر في غير عجاج، وماء غدير آسن ملح أجاج، أو هو وهم بستان خضر حقيقته حقيقة الصعيد الزلق ماؤه غور وفعله جور، أو هو كالصعيد الجرز أحيط بثمره ما بورك في عمره”(2).

ملح أجاج، ووهم وخيال، وصعيد جرز، هو الأدب الذي يزعم إسلامية ولم يجرؤ أن يفصح عن ماهية الدين وحقائق الدين غير خانع ولا خاضع.

إن منطق التدرج وسنة التؤدة تقتضيان أن يقتحم الأدب الإسلامي معاقل الفتنة الأدبية الحديثة شيئا فشيئا رويدا رويدا ليؤسس له مكانة يرعاها حتى تينع وتستوي على سوقها، بيد أن بلوغه درجة الكمال لا يتحقق إلا حين يولي وجهه صادقا مخلصا متبتلا على أعتاب كتاب الله العظيم وحديث المصطفى الرسول الكريم، يستقي منهما مادته وموضوعه ويقتفي نهجهما ويحذو حذوهما… يبلغ إن شاء الله تلك المكانة يوم يعبئ الطاقات بجرأة وصدق لينهل من منبع الوحي محطما الحواجز النفسية المنهزمة التي تجعل بعض الأدباء يواري ويخفي ولا يبدي حتى لا يوصف إبداعه بالبدائية والغرابة والسخف حينما يأتي على ذكر الموت والنار. وإنما الغرابة والسخف حقا في إبداع الحداثة القلقة، وما إبداعها إلا لهو ولغو يقذف بحق القرآن ونور السنة فإذا هو زاهق هباء منثور.

“بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق “(الأنبياء/18).

يجب إذن أن يستند إبداعنا الإسلامي إلي خلفية مؤمنة بالله وبرسوله مطمئنة إليهما، ويجعل له هدفا هو الوصول إلى أفئدة الناس. فهو على هذا خطاب إلى القلب باعتباره مناط التغيير ومضغة الإصلاح، وهو ما يعني في العمق أن للأدب وظيفة مهمة في التغيير اعتمادا على الجانب الذاتي النفسي لما للكلمة من اثر في تحقيق مفعول عام لعملية الإبداع، وهو ما يفرض بالضرورة استحضار عوالم المتلقي الذي يحيى في هوس القلق والسرعة بفعل فلسفات العبث والعدم ونظريات الشك والحيرة والتفاهة.

هذا المتلقي المقصود هو الآن حائر في ذاته غائر في لذاته، فنحن محتاجون إلى أدب منبه يقظ يطرق الباب على النفس الإنسانية يبدلها، يغيرها، ينقلها، ينقل إليها ما يحولها.

محتاجون نحن إلى أدب يؤمن بالهدف والقصد. هدف الحياة وقصد الوجود. “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون، فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو، رب العرش الكريم”(المؤمنون/117).

أنى للأدب الإسلامي أن يحقق هذه الغاية ويخترق الحجب المجتمعية الكثيفة التي سطرتها أيدي السدنة المخلصين للفن الدوابي؟

كيف يبلغ الأدب الإسلامي مضامينه السامقة هذه ويبني أداته البلاغية ليوقظ الفطر المطموسة والقلوب الوسنان الغافلة الخاملة الهاملة، يهزها هزا ليدفعها إلى اتخاذ موقف نقدي واع تجاه ما يرد عليها ويراد بها ولها في مجتمع الحداثة المادية الإلحادية التي لا يخطر لها على بال سؤال المصير وما بعد المصير…؟

الهوامش:

(1) “المنظومة الوعظية”. الأستاذ عبد السلام ياسين. ص 8 ـ 9.

(2) نفسه. ص 28.