خاصية التساوي الكمي في الوزن الشعري

د. عبد العالي مجدوب / [email protected]

“… وأما العرب فكان لهم أولا فن الشعر يؤلفون فيه الكلام أجزاء متساوية على تناسب بينها في عدّة حروفها المتحركة والساكنة(…) وهذا التناسب الذي من أجل الأجزاء والمتحرك والساكن من الحروف قطرة في بحر تناسب الأصوات كما هو معروف في كتب الموسيقى…” (مقدمة ابن خلدون، ص338).

ما هي الخلاصة من وراء الوقفة التي وقفناها مع علم العروض في المقالة السابقة؟

إننا إذا تجاوزنا، في المناقشة، إشكالية تاريخ ميلاد أوزان الشعر العربي، متى ولدت؟ وكيف تطورت؟ أكانت نتاجا خالصا للسليقة العربية، ونتيجة معاناة وتجارب وتطورات أصيلة، أم كانت نتاج اتصال بأمم أخرى، واقتباس من حضارات مجاورة متطورة؟

إذا تجاوزنا أيضا إشكالية تحديد تشكيلات الأوزان التي طورتها التجارب الشعرية العربية عبر تاريخها الطويل، وسلّمنا، مبدئيا، بأن الأشكال التي استنبطها الخليل بن أحمد، وكذلك الأشكال التي استُدركت عليه، والأشكال التي استُحدثت فيما بعد، لا تحصر جميع الأوزان الشعرية الممكنة، وإنما هي اختيارات جزئية أفرزتها وكرّستها التجارب الطويلة، والأغراض التي فرضتها البيئات الاجتماعية والثقافية والحضارية عموما.

إذا تجاوزنا الخوض التفصيلي في مثل هذه الإشكاليات، فإن الملاحظة التي يهمنا أن نسجلها في هذا الموضوع هي أن الوزن الشعري، بعيدا عن الإشكالات المثارة حوله، إنما ميزته الأساس، سواء في البحور الخليلية، أو في البحور المهملة في الدوائر العروضية، أو في البحور التي استحدثها المولدون، أو التي اخترعها الشعراء في أزمان متأخرة لاحقة، هي قيامه على المساواة في أصول أجزائه، التي ترجع، في أساسها، إلى تشكيل المتحركات والسواكن.

وعلم الأصوات اليوم له كلام في الموضوع، نظرا للتدقيقات التي حصّلها، والإنجازات التي حققها بواسطة التحليلات والتجارب المختبرية. تُراجع واحدة من هذه التجارب، على سبيل المثال، في كتاب “في الميزان الجديد”، للدكتور محمد مندور، ص239.

ومهما بلغ حجم هذه الإنجازات العلمية وقيمتها، في علم الأصوات، فإنها، في حدود اطلاعي، لم تنقُضْ الإنجازات العروضية القديمة، بل أكدتها، في عمومها، مع تحفظات وملاحظات قليلة، ليس هنا مجال عرضها ومناقشتها. يُراجع مثلا، عن الصوتيات العلمية الحديثة عموما، وعلاقتها، في بعض مباحثها، بموسيقى الشعر، كتاب “الأصوات اللغوية”، للدكتور إبراهيم أنيس، وكتاب “المنهج الصوتي للبنية العربية-رؤية جديدة في الصرف العربي”، للدكتور عبد الصبور شاهين.

وفي ظل تبني منجزات علم الأصوات التشكيلي الحديث (phonologie)، وفي ظل التأثر بالنظام الإيقاعي في لغات أجنبية، كالفرنسية والإنكليزية خاصة، لا يفتأ نقاد كثيرون يدعون إلى استبدال النظام المقطعي والنبري بالنظام العددي “الكمي”، في قياس أوزان الشعر ودراستها وتقويمها. انظر الدكتور عبد الصبور شاهين، في كتاب “المنهج الصوتي للبنية العربية”، ص26-57، والدكتور محمد النويهي في الفصلين الأول والثاني من الباب الرابع(الشعر الجديد وثورتنا الشاملة)، في كتاب “قضية الشعر الجديد”، ص231-309، والدكتور كمال أبو ديب، في الفصول الرابع والخامس والسادس والسابع من كتابه “في البنية الإيقاعية للشعر العربي”، ص193-380.

وأرجع إلى خاصية التساوي؛ فوفق هذه الخاصية، التي بها قوام الوزن الشعري، يمكن، مثلا، الحكم بأصالة وزن البحر المضارع الذي قيل فيه ما قيل، لأن أجزاءه- وهي حسب الاصطلاح العروضي: (مفاعيلُ فاعلاتن مفاعيلن) مرتين تاما، و(مفاعيلُ فاعلاتن) مرتين مجزوءا، وهو المشهور في استعماله- إنما بُنيت على تساوي الأصول المشكلة لها، أي تساوي عدد الحركات والسكنات.

فكل شطر من هذا البحر مجزوءا-أي سقط جزؤه الثالث- يتشكل من خمس سواكن وثماني متحركات، كقول الشاعر:

الشطر الأول: (وإن تـدن مـنه شـبرا)

(–0 -0- -0 – -0-0)

الشطر الثاني: (يقـرّبـْك منـه بـا عا)

(–0 -0- -0 – -0-0)

هذا، مع الأخذ بعين الاعتبار ما اصطلح عليه، في علم العروض، بالزحافات والعلل، لأنها اختلالات في الميزان، على مستوى الكتابة، كانت تُصلـَح وتُسوّى بالإنشاد، على مستوى الأداء الصوتي. فقد لاحظ الدكتور محمد مندور، بعد التجربة التي أخضع فيها وزن بيت امرئ القيس(وليل كموج البحر أرخى سدوله**عليّ بأنواع الهموم ليبتلــي) لآلة القياس الصوتي- لاحظ “مساواةَ التفاعيل المزحفة للتفاعيل الصحيحة”، ورأى أن ذلك “يُفسّر بحقيقة هامة تحدث عند إنشاد الشعر، وهي عبارة عن عمليات تعويض نقوم بها آليا& “(في الميزان الجديد، ص239). ثم استنتج أن “الزحافات والعلل لا تغير شيئا في كمّ التفاعيل عند النطق، وهي لذلك لا تكسر الوزن.”(نفسه، ص240)

وترتيب الحركات والسكنات- وهي العناصر البسيطة في بنية الوزن- يحتمل عدّة أشكال. وما تشكيل الأوتاد والأسباب والفواصل، وتشكيل التفاعيل، إلا اختيارات من هذه الأشكال المتعددة الممكنة، كُتب لها الرسوخ والاستمرار، بفعل الاصطلاح والاستعمال والتلقي بواسطة الدراسة والتعليم.

إن الوزن في صناعة الشعر العربي لا ينفك عن هذه الخاصية. بل إنه لا معنى للوزن، لغة واصطلاحا، إلا معنى المساواة.

فقولنا مثلا: (هذا الشيء يزن كذا رطلا)، إنما يعني أن هذا الشيء يساوي هذا المقدار الذي هو (كذا رطلا). وكذلك القياس في المسافات والأحجام والمساحات، فمدار الأمر فيه على التساوي.

ولا معنى لهذا الوزن، في الشعر، إلا بتكرار يجلّي هذه الخاصية العددية. وهذا التكرار يكون إما في الأجزاء، أي التفعيلات، أو في الأشطر، أو في الأبيات. فالشكل التالي مثلا: (- -0 -0 – -0)- ثلاث سواكن وخمس متحركات- لا معنى له منفردا، بمقياس الوزن الشعري، لأنه وزن لغوي طبيعي قد يتفق في الكلام العادي المنثور. وإنما معناه، بالمقياس الشعري، يكون بتكراره أشطارا أو أجزاء مستقلة، كما في الشكلين التاليين مثلا:

الشكل الأول: (–0-0 – -0)**(–0-0 – -0)

(الشطـر الأول)**(الشطـر الثاني)

الشكل الثاني: (–0-0 – -0)(–0-0 – -0)(الشطر الأول)

(–0-0 – -0)(–0-0 – -0)(الشطر الثاني)

(–0-0 – -0)(–0-0 – -0)(الشطر الثالث)

(–0-0 – -0)(–0-0 – -0)(الشطر الرابع).

يُراجع مثلا، عن التكرار والتساوي والتضارع والتناسب في وزن الشعر، ما كتبه حازم القرطاجني في “منهاج البلغاء”، ص245 وما بعدها.

ولا بد في كل وزن أو قياس من وحدة مرجعية، كالكيلوجرام، والكيلومتر، والسنتيمتر، والمتر المربع، & إلخ. والوحدة المرجعية في الوزن، كما اصطلح عليها، إنما أساسها عدد الحركات والسكنات، ولذلك يوصف النظام الإيقاعي في موسيقى الشعر العربي بأنه نظام “عددي كميّ”. يُراجع “موسيقى الشعر”، ص165 وما بعدها. واقرأ “نقد النظرية الكمية، كما يشرحها إبراهيم أنيس”، في كتاب “في البنية الإيقاعية للشعر العربي، للدكتور كمال أبي ديب، ص433-440.

وقد أظهرت هذه الخصيصة العددية الكمية في وزن الشعر العربي كثيرٌ من الكتابات القديمة التي تعرضت لتعريف الشعر.

ولعل ابن خلدون، في مقدمته، يلخص لنا مقالات المتقدمين والمتأخرين في الموضوع، حين يقول: “وأما العرب فكان لهم أولا فن الشعر يؤلفون فيه الكلام أجزاء متساوية على تناسب بينها في عدّة حروفها المتحركة والساكنة(& ) وهذا التناسب الذي من أجل الأجزاء والمتحرك والساكن من الحروف قطرة في بحر تناسب الأصوات كما هو معروف في كتب الموسيقى.” (المقدمة، ص338). ويعرّف ابن خلدون الشعر في مكان آخر من مقدمته بقوله: “هو كلام مفصل قطعا قطعا متساوية في الوزن متحدة في الحرف الأخير من كل قطعة، وتسمى كل قطعة من هذه القطعات عندهم بيتا& ” (نفسه، ص472) ويعرّفه، أيضا، في موضع ثالث بأنه “هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي& “(نفسه، ص475).

ونقرأ هذه الخاصية العددية في وزن الشعر ظاهرةً أيضا، في تعريف السجلماسي الذي يقول فيه: “الشعر هو الكلام المخيل المؤلف من أقوال موزونة ومتساوية(& ) فمعنى كونها موزونة أن يكون لها عدد إيقاعي. ومعنى كونها متساوية هو أن يكون كل قول منها مؤلفا من أقوال إيقاعية، فإن عدد زمانه مساوٍ لعدد زمان الآخر& “(المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، ص218).

وقد عالج الفلاسفة العرب هذا الموضوع بشيء من الإسهاب استنادا إلى مبادئ علم المنطق، وقواعد الإيقاع في صناعة الموسيقى، وانتهوا، في ذلك، إلى تقرير أن أساس الإيقاع في أوزان الشعر العربي إنما هو أساس عددي كمي، وهو يضارع الإيقاع الموسيقي، ذلك أن “الإيقاع، من حيث هو إيقاع، هو تقدير لزمان النقرات، فإن اتفق أن كانت النقرات منغمة كان الإيقاع لحنيّا، وإذا اتفق أن كانت النقرات محدثة للحروف المنتظم منها الكلام كان الإيقاع شعريا، وهو بنفسه إيقاع مطلقا.”(جوامع علم الموسيقى، لابن سينا، ص81.(عن “نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين”، للدكتورة إلفت كمال الروبي، ص251. راجع في هذا الكتاب رأي فلاسفة آخرين، كالفارابي، وابن رشد، والكندي، وإخوان الصفا، في موضوع “علاقة الوزن الشعري بالموسيقى”، ص248-258)).

ومما يجب في الأقاويل الشعرية، حسب الفارابي، “أن تكون بإيقاع، وأن تكون مقسومة الأجزاء، وأن تكون أجزاؤها في كل إيقاع سلاّبات وأسبابا وأوتادا محدودة العدد، وأن يكون ترتيبها في كل وزن ترتيبا محدودا، وأن يكون ترتيبها في كل جزء هو ترتيبها في الآخر. فإن بهذا تصير أجزاؤها متساوية في زمان النطق بها.”(كتاب الشعر، لأبي نصر الفارابي، في مجلة “شعر”،(م.س)، ص91). “لم يوضح أي من المحققين لنص الفارابي معنى كلمة “سلاّبات” أو “سلاميات”.”(إلفت الروبي في “نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين”، الهامش رقم(138) في الفصل الخامس، ص325).

فالوزن الشعري إذاً وزن عددي يقوم على توالي الحركات والسكنات، بحيث يشكل هذا التوالي، حسب الاصطلاح العروضي، أسبابا وأوتادا وفواصل تتكون منها مقاطع، أي أجزاء أو تفعيلات بالاصطلاح العروضي، تتكرر في نظام يطبعه التناسب والتساوي في الكم وزمان الأداء.

وبعد، فبهذا التمييز بين نوعين من الوزن: الوزن اللغوي الوضعي الطبيعي، والوزن الشعري الفني الصناعي، يتبين لنا خطأ من يحصرون وزن الشعر في النوع الأول عامة، ويزعمون أن خاصية التساوي الكمي ليست من ماهية الوزن الشعري، وإنما هي عرض اصطلاحي، واختيار ظرفي ولّى زمانه، ولم يعد يستجيب لحاجات الشاعر الحديث.

إن تجرد الوزن الشعري عن الإيقاع العددي الكمي يعني، بكل بساطة، سقوط ركن أساس في صناعة الشعر، وهو الأمر الذي يترتب عليه أن الحديث، بعدئذ، يمكن أن يكون عن كل شيء إلا عن فن الشعر.

وإن من أبرز علامات التيارات الشعرية الحداثية اليوم القولَ بالشعر المحرر من الوزن، أو قل، على وجه التدقيق، الوزن الذي لا شأن له بالمفهوم الذي عرفته التجربة الشعرية العربية، وكرسته على طول تاريخها الطويل، والذي لم يزل يتعارفه النقاد، والأدباء، والفلاسفة، واللغويون، والعروضيون، والبلاغيون، والموسيقيون، في مختلف عهود تاريخنا العربي الإسلامي، حتى نبتت نابتة الحداثيين، وخاصة في صورة التيار الإديولوجي العنفي الهدمي العبثي.

وقد فسّر عباس محمود العقاد الدعوة إلى إلغاء الأوزان، في شكلها العروضي التقليدي- طبعا، كان هذا على عهد الإرهاصات الأولى للتجديد في أوزان الشعر العربي، قبل أن يستفحل أمر الحداثيين- فسّرها بأنها دعوة لا يمكن أن يقف وراءها إلا واحد من اثنين:

إما “عاجز عن النظم الذي استطاعه الشاعر العامي في نظم القصص المطولة والملاحم التاريخية من أمثال السيرة الهلالية، وسيرة الزير، وغيرها من السير المشهورة المتداولة، أو عاجزٌ عن النظم الذي استطاعه الشاعر العامي والشاعرة العامية في نظم أغاني الأعراس، ونواح المآتم، وأمثال الحكمة والنصيحة على ألسنة المتكلمين باللهجات الدارجة”(اللغة الشاعرة، ص43،44). وحينئذ- يستنتج العقاد: “لا خير في كلام يقوله من يعجز عن هذا القدر من السليقة الشاعرية والملكة الفنية، وأحرى به أن يأتي بما عنده في كلام منثور ويترك النظم وشأنه، بدلا من هدم الفن كلّه وحرمان اللغة من آثار القادرين عليه.”(نفسه، ص44).

وإمّا- وهذا هو المحتمل الثاني- ساعٍ إلى “عمل من أعمال الهدم الصراح عن سوء نية وخبث طوية& وتلك شنشنة نعهدها في العصر الحاضر من دهاة الهدم المتسترين وراء كلمات التقدم والتجديد.”(نفسه، ص44،45).

هذا رأي العقاد.

وفي المقالة التالية أبدأ في إطلالة مركزة على أهم مرتكزات الحركات التجديدية، النظرية والتطبيقية، في موسيقى الشعر العربي، وعلى أبرز حججها النقدية الفنية في دعوتها إلى تجاوز الأوزان العمودية للشعر العربي.