لوَّثَتْ خُلْطَةُ الجاهليين منا النفوس، وكدرت العقول، وتغلغل سَخَمُها إلى القلوب. فلا يغسل مرض الغثائية عنا إلا ماءُ القرآن، ولا يُذهبُ وسَخَ الفتنة الفكرية النفسية إلا صابون السنة. وبعدها نعرض ناقهنا لنلبسه لباس التقوى، ونعَطِّرَهُ بعطر الوحي، ونَفْتِقَ جيوبه ليتنسم نسيم الآخرة، وليرُوحَ رَوْحَ حب الله، ويتزين بزينة الله التي أخرج لعباده.

تلوثت الألفاظ والمصطلحات، وتداخلت المفاهيم، واشتبكت المعاني بمادية الثقافة الدوابية الأرضية المحيطة الغازية. فأنت تتحدث عن الشريعة كافلة المصلحة.وكلمة “مصلحة” في عُرف العصر الدارج لا رائحة فيها ولا في شيء مما يُنطَق أو يُكتب في حضن الجدَل الحضاري التنموي الثقافي للآخرة. فأنّى نتفاهم مع رواد نادي السياسة الجائحة؟

“وضعُ الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل”. هذا كلام كان معناه واضحا لما كان الإسلام هو الشوكة والدولة، ولما كان أمرُ الآخرة وأمرُ الشرائع المنزلة إيمانا راسخا لا أطروحة للنقاش. العبارة للإمام الشاطبي رحمه الله، كتبها في أندلس الإسلام المتألق. وكتب أن “المقصِد الشرعيّ من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا”.

لم تكن معاني العبودية لله عز وجل ومعاني الآخرة ومطالب الشريعة ومقاصدها ومصالح العباد مقولات هامشية عندما كتب فقهاؤنا الأجلَّة بلغة العزة والصفاء. وما كان ينطوي عليه المسلمون من بقايا الفلسفات التي حملها معهم عندما دخلوا في الإسلام أهلُ الآفاق لم يكن عاملا مُلَوثا. بل هضم الخطاب الإسلامي الصالح من تلك البقايا ولفظ الفاسد.

أما اليوم فطبول الدنيا وتزمير أبناء الدنيا ورقصات شياطين الدنيا على بابك، تُصِمُّ الآذان وترمي بشررها على الوجوه. فلا الخيرُ ولا الشر ولا المصلحة ولا المفسدة تقاس بمقاييس تعرفها الفطرة فتلينُ إليها، وتطمئن إليها النفس المومنة بالمعاد فتسلك بباعثها.

لذلك فالتحدث بلغة القرآن في عصر ساد فيه حديث الفلسفة والثقافة والفن واللذة والمنفعة و”السعادة” والمتعة والمردودية وتوابعها مَدخل صعب. ولذلك حَقَّ على الإسلاميين أن يُلحوا على ما كان مسكوتا عنه لبداهته في كلام سلفنا العلماء المومنين. وحَقَّ أن يتميزوا في العبارة، يقاتلون في صف الكَلِمِ القُرآنية السنية كل عوامل التلوث المعرفي.

يشترط علماؤنا الأجلة في المجتهد الذي يستنبط الأحكام، ويستنطق النصوص، ويراعي في الترجيح مقاصد الشريعة ومصالح العباد أن يكون عالما متبحرا في اللغة العربية، وأن تكون آيات الأحكام وأحاديثها محققة نُصبَ عينيه، وأن يكـون على معرفة تامة بالحالة الاجتماعية الاقتصادية العُرْفِيَّةِ للعباد حتى يتمكن من القياس. وأن يعرف وجوه العلة ومسالِكها ليغطي باجتهاده المساحة الواسعة التي لم يغطها التشريع بنص قطعي.

وفصل فقهاؤنا الأصوليون العباقرة كيف تُفسر التكاليف الشرعية، على مراتبها، بِعِلَّةِ ضمان مصلحة العباد لكي تضمَن الضروريَّ من حفظ الدين والنفس والنسل والعرض والمال، ولكي توسِّعَ بالمقاصد الحاجية على العباد وترفع عنهم الحرج، ولكي تكمل بالأهداف التحسينية وتجمل.

وفصل سلفُنا الصالحون رحمهم الله كيف تمنع الشريعة بمقاصدها هذه السامية التهارُجَ والفساد وفوت المصالح في الدنيا، وكيف تعطي للمسلم والمسلمة الاستقرار والأمن والكفاية المعاشية لينصرف العبد إلى تهييء آخرته، يرى مستقبله بعد الموت هو القبلة وهو الغاية وما في الطريق إلى الآخرة تسهيلات ووسائل.

كان هذا واضحا معروفا غيرَ منكر في الخطاب السليم العزيز بسلامة الدعوة ورجالها رغم كابوس الدولة العاضة. كان المعين القرآنَ والسنة، لا يُداري في ذلك ولا يُماري إلا زنديق ملفوظ مرفوض. أما في يوم الإسلام وغده فالمصدر المعرفي للثقافة الدوابية السائدة المعارضة المُشاكِسة يفور من فلسفة سقراط و”سعادة” إبقور وسياسة ماكيافيلي ونضالية فولتير وحرية روسو و”أخلاقية” هوبز وستوارت مل وبنتام وعدالة ماركس.

الدين في سياق الثقـافة الدوابية عامل مُدَجّن من عوامل الاستقرار الاجتماعي لا بأس بوجوده هناك وبقائه لتتسلى به العجائز. أو هو “أفيون” للشعوب يُحارَبُ ريثما تغيثه البرسترويكا فتعيده إلى دار الأمان في ركنه مع العناكب العتيقة.

الدين في نظر خصومنا اليوم وغدا من أبناء جلدتنا وغيرهم موروث ومخزون نفسي وما شئتَ. لكن المصلحة هي اللذة و”السعادة” و”الحياة” والفن. وما يكونُ من أخلاقية سلوكية وديمقراطية سياسية وأمن في العالم وحفاظ على البيئة وتطوير للعلوم والمخترعات ورعاية للصحة إنما هي وسائل لأنانيتي الفردية والقومية تُرْضَى بها الرغبات واللذات. ويقول لسان الحال أولئك ولسان مقالهم: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى وما نحن بمبعوثين.

يفصل علماؤنا الأصوليون رحمهم الله القول في مصالح العباد وعلل الأحكام ويمرون مرَّ الكرم بعلة العلل وشرط الوجود والصحة للمجتهد واجتهاده: الإيمان بالله وباليوم الآخر. وباليوم الآخر. وباليوم الآخر.

يمرون لبداهة الشرط. ونحن لكيلا يجرفنا التيار الفكري الحضاري الدوابي ينبغي أن نعلن إيماننا. وينبغي أن نصرح به. وينبغي أن نقاتل عنه. إن كان إسلامنا نائما عن معاني الإيمان فلن نعلن ولن نصرح ولن نقاتل حتى يستيقظ فينا الإيمان. وإن كان إيماننا قاصرا عن مطمح الإحسان فلسنا أولئك الذين يؤيد الله عز وجل بهم دينه. لسنا من حزب الله حتى نجمع الدين إسلاما وإيمانا وإحسانا.

قال الله عز وجل: “من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيَها وهو مومن فأولئك كان سعيُهم مشكورا”.[1]

هنالك مقاصد الشريعة وهناك إرادة المكَلَّفِ. فإمَّا يكونُ المكلف مطيعا لأمر ربه، مريدا للآخرة، ثم طامحا لرضى الله، ثم طامعا في النظر إلى وجه الله. وإما يكون عبدا لهواه، ولذته، وأنانيته. ذاك يسعى للآخرة وسعادة الآخرة فهو مع الشريعة سامعا لها مطيعا واثقا أن فيها رعايَة مصلحته الكلية الواصلة بين الدنيا والآخرة. وهذا يسعى سعي الدنيا، فمن يخرجه من داعية هواه؟ وكيف نطبق له وعليه أحكام الشريعة؟ وما موقفنا منه اليوم وغدا وإرادتنا غيرُ إرادته، ومصدرنا غير مصدره، ومرجعيتنا غير مرجعيته؟

إن شريعة الله عز وجل خصصت للعباد نصيبهم من الدنيا، وجعلت للعبد من نصيبه في الدنيا ووسائلها مَرْكَباً يوصله إن آمن واتقى ونوى وأحسن إلى سعادة الآخرة.وإن توفيرَ هذا النصيب للعباد ضرورة لكيلا تفتنهم الدنيا بالفقر والمرض والجهل والحاجة عن مطلبهم الأخروي.

فبما نحن غدا إن شاء الله دولة فعلينا أن نحمل همَّ العباد ونعمل، وَعَيْنُ الرقباء والمعارضين تتربص، على توفير المعاش الكريم للناس.

وبما نحن قبل كل شيء دعوة فعلينا أن نحمل مع هم آخرتنا هَمَّ آخرة العباد.فما نحققه من خير ومصلحة في تدبير المعاش في إطار الشريعة ومصلحتها دعوة في حد ذاته وتأليف. وسيلة أخرى من وسائل الدنيا نستعملها للدلالة على سعادة الآخرة ومصلحتها وطريقها. للدلالة على الله الكريم الوهاب.

لاَ تذهبْ بنا الغفلة إلى التباري مع اللذاتيين في ميدانهم وبشروطهم. ذلك هو الذوبانُ الذي يهدد الدعوة.

قال قوم قارون لقارون كما قص الله تعالى علينا: “ولا تنس نصيبك من الدنيا”.[2] قال بعض المفسرين النابهين: أوصَوْهُ أن يتزود من نصيبه في الدنيا لآخرته.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسم لنا حدود ضرورات المعاش: “من أصبح منكم آمنا في سِرْبه، مُعافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها”. رواه الترمذي وابن ماجة والبخاري في الأدب عن عبد الله بن محصن رضي الله عنه.

العباد عجِلونَ قلِقون على الرزق، فتوفير نصيبهم الكريم العفيف من الدنيا يُفرِّغ قلوبهم من الهم اليومي العاجل لينصرفوا إلى طلب الآخرة.

علة العِلَلِ في الشريعة وأم المصالح وآخرة الاجتهاد هي إخراج العباد من داعية الهوى ليكونوا عباداً لله كما قال الله جلّ الله: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”. [3]وعقبة الدنيا وهم الدنيا ومشغلة الرزق لا تُقتَحم بالإرادة المستعلية على الدنيا فقط، بل لا بد من مساعفة العبد بالنصيب من الأمن والعافية والقوت ليصفُوَ قلبه ويكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من كانت الآخرةُ همَّه جعل الله غِناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقرَه بينَ عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له”.رواه الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

من يخبر بأمر الآخرة، من يَحْقِنُ بهم الآخرة خلائق يعتقد الواحد منهم أنه عُلْبَةٌ هضمية، دودة أرضية للاستهلاك والمتعة؟ ومن يُرِدْ الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا.

الهوامش:

[1] سورة الإسراء، الآيتان 18-19.

[2] سورة القصص، الآية 77.

[3] سورة الذاريات، الآية 56.