حارتنا ككل حارات بلادي الجريحة.. دور وأزقة وأسمال وأبنية كسيحة..

الباعة يرعون تجارة كاسدة.. ويلعنون الصين..

شيوخها يلعبون الورق.. حتى يحين الآذان..

عجائزها تَنْثُرْن فوق الأسطح.. حبات القمح للحمام.. وتسألن الله ألا يصاب بالزكام..

شبابها طول الوقت يجلسون.. بجوار محل يبيع الصَّوْتْ.. لغرابة هذا الزمان سماه صاحبه “مخدع هاتف”!.. هناك يحلمون برغيف خبز وحفنة كرامة.. في بلاد خلف تلك الغيوم.. حيث “أرض الروم”..

وريثما يشاء القدر.. يقلبون جرائد السخافة والإشاعة.. أو يشربون الدخان الملعون.. لعلمكم سادة!.. ليس هو الأفيون..

أكثر ما في حارتنا صباياها..

أحلامهن أكثر براءة.. إذا مللن” الشَّاتْ” بالنهار.. أغلقن كل نوافذ الإبحار.. وفتحن في المساء.. نوافذ البيوت.. وبكََينَْ في قنوت.. يُنَاجِِين السماء..

حارتنا والحمد لله طوال العام هادئة.. لا شارون ولا “قاعدة”.. وأهدأ ما تكون.. ساعة الغروب.. حينما يكف الباعة عن الصراخ.. والجارات عن الثرثرة.. والصبية عن مسابقة الريح ودحرجة الكرة.. **************************في الزقاق السادس من حارتنا.. بيت صار منذ سنين.. مقرا لملتحين.. سموا “العَدْلِيِّينْ”..

هكذا هنا يعرفون.. وبعلامات يميزون..

أناس من أهل الصلاح والفلاح.. هذا ما سمعنا.. وما شهدنا إلا بما علمنا..

في ذلك البيت يجتمعون.. فتارة رجالهم وتارة نساؤهم وتارة صغارهم وتارة جميعهم..

كبيرهم يدعى “بن الخيلية”..

ورث من الخيل كل شيء: وداعَتَها.. أُلْفَتها.. بهاءها.. إباءها.. عنادها.. صهيلها.. جموحها.. حتى أنه أَدْهمٌ كبعضها..

كل الحارات تحفظ سيرته..

لم يزل منذ حل بالمدينة.. يسخر من الدستور.. ويكشف المستور..

وقد سجن لأخطر الأسباب: أنه يُدرِّس الحِساب.. ويُِؤلِّب الطُّلاَّب.. ويطيل الصلاة.. ويكثر السفر..

وقد حج واعتمر..

في افتتاح كل مجلس يجدد التوبة.. ويقسم عند الختم:”دون الصُّحْبَةِ لا نجاة”..

في الليلة قبل البارحة.. بلغني.. قلت بلغني.. أنه قال للناس.. بعد أعوذ بالله من الوسواس الخناس:”أقْسِمُ يا جموع.. أن كل ظالم مخلوع”.. وأردف يقول: مات المخزن.. مات..

هكذا بلغني.. والعهدة على الراوي..

س.. سس.. سأعود للحارة.. هكذا بلغني.. هكذا بلغني.. **************************حارتنا هذا المساء غير هادئة.. شبابها أطفئ الغليون.. الجارات لم تكففن عن الثرثرة.. صباياها لم تفتح النوافذ.. والحمام ما كف عن الهديل..

الكل يجري نحو الزقاق السادس في وَجَلْ.. فأخرج على عجل..

يا أهل الحارة ما الخبر.. ما الخبر؟

يرد صبية:.. الحارة معسكرة.. ودار “العدليين” محاصرة..

هل هُمْ هناك؟.. لا.. عما قريب يَقْدُمُون.. ليتهم لا يفعلون.. ويحهم.. الليلة يهلكون..

الباشا يلبس البذلة السوداء.. يسوي الصفوف و يوزع الهراوات..

يجيئ “بن الخيلية”.. حوله ستون أو سبعون.. يخرق الصفوف..

الباشا في حنق: أنتم ممنوعون منذ اليوم من الدخول.. هيا ارحلوا..

ذِي دارنا.. ما جئنا للرحيل.. هذا مستحيل.. مستحيل..

كم أنت جامح يا “بن الخيلية”.. هيا ارحلوا..

نحن جئنا للنصيحة.. بل أنتم ارحلوا.. يا تجار الفضيحة..

هيا ارحلوا.. هذا قرار الوالي وأمْرُ الوكيل..

قلت ارحلوا.. سأعد حتى سته.. واحد.. سته.. إضرب..

حسبنا الله ونعم الوكيل.. حسبنا الله ونعم الوكيل.. **************************استيقظت حارتنا هذا الصباح.. على أصداء الحسبلة.. وفضول العجائز.. وصراخ الباعة.. وأنين الزقاق السادس..

و في الظهيرة.. جاء “العدليون”.. يقصون للحارة.. تفاصيل الغارة.. ويوزعون.. بيانات وصور..

كل الحارة تجمعت.. حول “العدليين” تسأل.. من ذا الذي بالصورة في دمه تسربل؟..

ذاك “بن الخيلية”.. لجند الله سليل..

ذاك “بن خيلنا”.. مَن ْعلمنا الصهيل..

آهْ !.. أهُو الذي رغم جرحه.. كان البارحة.. في وجه العساكر يبسم؟ !..

أي نعم.. و قال: لا رحيل.. لا رحيل.. هكذا أقسم..

بربكم أهل الحارة:.. أتذكرون ما قال عنتره.. في فرسه الأدهم؟..

ما زِلْتُ أَرْمِيهمْ بثُغْرَةِ نَحْرِه وَلَبَانِهِ حتى تَسَرْ َبَل بالدَّم

كذا “بن خيلنا” يا أفاضل.. غير أنه إلى الطغاة ما شَكا.. بِعَبْرَةٍ أوَتَحَمْحُمِ..

يا ناس لا تصدقوا البغاة.. لسنا نبغي كما بغوا فسادا.. لسنا كما ادعوا إرهابيين..

نحن دعاة خير.. قد جاءتنا ألف بشارة.. هذا عام النصر.. أبشروا أهل الحارة..

إلى متى الصبر؟.. وكيف تصير الأمور؟..

ما نحن عُلاَّمُ َغيبٍ.. نُوحِيُّونَ نحن.. ها قد فار التَّنُّورْ..

ها قد فَارَ التَّنُّورْ..

ها قد فَارَ التَّنُّورْ..