لما ظهر على خشبة مسرح المخزن ممثلون أحداث، سمعت الملدوغ مرتين من جُحرٍ يستبشر خيرا بأدوار الذَّراري، ويؤكد أن الفرجة هذه المرة ستكون ممتعة في مدن البحر وشواطئه والبراري. وبما أني حُشرت في مقبرة الأحياء منذ زمن البطل البصري، لم يكن باستطاعتي متابعة فصول المسرحية الجديدة عن كثب، اللهم إلا مشاهدة بعض الحلقات من خلال تلفاز الإثم ولائكي الكلام، أو بعض صحف مرتزقة القلَم وتجار الكلِم.

وكان مما أثار انتباهي اتساع رقعة الحرية، وكثرة الأنشطة الفنية، وازدهار نوع من السياحة: حرية تجمعات الشواذ وعبدة الشيطان.. كثافة حملات التبشير وحرية إقامة الصلوات للرب الأب والابن.. حرية القصّاصين في حكايات جرائم الغابرين لا الحاضرين.. رواج أنواع جديدة من المخدرات وأقراص الهلوسة.. مهرجانات عديدة للأفلام والرقص والغناء.. حرية السياحة الجنسية والخلاعة..

فالكل أصبح حرا ليفعل ويقول ما يريد، ولكل المِلل والنِّحَل والرذائل، بما فيها محافل الماسونية ونوادي الروتاري، رُفع شعار التسامح! إلا إذا تعلق الأمر بالإسلام، فإن أبطالنا معه تماسيح!

الكل حر أن يجتمع؛ سواء على الرقص أو الغناء أو الخنا أو الدعارة أو الخلاعة أو الفجور أو الخمور أو المخدرات أو على أي صنف من أصناف الفسق والمنكرات، أعاذنا الله من الفسق والفاسقين.

الحرية للكل باستثناء المؤمنين! المؤمنون وحدهم ممنوعون أن يجتمعوا على مدارسة القرآن والذكر والصلاة ومناجاة الأسحار! الحرية للفسق لا للعبادة! الحرية لأولياء الشيطان لا لأولياء الرحمن!

وحينما يتجرد البشر من إنسانيتهم، ويتّبعون شهواتهم وشياطينهم، ويتنكّرون لكل الحقوق والقوانين لكي لا يؤمنوا إلا بقانون الغاب العنيف، فهم حينئذ كالبهائم – بل هم أضل – لا يفقهون إلا لغة الحيوان.

فلْيعلم الممثلون الفاسقون الذين يفسدون في الأرض ويحاربون ديننا وجماعتنا، متشبعين بكل القيم البهيمية، أن مثَـلَهم كمثَل العناكب، وأنتم يا أهل العدل والإحسان، يا من اتخذتم من النحل آية شعارا، مثَلُكم كمثَل النحل كما قال حبيبكم عليه أفضل الصلاة والسلام: مثل المؤمن مثل النحلة(1).

أنتم نحل فيكم صلاح وشفاء للناس، وهم الفساد والشقاء للناس.

أنتم تَطيرون في الآفاق في وضح النهار وتتغذّون من لُباب الأزهار وتسَبِّحون بالأذكار، وهم يزحفون في ظلمة النَّفق ويستخْفون في الأوكار ويقتاتون من ذُباب المجازر ويسْبَحون في المناكير.

ولتعلم العناكب أن خيوطَها لأوْهَن من أن تقيّد أجنحة النحل، وسمومَها لَأتْـفَه من أن تُؤثّر في عُمال الخلايا وحُراسها، ومن قلب الناصح استسقت وتستسقي وسوف تستسقي القلوب عسلا ناصحا. أَوَلَم يأتها نبأ أسلافها العقارب؟

كانت العقارب البائدة قد ثقّفتها الخُطوب المُدلَهمّة بالدولة الوليدة، وعرَّكتها الحروب مع قادة العساكر، وحنّكتها التجارب مع أفراخ الدِّببة الحُمْر الزُّغْب. وكان سَمّ إبَرها زُعاف، وشَمّ أرواحها رُعاف، فقتلت واغتالت وأعدمت، وعذبت وسجنت وأرهبت، حتى صَيّرت من قال لا إما عَدَما، وإما نَعَما، ولا منزلة بين المنزلتين.

ولم يجرؤ أحد ويقتحم الموت ويتكلم ويثبت إلا أسد واحد ووحيد، لم يثنه عن جهاده التهديد ولا الحديد، وثبت على كلمة التوحيد.

كان اليعسوب وحيدا، لكن العقارب انهزمت رغم عُدّتها وعددها! لم ينحن اليعسوب ولم ينمح، بل كثُر نحلُه وأغرى الناسَ بعسله! وكلما اشتد عليه بأس العقارب، كلما ازداد سِرب الأصحاب.

فأنّى للعناكب الانتصار وقد انهزمت مِن قَبْلها العقارب التي كانت أكثر منها قوة وحيلة وأشد بطشا؟ أنّى لها الانتصار وسلطان النحل له اليوم من الأنصار مالا يُحصى عدّا؟ بل أنّى لها الانتصار على أولياء الله الذين يُعْلن اللهُ الحربَ على من عاداهم وآذاهم؟

الله هو المنتصر، الله هو المنتصر، وحزبه هم الغالبون، والمؤمنون هم المنتصرون في الدنيا قبل الآخرة مصداقا لقوله تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر: 51).

ولو كانت العناكب أَناسيا تُحسن قراءةً غير قراءة خيوط مصايدها التي تنسجها ، وتحسن التطهر من دنسها ونجسها ولو لحظة من عمرها، لَفتحت القرآن وقرأت في سورة النحل: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) لتعلم تشبث الجماعة بالقرآن. ولَتدبرت -إن فتحت أقفال قلوبها- قوله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ) (النحل: 88) لتعلم أن المفسد الذي يصدّ عن سبيل الله بمنع الاجتماع على الله وذكره وعبادته، يستحق عذابا خاصا بسبب هذا الصدّ، وهو غير العذاب الذي يستحقه صاحبه على الكفر. ولَأحزنها -إن كانت لها قلوب حية- افتتاح السورة بقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)؛ فالأمر أمر الله وليس أمر أهل العدل والإحسان، وأمر الله آتٍ لا محالة في هذه العاجلة فلا داعي للعجَلة، والنور نور الله، والله متم نوره، وما الجماعة إلا مصباح ومشكاة لنوره.

وختاما ننذر العناكب التي لم تتفوق على العقارب إلا في شيء واحد: شدة جرأتها على الله وعلى مساجده ومحارمه، ننذرها أن لا ظلم ولا إفساد أعظم من منع ذكر الله في مساجده -وكل الأرض جعلت لأمة سيدنا محمد مسجدا- ونبشرها بقُرب خراب قريةِ فِسقها التي ندعو الله تحقيقا لا تعليقا ونحن يقين بالإجابة -ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، والرؤى الصالحة من أجزاء النبوة وإن تواترت لم تخطئ- أن يعجِّل بِحَقّ القول عليها لتستحق الدمار تحقيقا لسنته الخالدة: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الإسراء: 16). ومن يستهن بالدعاء نُذَكِّره بواجهة قُنوت صفر، والذي نفذت سهامُه في المقنوت عليهم رويدا رويدا، حتى أتت عليهم الواحد تلو الآخر في عشر من السنين.

آمنا بالله وبوعده استخلاف المؤمنين العاملين الصالحات في الأرض، وتمكين الدين لهم، وتبديلهم من بعد خوفهم أمنا. وآمنا بموعود رسول الله عليه الصلاة والسلام لأمته بالخلافة الثانية على منهاج النبوة.

ونسأل الله الذي لا إله إلا هو وحده، لا شريك له، الذي له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الذي نصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، أن يستعمل أهل العدل والإحسان في إنجاز وعده، ونصرة دينه، ودعوة الخلق إلى مأدبته، والدلالة عليه، ونتضرع إليه أن يمنّ على المستضعفين في الأرض، ويجعلهم أئمة، ويجعلهم الوارثين.

اللهم إنا نجعلك في نحور الظالمين، ونعوذ بك من شرورهم، ونفوض أمرنا إليك، رهبة منك ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أنت رب المستضعفين، وأنت حسبنا ووكيلنا، ولا حول ولا قوة إلا بك، ولا حول ولا قوة إلا بك.

الهوامش:

(1) هذا جزء من حديث أورده ابن حبان في صحيحه، وقال عنه شعيب الأرنؤوط: حديث حسن. كما أنه جزء من حديث آخر أورده الحاكم في مستدركه وقال عنه: حديث صحيح.