استأثرت محاكمة الطلبة الإحدى عشر ببني ملال هذه الأيام باهتمام إعلامي كبير، جعل منها قضية رأي عام وطني بامتياز، لكونها محاكمة لها أكثر من بعد، وتحمل أكثر من دلالة، وكذا لتزامنها مع المحاكمات والتضييقات التي تشهدها جماعة العدل والإحسان، فمحاكمة طلبة بني ملال لها بعد سياسي؛ لكون المتابعين أبناء فصيل طلبة العدل والإحسان، وبعد نقابي لكون المتابعين مناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وبعد حقوقي على اعتبار ملف القضية مرتبط أساسا بملف طرد تعسفي تعرض له الطلبة كان نقطة انطلاق هذه التطورات.

إن تخوفي من أن تأخذ المحاكمة صبغة سياسية صرفة، تفقدها قيمتها الحقيقية في مسار النضال التاريخي للحركة الطلابية المغربية من جهة، والنضال الوطني الحقوقي النقابي من جهة أخرى، دفعني إلى كتابة هذا المقال.

أعترف بدءا بأن محاكمة لها كل هذه الأبعاد ليست باليسيرة ولا بالسهلة، لاسيما وأنها تأتي في ظروف أمنية متوترة تخيم على المغرب، ثم إن طرفا القضية غير متكافئين بمقياس السلطة، فالمدعي (عميد الكلية) معين بظهير شريف، وهو ذو سلطة موسعة تجعل منه مالكا لزمام العديد من المبادرات التي قد يكون لها تأثير على سير المحاكمة، أما المدعى عليهم فهم طلبة عزل أبناء الشعب المغربي المستضعف، قدموا إلى الجامعة لطلب العلم والتسلح بالمعرفة لضمان مستقبل مهني يمكنهم من العيش الرغيد والمساهمة في بناء البلاد.

سأضع تخوفي من اختلال ميزان العدالة جانبا، رغم أن صفحات جرائد حزب السيد الوزير”الاتحاد الاشتراكي” تدبج المقالات مطالبة برأس الطلبة الأبرياء….. سأضع تخوفي جانبا، متطلعا إلى محاكمة عادلة يقف فيها العميد والطالب سواء أمام القضاء؛ حيث يمنح لطرفي النزاع الحق في الدفاع عن نفسه وموقفه، مما يمكن هيئة القضاء من كشف الحقيقة كاملة غير منقوصة ولا مبتورة ولا مغلوطة، ومن ذلك وضع تطورات القضية في سياقها، وسبر أغوارها، ومعرفة دقائقها والحيثيات المرتبطة بها، والوقوف على ملابساتها. و رضي الله عن عمر بن الخطاب حين قال:”ضعيفكم عندي قوي حتى آخذ له حقه”.

أحاول في هذا المقال أن أساهم في كشف هذه الحقيقة وتنوير الرأي العام، فكوني في قيادة الإتحاد الوطني لطلبة المغرب أوجب علي متابعة تطورات الملف من ألفه إلى يائه، الأمر الذي مكنني من الوقوف على خروقات قانونية ينبغي رصدها، ومغالطات ينبغي تصحيحها، وثغرات في صك الإتهام ينبغي كشفها.

1. الإتحاد الوطني لطلبة المغرب ليس منظمة وهمية:

طالعت أقوال السيد العميد في نص محضر الضابطة القضائية، فلم أجده اتهم الطلبة المتابعين بتهمة الانتماء إلى الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، رغم أنه سبق أن أثبتها في التهم التي أسس عليها قرار إبعاده للطلبة الستة تحت رقم 193/06. وأعتقد أن ذلك راجع لكون العميد قد حصل له اقتناع متأخر بكون أوطم ليست منظمة وهمية، وأنها أقوى من أن يتم تجاوزها بجرة قلم أو ببنت شفة. أذكر بهذا الأمر لما له من تأثير كبير على تطورات القضية.

ذلك أن تجاهل العميد لهذا المعطى في السابق  وهو تجاهل غير مقبول على كل حال- جعله يعتبر العديد من التحركات النضالية للطلبة تحركات غير مقبولة حسب منطقه، بالرغم من كونها مؤطرة بالقانون الذي يحميها ويصونها من كل عبث للسلطة أو شطط في استعمالها.

فالقانون 00/01 وخصوصا الفصل الأول من الباب الثالث المخصص لحقوق وواجبات الطلبة، خصوصا المادة 70 منه، تنص على أنه: “يتمتع كل طالب بحرية الإعلام والتعبير داخل مؤسسات التعليم العالي ومرافقها والمصالح المشتركة”، والمادة 72 تنص كذلك على أنه: “يجوز للطلبة أن ينتظموا وفق القوانين والأنظمة الجاري بها العمل في جمعيات ومنظمات تهدف إلى الدفاع عن مصالحهم”. نعم تقيد المادة 72 هذا الحق بشرط التقيد بالنظام الداخلي للمؤسسات، وهو ما نحرص عليه في أوطم أشد الحرص، بل نسعى إلى الانخراط الإيجابي في الرفع من جودة الخدمات التي تقدمها الإدارة للطلبة، وذلك بتقديم يد العون للموظفين بمساعدتهم على القيام بمهامهم، لاسيما بعد الخصاص المهول الذي عرفته الجامعة نتيجة المغادرة الطوعية، الأمر الذي يلقى استحسانا من كل الإدارات المحلية.

للأمانة نقول إن الطلبة المتابعين هم مناضلوا أوطم، وجلهم منتخبون جماهيريا وفق القانون التنظيمي للمنظمة الصادر عن آخر مؤتمر ناجح.

وليت العميد اقتنع مبكرا، لكان قد وفرعلى الطلبة سنتهم الدراسية.

2. قرارات الطرد باطلة أساسا.

أصدر مجلس كلية الآداب بني ملال قرارا تحت رقم 194/06 في حق الطالب المناضل “محمد خلقي”، والقاضي بطرده مدة سنتين، كما أصدر العميد (كان نائبا للعميد حينها) قرارين آخرين تحت رقم 193/06 و 234/06 يقضي فيهما بإيقاف ستة طلبة آخرين إيقافا مؤقتا مشروطا بتوقيع التزامات بعدم ممارسة أي نشاط داخل الكلية.

يعتبر العميد هذه القرارات قانونية، ويستند في ذلك إلى البند 21 من القانون المنظم للجامعات 00/01، الذي يحدد صلاحيات العميد وينص على أنه من حق العميد اتخاذ كل الإجراءات التي تخول له ضمان حسن سير المؤسسة. وهو ادعاء مجانب للصواب، وحق أريد به باطل، لكون السلطة التأديبية لا تدخل ضمن هذه الإجراءات، فبالرجوع إلى مواد القانون 00/01 يمكنك أن تقف بسهولة على بطلان الأسس التي ارتكزت عليها القرارات التأديبية في حق الطلبة. وما بني على باطل فهو باطل:

أ‌- حق التعليم حق مقدس، أجمعت على حفظه كل الشرائع السماوية، وأعطاه الإسلام مكانة خاصة رفعته إلى درجة الواجب.

ب‌- نصت كل المواثيق والمعاهدات الدولية على ضرورة حماية هذا الحق للإنسانية جمعاء.

ت‌- نصت كل دساتير الأمم و الدول على احترام هذا الحق وحمايته، بما في ذلك الدستور المغربي.

هذه القدسية التي يتمتع بها هذا الحق، تجعل المس به مسا بالمقدس؛ لذلك كان لزاما على المشرع أن يحيطه بالعديد من الاحتياطات حتى لا يصير مستباحا في يد المستبدين.

فنجد أن القانون المنظم للجامعة 00/01، رغم علاته- فلكل مقام مقال- أناط السلطة التأديبية بالنسبة للطلبة بمجلس الكلية وذلك في الفقرة السادسة من المادة 22. ولم يجعلها في يد العميد. الأمر الذي يجعل من هذه الفقرة تقييدا للبند 21 العام والمطلق. أخلص من هذا إلى كون القرارات 193/06 و234/06 قرارات باطلة بنص القانون.

أما فيما يتعلق بالقرار 194/06 في حق محمد خلقي، والذي اتخذه مجلس الكلية فإن غياب شروط الصحة التي نص عليها القانون يجعل منه قرارا مبنيا على غير أساس؛ ذلك أن القانون 00/01 في المادة 22 قيد السلطة التأديبية بالنسبة للطلبة بشروط صحة، فقال في حديثه عن مهام مجلس الكلية “يمارس السلطة التأديبية بالنسبة للطلبة وفق الشروط المحددة بنص تنظيمي”.

كما نجده يؤكد على هذا في حق مؤسسات التعليم العالي غير التابعة للجامعات في الفقرة السادسة من المادة 35 حيث ينص على كون “مجلس إدارة المؤسسة…يمارس السلطة التأديبية بالنسبة للطلبة وفق الشروط المحددة من لدن السلطة الحكومية الوصية أو التابعة لها المؤسسة”.

هذه الشروط المقيدة الضامنة طبعا، للعدالة تفرض مايلي:

1- أن يتلقى الطالب المعني استدعاءا لحضور اجتماع مجلس الكلية، يعقد على شكل مجلس تأديبي.

2- أن يواجه الطالب المعني في هذا الإجتماع بالتهم المنسوبة إليه، بشكل مباشر و واضح.

3- أن يمنح الطالب الحق في الدفاع عن نفسه، والإدلاء بكل ما من شأنه أن يبرئ ذمته، فالمتهم برئ حتى تثبت إدانته.

بالرجوع إلى القرار 194/06، نجد أن الطالب محمد خلقي لم يستدعى إلى أي مجلس تأديبي، لكنه فوجئ بقرار الطرد، مثله مثل كل الطلبة داخل الكلية. مما يجعل القرار قرارا فاسدا لانتفاء شروطه.

-IIIالإمتناع عن تنفيذ قرار المحكمة الإدارية.

هذه الخروقات الحقوقية والقانونية التي ارتكبتها إدارة الكلية، دفعت الطلبة المتضررين وكذا مناضلي أوطم إلى اتخاذ كل التدابير التي من شأنها أن تعيد الأمور إلى نصابها، في إطار القانون بطبيعة الحال، ففتحتا لذلك واجهات ثلاث:

1- الواجهة النضالية: بتنظيم إضرابات ،تظاهرات، وقفات احتجاجية، اعتصامات، إضرابات عن الطعام… كما تم تنظيم إضراب وطني يوم 23/05/2006 ووقفات وطنية أمام مباني رئاسات الجامعات يوم 25/05/2006. ونظمت العديد من الجامعات زيارات لوفود التضامن، التي حجت لمؤازرة الطلبة المتضررين: تطوان، فاس، البيضاء، الرباط، مكناس، أكادير… ومطالبة بإرجاع المطرودين والموقوفين. ولكن لاحياة لمن تنادي!!!

كما عرفت شوارع بني ملال تظاهرة حاشدة جابت رحابها، انتهت بإصدار مسؤولي أمن المدينة وعودا بالتدخل العاجل لدى رئاسة الجامعة لحل المشكل.

2- الواجهة التواصلية: حيث تم الاتصال بالعديد من الهيئات السياسية والحقوقية والنقابية والإعلامية داخل المدينة وخارجها.

3- الواجهة القضائية: بعد تشاور مع المستشارين القانونيين للمنظمة، تم رفع دعوى قضائية بالمحكمة الإدارية بالبيضاء للطعن في قرارات الإدارة، وفي انتظار البث الكامل في الملف، الذي يتطلب عادة وقتا غير قصير، طالبنا بتطبيق المسطرة الاستعجالية القاضية بوقف تنفيذ القرار.

كانت المحكمة في مستوى الحدث، وأخذت العدالة مجراها الطبيعي حين قررت -وبشكل شجاع يستحق التنويه- وقف تنفيذ القرار؛ مما يتيح للطلبة المتضررين اجتياز امتحاناتهم، وصرف منحهم.

المفاجئة كانت من الوزن الثقيل، نزلت على الطلبة وذويهم كالصاعقة؛ حيث امتنع العميد عن تنفيذ قرار المحكمة ضاربا بالقضاء وسلطته وهيبته عرض الحائط، لاسيما وأن نفس القرار في نفس الشروط نفذته كلية الآداب بالجديدة، والعلوم عين الشق دون اعتراض، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

IV -ادعاءات ضنية:

يتهم العميد الطلبة المتابعين بممارسة العنف في حقه، وبتعييب شئ خصص للمنفعة العامة، الأمر الذي ينفيه الطلبة مطلقا، ويتهمون العميد بالاعتداء عليهم حين امتنع عن تنفيذ قرار المحكمة مما أهدرهم سنة كاملة من أعمارهم، وكذا باستعما