من أهم ما ميز ويميز دعوة العدل والإحسان حرصها الحثيث على مد جسور التواصل والحوار والتعارف مع عموم الناس, ولم ترتبط هذه الميزة قط بمرحلة زمنية خاصة أو ظرف سياسي معين, بل يتعلق الأمر بأصل يرتكز عليه الفعل الدعوي للجماعة, وقد دشن الأستاذ عبد السلام ياسين هذا المسار منذ التأسيس الأول للجماعة بدعواته المفتوحة للتواصل والحوار التي تضمنتها أعداد “مجلة الجماعة” وما زالت شاهدة على الجهد الصادق الذي بذله في هذا المجال, وحرصا من الأستاذ المرشد على ترسيخ هذا الاختيار وتثبيته فكرا وممارسة, بادر وهو خلف أسوار الحصار الجائر إلى إصدر سلسلة من الكتب الحوارية التي كانت كلها دعوة للتواصل وبناء علاقات يطبعها التفاهم ويحكمها الحوار بديلا عن العنف أوالقطيعة, وما فتأ الأستاذ المرشد يوجه مؤسسات الجماعة – كل واحدة من موقع تخصصها- إلى ضرورة الانفتاح على كل الفاعلين المجتمعيين سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات, داخل المغرب وخارجه, وهو ما يتجلى في استجابة قيادات الجماعة للدعوات التي تتلقاها لحضور منتديات ومؤتمرات وملتقيات سياسية وفكرية وإعلامية وأكاديمية, أو بالمبادرة إلى تنظيم أنشطة تواصلية حوارية في فضاءات داخلية وخارجية تخدم أهداف الانفتاح وبناء علاقات تطبعها الإيجابية.

انسجاما مع هذا الاختيار, دعت مؤسسة الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان مع مستهل هذه السنة, ومن خلال المخطط الثلاثي ( وهو وثيقة تنظيمية تمت المصادقة عليها في آخر دورة من دورات المجلس القطري للدائرة السياسية  نونبر 2005 – وتعتبر إطارا نظريا يوجه البرامج السنوية للفروع والقطاعات, قطريا ومحليا) فروع جماعة العدل والإحسان إلى الاجتهاد في تنظيم أيام تعريفية بالجماعة تكون على شكل أبواب مفتوحة يتم من خلالها تعريف الناس بتاريخ الجماعة وبالمسار الدعوي والتجربة التربوية والرصيد الفكري لمرشدها وكذا أهداف ومنجزات مؤسساتها التخصصية, كما يتم خلالها تلقي أسئلة الناس والاستماع بشكل مفتوح لآرائهم وانطباعاتهم وملاحظاتهم حول عمل الجماعة في كافة أبعاده ومجالاته. ومن الدواعي الأساسية التي دفعت بمؤسسة الدائرة السياسية إلى التفكير في تنظيم نشاط من هذا القبيل الرغبة في الدفع والارتقاء بمستوى مبادرات الجماعة التواصلية, شكلا ومضمونا, كما وكيفا, ثم السعي إلى رد غائلة هذه السياسات المخزنية الجائرة التي تمعن في ممارسة التعتيم والحصار وتسخير أقلام ومنابر لا تتردد في كيل الافتراءات المغرضة على فكر الجماعة ومواقفها ومنهاج دعوتها, علاوة على ذلك, إرسال رسالة لمن يهمه الأمر مفادها أن الجماعة لن تستسلم للتضييق الأمني الذي يسعى إلى عزلها وتحجيم تفاعلها مع محيطها الاجتماعي والسياسي, وأخرى جد مهمة, وهي أن أعضاء الجماعة مطالبون بالقيام بواجبهم في تبليغ الناس بمعالم وهوية المشروع المجتمعي الذي تقترحه الجماعة على الفرد والأمة, وبالغايات التي تؤطر هذا المشروع والوسائل التي يتم اعتمادها لبلوغ تلك الغايات, أليس من حق الناس علينا أن نفصح لهم عن العناوين البارزة لمنهاجنا في التربية والدعوة والتغيير؟ أليس من حق الناس علينا أن نوضح لهم الأسباب الحقيقية التي تجعل الحكام في المغرب يضربون حصارا لا هوادة فيه على دعوة العدل والإحسان؟ أليس من حق الناس أن يتعرفوا على المسيرة الدعوية للعدل والاحسان وإنجازاتها المباركة والأوراش التي تفتحها وتشتغل عليها و عمل مؤسساتها وحجم حضورها وامتدادها الدعوي؟

وحتى يكون هذا العمل على هدى من الله عز وجل, وفي تناغم تام مع الروح التي تسري في دعوة العدل والإحسان, روح الحرص على رضى الله عز وجل أولا وأخيرا, كانت شعارات هذا النشاط مستوحاة من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم, لذلك كان الزائر للفضاءات المحتضنة أو أثناء العروض والندوات, في كل المدن والمناطق, يسمع ويرى قول الله عز وجل من سورة الحجرات ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ” الآية 13 . أو قول الله تبارك وتعالى من سورة يوسف ” قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين” الآية 108 أو قوله عز من قائل في سورة القصص ” ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون, الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يومنون” الآية 51-52, كما يصادف حديث رسول الله صلى الله عليهو سلم الذي يقول فيه محدثا عن ربه عز وجل ” حقت محبتي للمتحابين في, وحقت محبتي للمتزاورين في, وحقت محبتي للمتباذلين في, وحقت محبتي للمتواصلين في.” رواه الإمام أحمد في مسنده في باب سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه.

واستباقا لكل تلك التأويلات السياسوية التي تصدر عن جهات ابتلاها الله بالكسل الفكري ولا تكلف نفسها عناء التدقيق في الأسس التي تنبني عليها مواقفنا السياسية والحيثيات التي تحكم خطنا السياسي, تضمنت الدعوات التي تم توزيعها لحضور هذا النشاط كلمة منيرة للاستاذ المرشد من كتاب العدل الصفحة 586 يقول فيها ” ما نحن بحمد الله قناصة ولا غدارون, وما قيادة الشارع واعتلاء الكراسي مطمحنا النهائي, مطمحنا إمامة أمة, إحياء أمة, توحيد أمة, تبليغ رسالة للإنسان, والله غالب على أمره”

واتخذت عملية التواصل أثناء هذه الأيام شكلين. الأول يبادر من خلاله أعضاء الجماعة إلى تنظيم زيارات مفتوحة شملت الأحياء والمؤسسات التعليمية والجامعية وبعض المقاولات الصغرى والمتوسطة ومقرات الأحزاب والنقابات والجمعيات المهنية أو المدنية, وبعد مراعاة آداب الاستئذان, يتم التعريف بجماعة العدل والإحسان, وبسط المعالم الكبرى لمنهاجها والإحاطة ببعض مواقفها والإحالة على كتبها ومطبوعاتها ومواقعها الإلكترونية. الشكل الثاني, وهو الذي اجتهدت من خلاله فروع الجماعة -وعلى قدر المستطاع- في تهيئ محاضن وفضاءات استقبلت فيها الراغبين من الناس في التعرف على الجماعة. وتضمنت هذه الفضاءات أروقة تعرف بتاريخ الجماعة وحياة مرشدها وطريقة اشتغال مختلف مؤسساتها وهيكلتها…, يواكب كل رواق فريق للتواصل يشرح للناس مضامين المواد المعروضة ويستقبل استفسارات الناس واستيضاحاتهم. وبالموازاة مع هذه الأروقة, يتم تنظيم ندوات وعروض تعريفية بمواقف الجماعة ونظرتها لعملية التغيير وتقييمها للواقع المعيش ومواقفها من مختلف القضايا الوطنية والإسلامية والدولية.

وقد كانت الفضاءات التي احتضنت هذه الأيام التعريفية مفتوحة أمام كل فئات المجتمع المغربي, صغيرهم وكبيرهم, ذكرهم وأنثاهم, سواء كانوا أفرادا أو فاعلين مجتمعيين, كما لم يتردد المشرفون على تنظيم هذا النشاط في مختلف الفروع في توجيه الدعوة واستقبال حتى من يعبر عن اختلافه الواضح مع فكر الجماعة ومواقفها. وما زالت سجلات الارتسامات شاهدة على ما صرح به الزائرون من انطباعات عبروا من خلالها عن تعرفهم على الخصوصيات التي تميز المشروع المجتمعي الذي تقترحه العدل والإحسان, مشروع متكامل ينطلق من الإسلام لكن لا يحكمه فهم معطوب للدين, كما وقفوا عند حجم المبادرات والأعمال التي تقوم بها مؤسسات الجماعة في مختلف المجالات, وأهم من ذلك كله أنهم اكتشفوا خطابا يزايل ما اعتادوا سماعه, خطاب يميزه الوضوح والمسؤولية في تحديد الغايات والأهداف, يهتم بالحيثيات التفصيلية لمشاكل المغرب والمغاربة لكنه لا يروج للغة تفتل في حبل السياسة السياسوية ولا يحترف تسويق المطالب الشعبوية أو العمل على تأجيج الحماس الرخيص, يعترف للمغاربة بكدحهم ومعاناتهم مع الفقر والعطالة والأمية وما يمارس عليهم من ظلم واستبداد, لكنه لا يخلي دائرة مسؤوليتهم بل يطالبهم بمجافاة الذهنية المطلبية الانتظارية, ويقترح عليهم أن يكونوا أصحاب فعل, ولا يتردد في تبصير الناس بأن عملية التغيير المنشودة لن تتحقق إلا بتربية تسمو بهمة الإنسان وذمته وترتقي به إلى حيث رجولة الإيمان والأخلاق وصلاح القلب وطلب ما عند الله عز وجل.

كلمة مختزلة حول التداعيات الأمنية لهذا النشاط :

لعل التميز الذي لامسه الناس عند العدل والإحسان هو الذي ساهم  بعد تأييد الله وتوفيقه ابتداء وانتهاء  في الرفع من حجم الإقبال على هذه الأيام المفتوحة ونجاح عملية التواصل. وقد حرصت الجماعة على القيام بالتغطية الإعلامية لهذا النشاط في مختلف المدن والمناطق, حرص يمليه الوضوح والمسؤولية, لكن بعد أن تناهت أصداء النجاح الكبير لهذه المبادرة التواصلية إلى أسماع المخزن وفاجأته الأعداد الكبيرة التي زارت جماعة العدل والإحسان في مقراتها وبيوت أعضائها,وبعد أن اجتهدت بعض المنابر الإعلامية -المتميزة “بقوتها الافترائية”- في الدس والاستعداء والتأليب, كان المخزن أمام خيارين . إما أن يكون منطقيا مع نفسه ويتعامل مع ما عرفه هذا النشاط من نجاح بالواقعية التي يعتمدها في تعامله مع باقي أنشطة الجماعة, وإما أن يفتح من جديد ملف المنع ويشهر سيف الحظر ويدخل مرة أخرى في مواجهات مفتوحة مع الجماعة تدرك أجهزته الأمنية فبل أية جهة أخرى أنه لن يخرج منها بطائل, وأنها تفتقد إلى الشرعية القانونية والسياسية ويتحكم فيها منطق التعليمات, وتفضح الشعارات التي يستر بها عوراته وتلوكها آلته الدعائية على مسامعنا صباح مساء.

وقد كان  وما يزال- المخزن في “حصلته” هاته مع جماعة العدل والإحسان كمن قال الله عزوجل فيه ” وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم, يتوارى من القوم من سوء ما بشر به, أيمسكه على هون أم يدسه في التراب, ألا ساء ما يحكمون” النحل الآية 58.

ومما يؤكد هذه “الوحلة” حالة الحيرة والاضطراب والتيه التي انتابت وتنتاب ردود فعله وتجعله لا يلقي بالا لخطورة وفداحة ما يقدم عليه من انتهاكات, ويكفينا هذا الابتكار الجديد الذي بموجبه يفسح المجال لجلاوزة المخزن كي يقوموا بطرد المواطنين وتشريدهم من بيوتهم وتشميعها دون حسيب أو رقيب, وتكفينا الإضافة القانونية النوعية التي تضمنها التصريح المتهافت لوزير الداخلية, تصريح يعطي فكرة عن الطريقة التي يمارس بها الحكم في هذا البلد والأهلية العلمية والسياسية للحكام.

وبعد, إن الذي يعتقد أن الاعتقال والحصار وأساليب التضييق والمنع والحظر ستؤثر على دعوة العدل والإحسان, إنما يظن ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع. فشمس العدل والإحسان طالعة مشرقة بإذن ربها وجميل توفيقه وأنى لغربال المخزن أن يحجبها. وبربها قامت الأشياء. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم