تقديم:   هذا المقال يحاول أن يلقي الضوء على موضوع قانونية جماعة العدل والإحسان من خلال نصوص القانون وأحكام القضاء ومسار الجماعة وسلوك السلطة تجاه كل ذلك.

   لا يختلف اثنان في كون جماعة العدل والإحسان، أصبحت اليوم التنظيم السياسي الأكثر تأثيرا في القرار السياسي المغربي، ولا يجادل أحد من أنها الجماعة الإسلامية الأكثر شعبية في المغرب، ومع ذلك قد يثار النقاش والاستفسار حول مدى قانونية هذه الجماعة ومدى احترامها للقانون، خصوصا وأن بعضا من وسائل الإعلام، وبعض المحسوبين على السياسة، لا يتورعون في نعتها بالتنظيم الخارج عن القانون، أو بأنها الجماعة الإسلامية المحظورة، أو الجمعية المستجمعة لأسباب البطلان.

   ولعل من حق كل سامع، قبل قارئ، خصوصا أمام تسارع أحداث القمع الممنهج على الجماعة، تضييقا على اجتماعاتها، وإرهابا للمتعاطفين معها، وتعبئة للرأي العام من كونها تعمل  أو قد تعمل  خارج إطار القانون، تأتي ضرورة الحديث باقتضاب حول طبيعة جماعة العدل والإحسان، ووضعيتها اتجاه القانون، ورأي القضاء في طبيعة ممارستها وهياكلها، خصوصا وأن القضاء المغربي لم يسبق لقاعات محاكماته أن استأثرت بنقاش الوضعية القانونية والتنظيم الهيكلي والمؤسساتي لأي تنظيم سياسي بالمغرب لأكثر من محاكمة واحدة بخلاف ما هو عليه الحال بالنسبة لجماعة العدل والإحسان التي كان الاجتهاد القضائي الآلية الأكثر اكتشافا لطبيعة مؤسساتها ومدى ملاءمتها للقوانين.

1. الطبيعة القانونية لجماعة العدل والإحسان   الجماعة موضوع الحديث، هي الجمعية التي اختارت لنفسها اسما هو “جمعية الجماعة الخيرية ” والتي حرصت منذ بدايتها على الاصطباغ بخاصيتي التنظيم والتحديث، وهو الأمر الواضح في طيات قانونها الأساسي، الذي ركز على ثلاث خصائص هي:

   1) تنظيم سياسي:

   بحيث ينص الفصل الثاني من القانون الأساسي على أنها: “جمعية ذات صبغة سياسية، وتباشر علاوة على ذلك كل الأنشطة الثقافية والاجتماعية والتربوية التي لا تتنافى مع هدفها الرئيسي”.

   2) هيئة مستقلة:

   وهو ما تضمنته شروحات الهدف السياسي في الفقرة الأولى من الفصل الثاني بإعلان الجمعية صراحة “استقلالها وعدم انتمائها لأي هيئة سياسية حزبا كانت أو منظمة أو جمعية، سواء كانت ظاهرة أو خفية داخل البلاد وخارجها، وترجع كل اتفاق ظاهري بينها وبين تلك الهيئات إلى محض الصدفة ما لم يصرح بخلافه.” لتزيد إيضاحا أن استقلالها تنظيمي ومالي على السواء.

   3) مؤسسة خاضعة للقانون:

   وهي الميزة التي حرص القانون الأساسي على تركيزها سواء من خلال التنصيص الصريح في ديباجته على أن الجمعية تأسست وفقا لظهير تأسيس الجمعيات بالمغرب، أومن خلال الفصل الثاني الذي أكد على أن الجمعية منظمة وفقا لهذا الظهير وأنها مؤسسة بمقتضاه.

   وهذه الخاصية الثالثة، عملت الجماعة على احترامها طيلة مسارها الدعوي والسياسي، فمنذ بداياتها الأولى حرصت الجماعة على نبذ السرية، واختارت العمل في إطار العلنية من داخل القانون، رغم علاته، ومؤاخذاتها عليه، فاحترمت دائما كل الإجراءات التي ينص عليها القانون الخاص بتأسيس الجمعيات، حتى لا تكون لقمة للسائغين، محترفي الصيد في ماء السرية العكر، بحيث تم تأسيس جمعية “أسرة الجماعة” التي بعد أن تم التصريح بها خلال شتنبر 1982 قوبلت بالتضييق والمنع من الممارسة وشل حركتها، قبل أن يتم تأسيس جمعية الجماعة الخيرية، وممارسة العمل من خلالها منذ سنة 1983، وهذا ما تؤكده الجماعة في وثائقها “… وبعد محاولات فاشلة لتوحيد العاملين في حقل الدعوة داخل المغرب أعلن في شتنبر 1981 عن “تأسيس أسرة الجماعة”، وسنة بعد بدء العمل، اتجهت الجماعة الفتية للأخذ بالأسباب القانونية، ولكن أساليب المكر الصبيانية كانت دون المستوى الذي تدعيه الوسائل الرسمية في كل مناسبة وبدون مناسبة، فبعد أن قدمنا ملفا قانونيا للجهات المختصة في شتنبر 1982 نطالب بحقوقنا في التجمع والتعبير والتحرك، وبعد أن انصرف الأجل المحدد في القانون وظننا أن جمعيتنا اعترفوا بها طلبوا إلينا رد الاعتراف المؤقت الذي منحونا إيّاه، زاعمين أنهم يريدون إنهاء المشكل وإعطاءنا الترخيص النهائي، ولما تسلموا الوصل رفضوا إتمام الأمر بدعوى أننا نريد اقتحام ميدان السياسة تحت شعار الجمعية…

   … وبعد هذا الرفض ثم تقديم ملف أخر وبدأنا الكرة في (سنة) 1983، فقدمنا ملف جمعية أخرى ونصصنا على أنها جمعية ذات صبغة سياسية تهتم بتوعية المنخرطين خاصة وأفراد الشعب عامة، بحقوقهم السياسية” (الوجيز في التعريف بجماعة العدل والإحسان -مطبوع داخلي-) هذه الأخيرة هي جمعية “الجماعة الخيرية” التي شعارها “العدل والإحسان”.

   فالجماعة حريصة على احترام القانون منذ بدايتها، لكن السلطات المفروض فيها احترام القانون وإشاعة روح التقيّد به، أبانت منذ سنه 1982 عن رغبتها في عدم التعامل مع الجماعة بما ينص عليه القانون، مفضلة سيادة اللاقانون.

   هكذا تكون الجماعة قد بينت منذ بدايتها طبيعتها وبعض خصائصها، وركزت على أنها مؤسسة خاضعة للقانون فما وضعيتها اتجاه هذا الأخير؟

2. الوضعية القانونية لجماعة العدل والإحسان   يحدد الفصل 02 من ظهير تأسيس الجمعيات بالمغرب، نظام التأسيس في كلمة “تصريح” والتي لا تعني “ترخيص”، حسبما ينص عليه الفصل 02 من ظهير 15/11/1958 كما تمم وعدل لاحقا بقوله “يجوز تأسيس جمعيات الأشخاص بكل حرية ودون سابق إذن، بشرط أن تراعى في ذلك مقتضيات الفصل 05″، وبالتالي يكون الفصل الخامس هو المفصل لهذا النظام بعد إجمال سابق الفصل 02، تضاف إليه الشروط المنصوص عليها في الفصل17 من ذات الظهير، و الواجب احترامها من طرف الجمعيات ذات الصبغة السياسية.

   والفصل 05 سالف الذكر يبين طريقة تأسيس جمعية بصفة قانونية، – علما أننا نتحدث عن الفصل بعد تعديل 1973 وقبل تعديل 2002 لكون الجمعية تأسست سنة 1983 – ويحدد شكليات ذلك التأسيس، والوثائق المرفقة بالتصريح التي حددها على سبيل الحصر بقوله:

   “يجب أن تقدم كل جمعية سابق تصريح إلى مقر السلطة الإدارية (القائد أو الباشا) والى وكيل الملك لدى المحكمة بالدائرة القضائية، ويتضمن أيضا هذا التصريح ما يلي:

   – اسم الجمعية وهدفها.

   – الأسماء العائلية والأسماء الشخصية والجنسية والسن وتاريخ ومحل الازدياد والمهنة ومحل السكن للمؤسسين، وبصفة خاصة للأشخاص الذين يمثلون الجمعية تحت أيّ اسم كان بصفة رئيس أو مدير أو متصرف، ويجب أن لا يكون مؤسسو الجمعيات ومسيروها قد صدر عليهم حكم بعقوبة من أجل جريمة أو جنحة شائنة.

   – مقر الجمعية.

   – عدد ومقر ما أحدثته الجمعية من فروع ومؤسسات تابعة لها أو منفصلة عنها تعمل تحت إدارتها أو ترتبط بها بعلائق مستمدة وترمي إلى القيام بعمل مشترك.

   وتضاف إلى التصريح المشار إليه في المقطع الأول من هذا الفصل القوانين الأساسية ولائحة الأعضاء المكلفين بإدارة الجمعية أو تسييرها، ويقدم نظير من هاتين الوثيقتين بمكاتب النيابة العامة وخمسة نظائر لمقر السلطة الإدارية المحلية التي توجه ثلاثة منها إلى رئاسة الوزراء (الكتابة العامة للحكومة).

   ويمضي صاحب الطلب تصريحه وكذا الوثائق المضافة إليه ويشهد بصحتها وتفرض على كل من القوانين الأساسية ولائحة الأعضاء المكلفين بإدارة الجمعية أو تسييرها حقوق التنبر المؤداة بالنسبة للجميع باستثناء نظيرين ……….

   ……….. ويسلم وصل عن كل تصريح أو إيداع.”

   ويضيف الفصل 17 أنه إضافة إلى إجراءات الفصل 05 يجب على الجمعيات ذات الصبغة السياسية علاوة على ذلك، احترام الشروط التالية:

   1. أن تتألف من مواطنين مغاربة فقط، وتكون مفتوحة في وجههم دون ميز.

    2. أن تؤسس وتسير بأموال وطنية الأصل دون سواها.

   3. أن تكون لها قوانين أساسية تخول جميع أعضائها قابلية المشاركة الفعلية في إدارة الجمعية.

   4. إن لا تفتح في وجه العسكريين العاملين، ولا رجال القضاء، ولا الموظفين ذوي السلطة، وأيضا كل الموظفين و الأعوان حاملي السلاح.

   5. أن لا تفتح في وجه الأشخاص المجردين من الحقوق.

   وبالتالي فإن استجماع الجمعيات ذات الصبغة السياسية لصفاتها قانونا، وأهليتها كاملة، يتحدد مباشرة بعد إعلانها علنيا نبذ السرية من خلال الجهر بتأسيسها وذلك عن طريق وضع الملف القانوني لدى السلطة المحلية ولدى النيابة العامة بالكيفية التي نص عليها القانون.

وبمجرد إيداع هذه الوثائق تكون الجمعية قد نفذت الالتزام الواقع عليها فتتسلم وصلا من السلطة المحلية وكذا النيابة العامة يفيدان وجود الجمعية في وضعية قانونية إزاء النظام القانوني المنظم لعمل الجمعيات.

   وللإشارة فان للجمعيات حرية اختيار أيّة طريقة لإيداع وثائق التصريح، ولا يلزم في الوصل الدال على الإيداع، أن يكون له شكل معين، أو اسم مخصوص، وهو ما استقر عليه الاجتهاد القضائي المغربي حماية لحرية تأسيس الجمعيات، ونذكر من ذلك على الخصوص حكم إدارية وجدة عدد 88/96 الصادر بتاريخ 29/05/1996 الذي أفاد بأن:

   “ظهير الحريات لم يشترط لصحة التصريح والإيداع أن يتم تقديمهما في شكل معين للسلطة الإدارية، وذلك حتى لا يقيد حرية الأشخاص في إتباع مختلف الطرق القانونية في الإيداعات والمراسلات ومنها طريقة الإيداع بواسطة البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل، وهي الطريقة التي سلكتها الطاعنة….. وبذلك يكون الإيداع المقدم مرتكز على أساس قانوني…” (حكم غير منشور).

   وانسجاما أيضا مع مبدأ حرية عمل الجمعيات فقد وحد القانون الجهة صاحبة الاختصاص للبت في قانونية الجمعيات وتقدير أعمالها صحة وبطلانا، مسندا هذا الاختصاص لمرفق القضاء، وهو صريح منطوق الفصل 07 “تختص المحكمة الابتدائية بالنظر في طلب التصريح ببطلان الجمعية المنصوص عليه في الفصل الثالث أعلاه.

   كما تختص أيضا في طلب حلّ الجمعية إذا كانت في وضعية مخالفة للقانون وذلك بطلب من كل من يعنيه الأمر أو بمبادرة من النيابة العامة…”

   وبذلك يكون القانون قد عاود الإعمال بالاجتهادات القضائية الداعمة لحرية عمل الجمعيات والمدافعة عن الاختصاص القضائي، والتي من أهمها قرار المجلس الأعلى عدد 255 بتاريخ 14/01/1963 الذي يقرر بكون:

   “حل جمعية ينظمها ظهير 15/11/1958 لا يمكن التصريح به خارج الشروط والشكليات المنصوص عليها في أنظمتها الأساسية إلاّ من طرف السلطة القضائية……

   وليس هناك أيّ نص تشريعي يمنح لوزير… أو أيّة سلطة إدارية أخرى صلاحية الأمر بحل…… جمعية خاضعة لنظام نفس الظهير.

   وعليه يكون وزير…. تعدى على الصلاحيات المحفوظة للمحاكم لماّ أمر بحل جمعية….

   وبالنظر إلى خطورة مثل هذا المساس باختصاص السلطة القضائية، فانه يجب اعتبار القرار المطعون فيه باطلا وكأنه لم يكن”.

   وذلك بعدما كان في الفترة ما بين 1973 و 2002، يعطي استثناءا للحكومة بمقتضى الفقرة الأخيرة من الفصل السابع أعلاه، إمكانية وقف الجمعية أو حلّها، بقوله “وفي الحالتين المنصوص عليهما في المقطعين الأولين أعلاه يمكن كذلك أن يقرر بمرسوم وقف الجمعية لمدة معينة أو حلّها”، مع العلم أن ذات الفصل، لم يحرم القضاء رغم ذلك، من سلطته في مراقبة شرعية المرسوم من عدمه.

   وانضباطا للقانون فقد قامت الجماعة الخيرية في شخص رئيسها بالتصريح بتأسيسها منذ سنة 1983 وذلك على الشكل التالي:

   أ- التصريح لدى السلطة المحلية في شخص عامل مدينة الرباط بتاريخ 13 فبراير 1983 بواسطة البريد المضمون عدد 731 والذي توصلت به السلطة المحلية بتاريخ 15 فبراير 1983، وأرجع الإشعار بالتوصل نهاية شهر مارس 1983.

   ب- التصريح لدى النيابة العامة خلال بداية شهر أبريل 1983 وتسلمت الجمعية إشهادا بذلك مؤرخا في 26/04/1983 تحت عدد 83/48.

   ج- وقد تضمن قانونها الأساسي، كونها جمعية:

      1. مفتوحة في وجه المغاربة على حد سواء، دون أدنى تمييز، سواء كانوا داخل المغرب أو خارجه (الفصول2 ،5 و6).

      2. مستقلة عن أي تنظيم خارجي، استقلالا من حيث التسيير والمال، وأن ماليتها تعتمد بالأساس مساهمات وانخراطات أعضائها (الفصلين 2،11 و12).

      3. تحدد المسؤوليات داخلها، وفق مساطر الانتخاب وإعادة الانتخاب (الفصلين 19 و23).

      4. لا تقبل في عضويتها مواطنا تكون قد صدرت في حقه عقوبة سالبة لحقوق المواطنة (الفصل 06).

      5. أنها تمارس عملها وفق الشروط المقررة لعمل الجمعيات ذات الصبغة السياسية المنصوص عليها في الفصل 16 وما يليه من ظهير تأسيس الجمعيات (الفصل 02).

   وبالتالي تكون جمعية الجماعة الخيرية قد استوفت إجراءات التصريح المنصوص عليها في الفصل 05 من ظهير تأسيس الجمعيات، بحيازتها لمرجوع البريد المضمون، وإشهاد النيابة العامة، معلنة صراحة تمثلها لباقي شروط عمل الجمعيات السياسية، مع تسجيل كون جماعة العدل والإحسان أول جمعية في المغرب تصرح بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل الذي صرح القضاء بقانونيته، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في حكم إدارية وجدة عدد 88/96 المشار إليه سابقا.

   فإذا كانت الجماعة قد انضبطت للقانون، وكان القضاء وحده المؤهل لمراقبة عمليات التصريح، وأهداف الجمعيات، فما وضعيتها اتجاهه وموقفه من نظاميتها؟

3. جماعة العدل والإحسان في نظر العمل القضائي المغربي   جل محاكم الاستئناف في المغرب- من طنجة إلى العيون  سبق ونظرت في وضعية جماعة العدل والإحسان حتى استقرت في نهاية الأمر على قانونية الجماعة بمقتضى قرارات نهائية حائزة قوة الشيء المقضي به.

   فرغم توصلها بالملف القانوني للجماعة، في شخص النيابة العامة بالرباط، حركت النيابة العامة بالقنيطرة المتابعة في حق عدد من أعضاء الجماعة، باعتبارهم ينتمون إلى جماعة غير قانونية، وأمام ثبوت التصريح سالف الذكر أعلاه أجابت محكمة الاستئناف بالقنيطرة سلطة الاتهام بكون الجماعة قانونية بصريح وثائقها المودعة لديها وذلك بمقتضى القرار عدد 1892 المؤرخ في 24/04/1990 الذي جاء فيه:

   “وحيث صرح المتهمون جميعا باستثناء بورحية عمر وعيناس صالح بأنهم أعضاء في الجمعية الخيرية للعدل والإحسان بسيدي يحيى الغرب، وأنهم انخرطوا في هذه الجمعية بكيفية نظامية، وأصبحوا يتعارفون فيما بينهم ويتعاطون لنشاطهم في الدائرة المذكورة.

   وحيث إنه من الثابت من أوراق الملف أن الجمعية المذكورة قد قامت بإيداع نظامها الأساسي بكتابة الضبط لدى المحكمة الابتدائية بالرباط بتاريخ 26/04/1983 حسب الوصل المسلم بنفس التاريخ وذلك طبقا للكيفية المنصوص عليها في الفصل الخامس من ظهير 15/11/1958، الأمر الذي يفيد بأن تلك الجمعية قد أنشئت بكيفية صحيحة وتمارس نشاطها في ظل من المشروعية الواضحة تؤكدها المقتضيات القانونية المشار إليها، ويدعمها نظامها الأساسي الذي ثم الإعلان عنه وإيداعه وفق مسطرة سليمة” ( قرار غير منشور).

   إن القيمة القانونية والعلمية لهذا لقرار، لا تكمن في كونه صرح بقانونية العدل والإحسان، لأن القضاء لا يمكنه إنشاء مراكز قانونية من العدم خارج إطار القانون، و إنما يصرح بقانونية الإجراءات موضوع القضية، ويكيفها التكييف السليم، انضباطا للقانون، بحيث كانت العدل والإحسان قانونية قبل صدور القرار، وذلك بقوة المساطر القانونية التي سلكتها عند تأسيسها.

   فعندما نقول بأن القرار لم ينشئ حقا، فإننا لا ننفي كون قيمته في ما رتبه من نتيجة، ذلك أن السلطة خلال فترة صدور القرار لم تكن مهتمة بالمسألة القانونية، بالقدر الذي كانت تواقة إلى العقوبات الجزائية لإرهاب الجماعة، وقمعها، الشيء الذي تؤكده طبيعة المتابعة في فترة كان الفصل السابع يعطي للسلطة إمكانية حل الجمعية خارج إطار المسطرة القضائية، وبالتالي كان صدور القرار أعلاه في 24 أبريل 1990، حرمان للمخزن من إمكانية اللجوء إلى مسطرة الحل الإداري مدة 12سنة إلى غاية تعديل 23يوليوز2002 وبالتالي أمن للجماعة الحماية التامة من:

      1. مسطرة الحل الإداري، لأن القضاء المختص في مراقبة شرعية هذه المسطرة، يكون قد بت بقانونية الجمعية التي سيراد حلها لعدم قانونيتها.

      2. مسطرة الحل القضائي، لأن القرار أصبح نهائيا، واكتسب قوة الشيء المقضي به والحجية التي تجعل منه حجة أمام المحاكم باختلاف درجاتها، بخصوص قانونية الجماعة.

   ومع ذلك، قد يثار التساؤل باعتبار القضاء قد قضى بقانونية جمعية الجماعة الخيرية أو جمعية الجماعة الخيرية للعدل والإحسان، وليس بقانونية جماعة العدل والإحسان، مع العلم أن هذه النقطة هي الأخرى- وغيرها كثير- كانت موضوع نظر وبت من طرف القضاء.

4. العمل القضائي وقانونية الاسم “جماعة العدل والإحسان”   إن الجمعية المؤسسة بصفة قانونية هي “جمعية الجماعة الخيرية” التي لها، بالموازاة مع قانونها الأساسي، نظامها الخاص الذي يمثل مشروعها العام وهو المنهاج النبوي.

هذا الأخير لخص مشروع الجماعة في شعار “العدل    والإحسان” وبالتالي انتقل تعامل الأغيار مع الجمعية بناء على شعارها الذي يلخص مجموع أهدافها، وجزئيات وسائلها.

   ففي بادئ الأمر عرفت بالجمعية الخيرية للعدل والإحسان، وهو ما عرفها به قرار استئنافية القنيطرة سالف الذكر، – الذي استحضر الشعار وطبيعة التعامل أعلاه- ومع كثرة التداول بدأ يظهر بأن ثمة جمعيتين، الأولى قانونية حسب الثابت من الوثائق، والثانية غير مصرح بها، أو أن الجمعية الأولى لم تصرح بالتغييرات اللاحقة على اسمها، خلافا لما يقتضيه القانون.

   هذا الإشكال كان موضوع متابعة من طرف النيابة العامة وثم الجواب عنه بتفصيل بمقتضى القرار النهائي لاستئنافية أكادير عدد 11484 بتاريخ 31/12/2003 الذي جاء فيه:

   «وحيث إن الحكم الابتدائي قد أسس ما قضى به من إدانة الظنين من أجل ما نسب إليه على كونه عندما صرح كتابة للموقع الإلكتروني برأيه حول القانون الجديد المتعلق بمكافحة الإرهاب ذكر أنه يمثل نائب الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، وليس جمعية الجماعة الخيرية للعدل والإحسان، وكونه لم يقم بالتصريح والإيداع المنصوص عليهما في الفصل الخامس من الظهير المشار إليه لإعلان التغيير المدخل على الاسم الأصلي للجمعية.

   لكن ثبت للمحكمة من خلال مناقشة القضية ودراسة وثائق الملف أن الأمر لا يتعلق بوجود جمعيتين واحدة باسم “جماعة العدل والإحسان” وأخرى باسم “جمعية الجماعة الخيرية للعدل والإحسان” وإنما هناك جماعة واحدة وهي المسجلة بصفة قانونية كما أشير إلى ذلك أعلاه وثم ذلك تحت اسم “جمعية الجماعة الخيرية” إلاّ أنها عرفت باسم شعارها “العدل والإحسان” كما أكد ذلك الظنين أمام المحكمة، وما يزكي ذلك مراسلة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية لمؤسسها عبد السلام ياسين واصفا إياه بالمسؤول عن “جمعية العدل والإحسان” من خلال الرسالة المدرجة بالملف.

   … وبذلك تكون التهمة المنسوبة للظنين غير ثابتة في حقه وإدانته من طرف الحكم الابتدائي غير مبنية على أساس قانوني سليم مما يتعين معه إلغاء الحكم الابتدائي المشار إلى منطوقه أعلاه والتصريح من جديد بعدم مؤاخذة الظنين من أجل ما نسب إليه والقول ببراءته منه.” ( قرار غير منشور).

   وللإشارة فان القرارات اللاحقة لقرار أكادير أصبحت صريحة في الإشارة إلى اسم ” العدل والإحسان” بدل ” الجمعية الخيرية للعدل والإحسان”، ولعل أبرزها قرار استئنافية الرباط عدد 06 بتاريخ 23/01/2004 في الملف الجنائي إرهاب عدد 1105/03/22، الذي جاء فيه:

   “وحيث فيما يخص التهم المتعلقة بممارسة نشاط في جمعية غير مرخص بها وعقد اجتماعات عمومية بدون تصريح مسبق.

   وحيث تبين من وثائق الملف أن هذه التهم غير ثابتة في حقه ولا يوجد بالملف ما يبرر مؤاخذته من أجلها خصوصا وأن جماعة العدل والإحسان التي ينتمي إليها هي جماعة غير محظورة ومرخص بها حسبما أدلي به من وثائق من طرف الدفاع.

   وحيث إن المحكمة اقتنعت ببراءته من أجلها” (قرار غير منشور)

خلاصات   من باب تحصيل الحاصل الآن القول بأن جماعة العدل والإحسان تنظيم غير محظور.

   ومن المسلم به عقلا ومنطقا، أن جماعة العدل والإحسان، جمعية قانونية، ومنضبطة للقانون بما اشترطه من مساطر، وبتأكيد أزيد من 15 تصريحا قضائيا، في شكل أحكام قضائية، أغلبها قرارات نهائية.

   ومن باب الإنصاف القول، بأن كل محاولة لمضايقة هذا التنظيم، بكل أساليب التضييق على اجتماعات أعضائه،… أو الحيلولة دونه والتواصل مع مختلف شرائح الشعب، لبسط مشروعه والتعريف ببرامجه … وكذا كل أشكال الممارسات الإدارية المتعسفة عمدا في مواجهة الجماعة وأعضائها، إنما تدخل في باب المس بحرية تأسيس الجمعيات، وخرق الضوابط والقواعد الحقوقية التي تعطي لكل الأفكار والمشاريع الحق في تعبئة الشعب وتنشئته.

   ومن تحصيل الحاصل كذلك القول بأن السلطة هي التي تخرق القانون في تعاملها مع العدل والإحسان، وهذا منذ الثمانينات، ولا تحترم فصل السلط الذي تدعيه، فهي تمنح القضاء اختصاصات بيد وتسحبها منه باليد الأخرى. أما سبب ذلك فهذا موضوع آخر صار معروفا لدى العام والخاص.