إنه الغرق في لجج السياسة إن أقدمت الدعوة وقد وحدت صفوفها وتصرفت كما يتصرف الحزب الوحيد. تتحمل أثقال ميراث الماضي وحدها، وتزعم لنفسها وللناس أنها تتقمص آمال الشعب وتعكس إرادته وتنطق باسمه من دون الناس جميعا. إنها إن فعلت لن تلبث أن تتحول من فاعل محرِّك إلى مطية للأهواء والطموحات الشخصية عند أولئك الذين ينتظرون من يشق لهم الطريق ليتربعوا على كراسي الدولة. وعندئذ فسلام على الدعوة وأهدافها النبيلة. عندئذ تعود دورة الفساد دورانها، وينفر الشعب من مفسدي اليوم كما نفر من مفسدي الأمس الذين عارضناهم فكانت معارضتنا إياهم هي الرصيد المعنوي الذي رفعنا إلى ثقة الشعب.

الحزب الوحيد إما يجيء إلى الحكم متجملا بنضال تحريري، وإما تفرزه الدولة بعد انقلاب عسكري. مآلُه طال الزمان أم قَصُر، بعد فترة شباب يُونِعُ فيها الحماس وتُنْثَرُ فيها الوعود، إلى أن يصبح آلة بيروقراطية ثقيلة ملتصقة بالدولة، حاملة أوزارها.مآله أن يخنُق حرية الشعب ويُهمِدَ حيويته في محاولته لاحتلال المساحة السياسية بأكملها. مآله أن يثبط كل اعتراض، وأن يمنعه ويسجنه ويقتله، باسم إجماع شعبي هو وحدَه يترجم عنه. وعندئذ تعمل المعارضة في السرية،وتكشف عورات الحزب الدولة بدَل أن تُهديَ إليه عيوبَه.

إن الدعوة تُفْسِدُ رصيدها وشرعيتَها التاريخية إن هي تصدت للحكم جاهلةً بالديناميات الاجتماعية، والتقلبات في الرأي العام، ووجود معارضة للحكم بما أنزل الله. متى جهِلْنا هذا الواقعَ وتصرفنا بالاعتماد على القسر والقهر لا على الإقناع والحوار والمشاركة والتدرج فمآلُنا من حيث كونُنا دعوة ودولة أن نتبخر عند أول هزة أو ثانيها أو ثالثها. وفي انهيار الحزب الوحيد بروسيا وبأوربا الشرقية وفي كل مكان العبرة لمن يعتبر. وذلك خراب عمِلَ فيه مِعولان: عدم صلاحية المذهب الاشتراكي وعدم صلاحية الأسلوب الاحتكاري للسلطة.

كلما ظهر للبادي والحاضر أن نجم الإسلام في بزوغ، وشمسَه في طلوع، احتدم الجدل حول تطبيق الشريعة، واشتغلت الجرائد والمجلات والكتب والمؤتمرات بالحديث والتعليق عن الشريعة والقانون، وعن التراث والمعاصرة، وعن الثابت والمتحرك، وعن الجامد والمتطور. وفي سوق الجدل حول الشريعة وتطبيقها يتقدم خصوم الشريعة وأعداؤها، وهم في أمْنٍ من طائلة “المتشددين” الأغوال، بتحفظاتهم وشكوكهم. هذه الأصوات ما نفعل بها عند وصولنا للحكم؟

كلمتُنا اليومَ وغدا هي أن شريعة الله هي تكليفُه للمسلمين والمسلمات. الإيمان بها كُلاًّ لا يتجزأ شرط في الإسلام.وتطبيقها على المجتمع، بل للمجتمع، واجبُنا متى قدرنا. كلمتنا أن ما ثبت من عند الله ومن سنة رسول الله أمرٌ مقدس وهداية ونور. لا نقبل زيادة في الشريعة ولا نقصا ولا تحفظا ولا استدراكا ولا إضافة.

التردد في قَبولِ شرع الله والدينونةِ لأمره والخضوعِ مطعن خطير في عقيدة المسلم، ومنقَصة مخلة بإيمان المومن. قال الله عز وجل: “فلا وربِّك لا يومنون حتى يحكموك فيما شَجَر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما”.(سورة النساء، الآية 64).

دينُنا الذي ندين الله تعالى به في نجوَانا ونعلنه فيَتَلاَقَى مع شوق هذه الأمة أن ترى لواء الإسلام مرفوعا هو أن تطبيق شرع الله كاملا مطلبٌ لنا لا نحيد عنه. وإلا انفسخنا عن ديننا. وبرنامجنا في الحكم الذي تحرك الشعب له فحملنا إلى الحكم مرجِعهُ ودعامته ووعدُه أن شريعة الله عدل ومصلحة وخير وأمن وعافية.

ما ثبتنا على إيماننا وسرنا بخطى الحكمة في طريق إحقاق الحق وبنائه لبِنَةً لبنة فالباطل من حولنا تفشَل جهودُه ويتلاشى مُرَكّبُه، وتضمَحلُّ جحافله. إن ثبتنا على خطى الحكمة وحركنا الشعب ليعَبِّرَ عنا، بطلاقة حريته، عن ولائنا جميعا لشرع الله وعن ثقتنا بأن في شرع الله ضماناً لمصالحنا جميعها، فإن أهل الباطل لن تغني عنهم فئتهم شيئا ولو كثرت. وإن الله مع المومنين.

ليس من شأننا، قبل وصولنا للحكم وبعده،أن نُنَقّب عما في القلوب، ولا أن نصنف الناس في حزب الشيطان إن خالفونا، ما داموا لا يجهرون بعدائهم للدين، ولا يسخرون من شرع الله، ولا يتطاولون إلى المشاركة في حملة الكافرين على الإسلام وشريعته. يقِلُّ عاما بعد عام من يفعل ذلك.ويوم يكون السلطان بأيدينا إن شاء الله فلن تجد من يجرُؤُ على ذلك مهما أضمر ومكر.

لكن من شأننا، قبل وصولنا للحكم وبعده، أن نعلم أن طوائف المثقفين المغربين اللاييكيين المتجادلين في الشريعة وتطبيقها هم في الجملة أهلُ عقل يعادونَ النقل. هم مؤرخون متحيزون لا ينصفون، يَعْزون للإسلام عيوب المسلمين وأخطاء المسلمين وتجاوزات المسلمين. وبمعيار قيمهم العقلانية اللاّييكية يزنون الشريعة، وبمُضْمَر عدائهم للدين أو جهلهم به أو نفاقهم فيه يشيرون بأصابع الاتهام إلى هفوات المسلمين في تطبيقهم السَّيِّئ للشريعة ليُكَرِّهوا للناس الإسلام، منسجمين في ذلك مع الجوقة العالمية العدائية. فكل يد قُطِعت في حد، وكل فاجر جُلِد، وكل حائد عُزِّر في ماضي المسلمين وحاضرهم حجة على أن الشريعة همجية.

لا يتريث اللاييكيون ولا يتورعون ليميزوا في خطابهم وفي جدلهم بين شرع الله المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد وبين اجتهادات المجتهدين وفقه الفقهاء وخطإ البشر في الفهم عن الله ورسوله وفي تنفيذ ما أمر الله به ورسولُه.

هؤلاء المعارضون لنا، المرحَّبُ بهم ليُهدوا إلينا عيوبنا مشكورين، يعتقدون أن المصلحة إنما يضمنها العقل المتصرف على ضوء المكتسبات الإنسانية المتطورة في ميادين القانون والاجتماع والاقتصاد والسياسة. ويعتقدون أن نصوصا عُمْرُها أربعةَ عشر قرنا لا يمكن أن تستجيب لمستجدات هذا العصر ومشاكله التي ما عرفتها الجزيرة العربية منذ أربعة عشر قرنا.أستغفر الله العظيم من نسبة عُمْر زمني لكلام الله العليم الحكيم.

الكيِّسون من هؤلاء، وربما المسلمون منهم المتقلصون في فهم دينهم، يؤيدون عقائدهم بأن الإسلام يدعو لاستعمال العقل. ويسردون الآيات المرشدة إلى التأمل في ملكوت السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وما خلق الله من شيء.

حين نقول نحن: الشريعة هي المصلحة وفي حدودها يجتهد العقل، يقولون هم سرا أو جهرا: العقل قبل كل شريعة، ولا مصلحة إلا ما يُسيِّرُ ه المجتمع ويقرره المجتمع. بل منهم من غرس جنَّاتِه خارج سياج الشريعة، فليس يرجو ثمارا إلا من شجرة الزقوم العقلانية.

أستعمل كلمة “العقل” موقتا بمدلول “العقل المعاشي” المشترك عندي، أمَّا هم فالعقل مُطلق عندهم، منه وإليه يبتدئ وينتهي كل شيء، لا خبرَ عندهم بالعقل الذي مجَّده الله تعالى في القرآن، وهو فعلُ القلب المومن بالله وبالآخرة وبالنبوّة وبالشريعة.

سنجد من اللاييكيين، وقد يكون منهم مسلمون ينطقون عن اقتناع، من يُشيد بالإسلام، ويتمدّح بأخلاق الإسلام، وروحانية الإسلام، وصفاء عقيدة التوحيد. كل ذلك ليخلُصَ إلى ضرورة تقديس الدين ورفْعه في منارات الأذان ومساجد الصلاة وتلاوة المصحف مخافةَ أن ندنِّسَهُ بالسياسة، أو نسيء إليه بإقحامه في مشاكل العالم. إنها اللاييكية مسيطرةً على الألباب. فصل الدين عن الدنيا باب من أبواب العقلانية، بل شرط من شروطها.

هل نُسقط من حسابنا، معشرَ الإخوان،هذا الفكر المنحرف عن الشريعة، الرافضَ في قرارة نفسه لتطبيقها؟ هل نمنع في غد الإسلام التعبير عنه؟ هل نكتم أنفاس المعارضة لمشروعنا المنكرة لمبادئه ؟ هل نتجاهل الموقف المتكتل الملتف حول برنامجه؟

إن التشريع لدولة قائمة ومجتمع حي بمشاكله المتجددة خيارٌ بين بدائل متعددة أيها يحقق مصلحة الشعب.وإن تعزيز سلطان الدولة للتشريع، ووقوفها بجانبه لا يعطي التشريع فضيلة إن كان مَبناهُ غير فاضل، ولا يعطيه جدوَى إن كان أصلُه غير ثابت في قلوب الشعب، ولا يحقق به عدلا إن كان صدرُه نابعا عن الظلم. وإن الشركَ والد اللاييكية الهاجمة على الإسلام لظلم عظيم.

لذلك لا نخاف اليوم وغدا بحول الله مقارنة الآراء فيما بيننا وبين اللاييكيين أنصار العقل المعاشي ضامن المصلحة في اعتقادهم، كما يجب أن لا نخاف تعدد الاجتهاد فيما بين الفصائل الإسلامية وعلماء المسلمين بشروط الاجتهاد المعتبرة. وللشعب أن يختار وهو حر بين البدائل. والله على كل شيء وكيل.