بقلم: الأستاذ عبد الكريم العلمي

   دأبت جماعة العدل والإحسان منذ تأسيسها على عقد لقاءاتها ومجالسها ورباطاتها وفق ما هو مسطر في منهاجها المنشور وبرامجها المعلنة. وتتنوع هذه المجالس حسب المستفيدين المعنيين وحسب الأهداف المتوخاة. فمن مجالس للتعلم والتفقه في دين الله حفظا وتفسيرا، سيرة وحديثا، فقها وأصولا، نحوا وصرفا، إلى مجالس للتكوين والتدريب في مختلف ميادين تدبير الذات استفادة من التجربة الإنسانية الواسعة في هذا المجال، إلى مجالس تنظيمية وأخرى تخصصية…

   ويعتبر مجلس النصيحة واسطة عقد هذه المجالس، يجتمع فيه المؤمنون على الله ويتجالسون في الله ويتحابون في الله كما ندبنا إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في والمتبادلين في” رواه الإمام مالك رحمه الله بسند صحيح.

   وتذوب في مجالس النصيحة  بفضل الله كل الفوارق العمرية والتنظيمية والاجتماعية. تهفو إليه قلوب الشباب والشيوخ، ويجلس فيه الأعضاء مع إخوانهم المسؤولين، نقباء وأعضاء في مجلس الإرشاد ومسؤولين في الدائرة السياسية، وفيه يجتمع التلميذ والطالب، والعامل والتاجر، والمعطل والإطار، والمهندس والطبيب، والأكاديمي والتقني، والفقير والغني…

   طِلبة الجميع الله، وبغيتهم تزكية أنفس وإعداد قلوب للقاء الله، ورفع عيون أفئدة إلى مقعد الصدق عند مليك مقتدر في الدار الأخرى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

   ومنذ تأسيس مجالس النصيحة منذ أزيد من عشر سنوات وهي تعرف إقبالا مضطردا وتكاثرا متناميا في المحاضن والواردين لما يلقى فيها الكل من طمأنينة وسكينة ورحمة هي وعد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن صدّق قولا ونية وفعلا: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تبارك وتعالى يتلون كتاب الله عز وجل ويتدارسونه بينهم (في رواية لرزين رحمه الله: ويذكرون الله) إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده.” رواه أبو داود رحمه الله بسند صحيح.

   وهذه الفضائل التي وعد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمعين على ذكر الله وتلاوة كتاب الله وتدارسه ليست معاني مجردة في الهواء الطلق، بل يشعر بها ويلمسها ويراها المؤمنون المخبتون المفتقرون المتبئسون لمولاهم الحق في مجالس الصحبة والذكر والصدق.

   وعنوان هذا المجلس مأخوذ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الإمام مسلم رحمه الله عن تميم الداري رضي الله عنه: “الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.” كما أن أهداف مجلس النصيحة وبرنامجه مستوحى من هذا الحديث وما في بابه.

   فالنصح لله إخلاص له سبحانه وتعلق به واستغراق في ذكره واجتهاد في التقرب إليه بأعمال الجوارح والقلوب تصافيا فيه، وتحابا فيه، وتواصلا فيه.

   والنصح لكتاب الله تعلم وتعليم، وتلاوة ومدارسة، وائتمار بما أمر وانتهاء عما نهى.

   والنصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم اتباع ومحبة وتعلق بقلبه الأسمى وجنابه الأحمى، بموالاة أحبابه اللائذين به، وبكثرة الصلاة عليه ونصرة سنته وأمته.

   والنصح لأئمة المسلمين الهادين بأمر الله “لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون” يكون بصحبتهم ومحبتهم ومخاللتهم وطاعتهم بكل ما في النصح من معان شرعية ولغوية تخليصا وجمالا وجمعا وصفاء.

   والنصح لعامة المسلمين يتم بالاهتمام والتهمم، وبحب الخير والدعاء والدعوة برفق وحلم يحبهما الله ورسوله.

   على هذه الكليات يجتمع المؤمنون في مجالس النصيحة غايتهم أن يمن الوهاب الكريم على كل واحد منهم بانجماع قلبه على مولاه المعطي بلا حساب لمن سعى وتضرع وأناب.

   ووسيلتهم وبرنامجهم تلاوة لكتاب الله وذكر لله وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مدارسة آيات من الذكر الحكيم، وقراءة ومذاكرة في المعاني الحسان من كتاب الإحسان للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين. ثم محاسبة المؤمن نفسه واستغفاره ربه ونوم على أفضل العزائم استعدادا للوقوف بين يدي الرب الكريم الذي أخبرنا رسوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه أنه ينزل سبحانه إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: “من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له”.

   يقوم المؤمنون في الثلث الأخير من الليل يصلون ويدعون برا رحيما، ويستغفرون ويسألون لأنفسهم وأمتهم فتحا ونصرا وتمكينا في الدنيا، وقربا وزلفى في الأخرى.

   فإذا صلوا الصبح جلسوا للاستنان بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان مما يكثر أن يقول لأصحابه رضوان الله عليهم: “هل رأى أحد منكم رؤيا؟” الحديث. أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في كتاب التعبير باب “تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح”.

   ويخصص المؤمنون بعد ذلك سويعة للتفقه في الدين أحكاما وأدلة في مختلف أبواب الفقه وفق برنامج محدد، ثم يجلسون لذكر الله والتسبيح قبل الدعاء والختم.

   ولمجالس النصيحة مجالس تتفرع عنها، بل تغذيها وتزكيها، من أهمها مجالس حفظ القرآن ومجالس الحديث النبوي الشريف.

   يعقد المؤمنون في مختلف مناطقهم مجالس لحفظ كتاب الله وتعلم أحكام القراءة وقواعد التجويد. وهي مجالس أعطت بحمد الله أكلها في تخريج أفواج من حملة القرآن أهل الله وخاصته.

   ويخصص المؤمنون مجالس أسبوعية لقراءة شمائل وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من واحد من الصحاح أو السنن أو المساند الشريفة. وتم بفضل الله ختم صحيح البخاري وغيره في بعض هذه المجالس التي يسعى إليها المحبون والقلوب والعقول تترنم بقول الحادي:

   أهل الحديث هم أهل النبي وإن *** لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا

   أكرم بها من مجالس يجثو فيها المؤمنون عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشفون من رحيق رشفت منه أرواح وقلوب رجالات هذه الأمة ونسائها على امتداد أجيال النور والإيمان. يقول الإمام الشوكاني رحمه الله: “وجعل الله سبحانه كتابه (كتاب البخاري رحمه الله) هذا أرفع مجاميع كتب السنة المطهرة وأعلاها وأكرمها عند جميع الطوائف الإسلامية، وأجلها عند كل أهل الملة. وصاروا في جميع الديار إذا دهمهم عدو أو أصيبوا بجدب يفزعون إلى قراءته في المساجد والتوسل إلى الله بالعكوف على قراءته لما جربوه قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر من حصول النصر والظفر على الأعداء بالتوسل به، واستجلاب غيث السماء، واستدفاع كل الشرور بذلك، وصار هذا لديهم من أعظم الوسائل إلى الله سبحانه. وهذه مزية عظيمة ومنقبة كبيرة” (قطر الولي على حديث الولي ص 519).

   إن الغافلين عن ذكر الله والآخرة يحسبون كل صيحة عليهم، فيقطعون ما أمر الله بوصله، ويحاربون ما أمر الله بحبه، فلا يتوانون عن السعي بكل ما أوتوا من خوف وهلع أن يخربوا بيوتهم بأيديهم، وأي تخريب أشد من التعرض للمقت والخسران من قبل المنتقم الديان الذي توعد  ووعيده آت لا ريب فيه “الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض. أولئك هم الخاسرون”.