عرفت كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال خلال هذه السنة الجامعية أحداثا كان بطلها وبامتياز نائب العميد الذي “أبلى بلاء حسنا” فاستحق أن يترقى إداريا ليصبح عميدا بعد طول تطلع، وبهذا تكرس وزارة التعليم العالي والبحث العلمي -قياس لخيركما يقول المغاربة- أسلوبا جديدا للترقي الإداري لا اعتبار فيه للأهلية العلمية انسجاما  ربما- مع الخيارالذي يؤطر تدبير الشأن العام في البلاد: المقاربة الأمنية. فما الذي حدث في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال لتسرق الأضواء من بقية الجامعات والكليات المغربية؟

   بدأ مسلسل الأحداث بالأنشطة التي أطرتها تعاضدية اتحاد طلبة المغرب احتجاجا وتنديدا بالرسومات المسيئة للرسول الأعظم صلوات ربنا وسلامه عليه والتي عرفت مشاركة واسعة للطلبة الذين هبوا لنصرة نبيهم، شأنهم في ذلك شأن جميع المسلمين في كل الأصقاع؛ الأمر الذي اغتاظ له السيد عميد الكلية بالنيابة، ورأى فيه التفاف الطلبة حول إطارهم النقابي العتيد “أوطم”، فقطع على نفسه عهدا أن يستأصل أي عمل نقابي جاد بكليته، وأسرها في نفسه، حتى إذا هدأت نفوس المسلمين في العالم أعلن السيد العميد بالنيابة الحرب على أعضاء التعاضدية، ليدشن بذلك جولة جديدة من حربه “لتطهير” كليته من أي عمل نقابي مستغلا كل مناسبة، وإن لم تسعفه الظروف افتعلها، وكانت الحصيلة الأولية طرد طالب نهائيا وتوقيف بقية أعضاء التعاضدية بأسلوب هجين مخجل، إذ بلغت “الجرأة” بالسيد العميد بالنيابة أن يحرر قرارات التوقيف ويوقعها ويتجول محاطا بأعوانه في ساحة الكلية يبحث عن ضحاياه وبعد السؤال عن الاسم والرقم وإثباتهما في القرار المعد سلفا يخبر الطالب أنه موقوف، ليمنع في اليوم الموالي من ولوج كلية العميد بالنيابة من طرف أعوانه الذين يسلمونه قرار توقيفه.

   وبعد استنفاذ أشكال الاحتجاج والنضال: اعتصامات وإضرابات عن الطعام ومراسلة الجهات المعنية، توجه الطلبة ضحايا تعسف عميدهم بالنيابة إلى المحكمة الإدارية بالدار البيضاء التي أصدرت حكما في نازلة واحدة تهم طلبة تعاضديات جامعة بوشعيب الدكالي بالجديدة وعين الشق بالبيضاء إضافة إلى طلبة كلية الآداب ببني ملال. صدر حكم المحكمة بتوقيف قرارات الطرد والتوقيف وتمكين الطلبة المتعسف عليهم من اجتياز الامتحانات التي كانت على الأبواب. وفي الوقت الذي تمكن فيه الطلبة في كل من الجديدة والبيضاء-عين الشق من استئناف دراستهم وبالتالي اجتياز الامتحانات أبى السيد نائب العميد ببني ملال -الذي أصبح عميدا أخيرا- إلا أن يرفض قرار المحكمة وينصب نفسه فوق القانون ليؤكد نواياه الاستئصالية ويفصح عن توجهه في تسيير الكلية، وإلا لماذا عمل بحكم المحكمة في موقعي الجديدة والبيضاء، ولم يعمل به في بني ملال؟ أليست القضية واحدة؟ أليست الوزارة واحدة؟ لكن الأكيد هو أن العمداء ليسوا واحدا، فلكل أجندته ومطامحه، ربما ليس لبقية العمداء ابن هو طالب باحث في كلية أبيه، يبحث عن دكتوراة وبعدها عن منصب شغل، وكما يقول المغاربة: “لخوه في الجماعة ما يخاف” فما بالك إذا كان أبوه عميدا؟

   هكذا إذن يحرم مجموعة من الطلبة وهم في مقتبل العمر من اجتياز الامتحانات بكلية السيد العميد الجديد ببني ملال، وتضيع من أعمارهم سنة، ولما توجهوا لإدارة الكلية لسحب محنتهم  عفوا- منحتهم والاستفسار عن عدم تطبيق قرار المحكمة الذي  ربما- فاجأ السيد العميد وأفسد عليه نشوة تنصيبه عميدا ،قرر نقل المواجهة من رحاب الجامعة إلى قاعات المحكمة الابتدائية ببني ملال بدعوى أن فصيل طلبة العدل والإحسان اقتحموا عليه خلوته في إدارته وعنفوه واعتدوا على أعوانه، في محاولة خسيسة لاستغلال ظرف سياسي خاص لإخفاء إخفاقاته في التسيير؛ وعوض أن يتدخل السيد معالي الوزير تدخلت نقابته لتنظيم وقفة احتجاجية فتحت الكلية لها الأبواب لكل من هب ودب ومن لا علاقة لهم بالتعليم العالي، فبحت حناجر، وانتفخت أوراد، وحررت بيانات تطالب الرأي العام المحلي بإنقاذ الكلية، ممن؟ من تعسف إداري وسوء تسيير العميد القديم/الجديد أم من انتهازية نقابية تفتعل المعارك وتـوهم نفسها بالتغلغل في القطاعات الحيوية؟

   الحصيلة السنوية التي ميزت كلية الآداب ببني ملال هي ترقي نائب العميد إلى رتبة عميد ومتابعة أربعة طلبة من التعاضدية في حالة اعتقال وسبعة طلبة وطالبات في حالة سراح ضيع عليهم السيد العميد سنة دراسية، ولما حرمهم من المنحة أشفق لحالهم وحال أسرهم قدمهم للمحاكمة بتهم وشواهد طبية ملفقة ترشحهم لقضاء العطلة الصيفية في ضيافة إدارة السجون،والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

   السؤال المؤرق: إلى متى يغض الطرف عن مثل هذه الأساليب في التسيير التي يتعسف بها على العباد ويؤزم الأوضاع في البلاد وتزيد احتقانها احتقانا؟ هل هذا هو انفتاح الجامعة المغربية عن محيطها لتنخرط في التنمية؟

   إن توتر الأوضاع في أية مؤسسة مؤسسة دليل على فشل أسلوب التسيير والتدبير، وإلا من هم هؤلاء الذين بقضية وهمية حكم على مدينة بني ملال كل يوم جلسة من محاكمتهم بحالة من الاستنفار القصوى، محاكمة تنذر مؤشراتها بأنها ستكون أشد حرارة من صيف بني ملال، في الوقت الذي كان يمكن طي صفحات الملف بترقية العميد واستئناف الطلبة المتعسف دراستهم تطبيقا لقرار المحكمة كما حدث في موقعي الجديدة والبيضاء-عين الشق، ولكن من يدري، لعل الله تعالى يحدث بهذا الأمر أمرا “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون” صدق الله العظيم.