كيلا يتكون “ملأ” مستكبر، كيلا تتكون طبقة سياسية فوق الناس منفصلة مقطوعة، جاءنا من الله العلي القدير الأمرُ في سورة آل عمران والأُسوةُ والمثال في قوله تعالى: “فَبِما رحمةٍ من الله لِنْتَ لهم. ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر. فإذا عزمت فتوكل على الله. إن الله يحب المتوكلين” (سورة آل عمران، الآية 159). ورد ضمـير “هم” أربع مرات هنا في آية واحدة، وست مرات في آيات سورة الشورى. فمن “هم” هؤلاء؟ من يُستشار في أمر المسلمين؟ من “هم” الذين عرفهم القرآن بنعوتهم وجرد منهم الفقهاءُ بعد زمان مفهوما غامضا يُسْحَبُ على كل مستشارين يسمِّيهم الفقيه الرسمي “أهل الحل والعقد”؟

روى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما في “وشاورهم في الأمر” قال: نزلت في أبي بكر وعمر. وفي رواية عند غيره قال حَبْرُ الأمة: نزلت في أبي بكر وعمر، وكانا حَوارِيَّيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم ووَزيرَيْه وَأبَوَيْ المسلمين. قال أهل اللغة: الحواريـون: الذين أُخلِصُـوا ونُقُّوا من كل عيب. وكذلك كان الصديقان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، صفَّاهما الامتحان في مدرسة الشدائد المكية، وبَنَيا الإسلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،وكانا بجانبه في المواقف الجهادية الجليلة. برزا من الصَّفِّ باستحقاقهما لاَ بوصولية أو تزلُّف لمن بيده السلطة.بعبارة العصر: كانا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار “المؤسسين التاريخيين” للإسلام. لا جرَم يقول لهما النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه:”لو اجتمعتما في مَشُورَة ما خالفتكما”. رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمان بن غُنم رضي الله عنه.

اختلف الفقهاء هل الأمر في الآية “وشاورهم” للإيجـاب أو التخيـير. وهل تجب الشورى على ولي الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تستحب؟ واختلفوا هل نتيجة الشورى مُلزمة أو مُعلمـة؟ وهل يستشـير في كل أمْرٍ أو في بعضه باختياره؟ هذه مواضيع السـاعة وأسئـلة الإسلاميين المُلِحَّةُ. وعلى اتجاه الجواب عنها يكون الحكم الإسلامي المبني على فقهِ ساداتنا المجتهدين القدماء رحمهم الله واختلافِهم إما استبدادا متلفِّعا باسم الشورى، أو سلطةً مقيدةً مشلولةً.

يتوقف فقه المسألة أولا على طبيعة العلاقات بين المستشير والمستشار. فبين الذين نزل فيهم القرآن ونزل عليهم وبين رسـول الله صلى الله عليه وسلم كانت تسود المحبة والثقة والوفاء.كانوا تجمعهم الصحبة ويجمعهم الإيمان. كانوا يجمعهم سياق “وأمرهم شورى بينهم”. فلم يكن مجالٌ للنـزاع المُغرض بين المستشير والمستشار. ولم يكن مجالٌ للتزلف والكذب.ورغم أن المواقف الجهادية كانت صارمة حاسمة، ورغم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ينـزل عليه الوحي، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يصارحونه بآرائهم بشجاعة ولو اختلفوا مع اتجاهه.

فقد روى الإمام أحمد عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم استشار الناس في أُسارى بدر فقال: “إن الله قد أمكنكم منهم”. فنطق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: “يا رسول الله! اضرب أعناقهم!” فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم عاد فقال: “يأيها الناس! إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس”. فعاد عمر لرأيه في ضرب الأعناق مرة ثانية. فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وكرر مَقالته في أنهم “إخوانكم بالأمس” فعاد عمر لمقالته.حتى أبدى أبو بكر رأيه في الفدية. قال الراوي:”فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان من الغم”.

قبل أن نسأل عن وجوب الشورى في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ننظر إلى العبر والأسوة والتشريع الفِعلي في عمله وعمل أصحابه.كان له صلى الله عليه وسلم رأيُه قبل أن يستشير، عبَّرَ عنه بإعراضه عن اقتراح عمر وبتلقينه مسلك الرحمة في قوله: “إنما هم إخوانكم بالأمس”. وكان للصحابة رضي الله عنهم رأيهم عن اقتناع واجتهاد مستقل، لم يكونوا إمعات حتى مع أعز الناس وأكرم الناس وأقدس الناس.

هكذا تؤَسَّسُ الشورى في دولة الخلافة الثانية مُناطة برجال لهم سابقَتُهم في الدعوة، ولهم اقتـناعُهم، ولهم رأيُهم المستقل. ولهم خاصَّةً العلاقة الحميمة مع الشعب، يحملون همه، ويسعون في مصلحته، يتطابق عندهم هَمُّ الشعب ومصلحته مع هم قضيتهم التي بذلوا فيها جهدهم ومع مصلحتهم. يسيطر هَمُّ آخرتهم على سلوكهم في الدنيا.

والمِعيار العُمَرِيُّ يشير إلى “الحواريين آباء الإسلام” في قوله رضي الله عنه: “المرء وسابقته في الإسلام، والمرءُ وغَناؤه في الإسلام، والمرءُ وحظه من الله”.

ضمانات لسلامة الشورى ترجع أولَ ما ترجع لنوعية المستشير والمستشار، يجمعهم الإيمان، يجمعهم الجهاد، يجمعهم التوكل على الله عز وجل، يجمعهم اجتـناب الإثم والفواحش. يجمعهم سياق “وأمرهم شورى بينهم” مكتملا متكاملةً خصاله.

ولئن نـزل الأمر على المعصوم صلى الله عليه وسلم بالشورى فما ذاك إلا لكونها ركنا من أركان الحكم. أنزلها الله للتطبيق لا للتسلية. فهي واجبة على المسلمين،ومما لا يعنينا أن نُفَرِّعَ الخلاف في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لنعلم هل هي في حقه واجبة أو مستحبة.

وما كان للشورى أن تكون “مُعلمة” يجوز لولي الأمر أن يتبع أو يترك. فالذي جاءت به السنة من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل الخلفاء الراشدين أنهم كانوا يعملون بما قرت عليه آراء الأغلبية.

فالحاكم المسلم مقيد بالشورى، مقيد بالشريعة، مقيد بمسؤوليته الجنائية أمام القضاء، فهو أمامه كآحاد الناس. وينبغي أن يكون إلى جانب هذه القيود كابح دستوري قانوني يضع مسطرةً لمحاكمة ولي الأمر وعزله إن أخل ببَند من بنود البيعة التي تُشَكِّلُ مَعْقِد القوة في نظام الحكم الإسلامي.

فإنه بعد “وشاورهم في الأمر” جاء “فإذا عزمت”. الشورى مرحلة تهييئية للقرار. ينبغي أن يُتفاوَض فيه حتى يحصل الإجماع أو شبهه. بعدها يعزم الأمير، ويأمر، ويُطاع.

البيعة من خصائص الحكم الإسلامي. هي عقدٌ يُلْزِمُ ذمة الأمير والمأمور، ويحدد مسؤولية الجانبين، ويوضح اختصاصات الحاكم وواجبـه، ويَحسم في مسألة أساسية من مسائل الحكم لا تزال الديمقراطية تتناولها بالتجربة والخطإ: هي مسألة القيادة. وللكلمة تاريخها في الديمقراطية،وجدَلٌ قائم حول مفهومها ومعاييرها. الديمقراطية تزداد اقتناعا بضرورة عنصر القوة في النظام الديمقراطي، ينشغل منظروها وممارسوها بالملاءمة بين أفُقية النقاش البرلماني وعمودية القيادة صاحبة القرار. وقد انتهت الديمقراطية الإنجلوسكسونية في أمريكـا إلى إقامة رئيس دولة قوي يجمع بين يديه سُلَط رئاسة الحكومة والقيادة العامة للجيش. وفي إنجلترا مثل ذلك. ونظام فرنسا منذ دوجول أخذ بنظام الرئاسـة القوية. وفي إيطاليا لا تزال الديمقراطية البرلمانية تتخبط منذ بضع وأربعين سنة في عدم الاستقرار، بمعدل حكومة كل بضعة أشهر. ذلك لانتشار الأفُقِيَّـة البرلمانية وانبطاحها كجسم ليس له عمود فِقَري.

المسألة في الإسلام محسومة في قوله تعالى: “فإذا عزمت”.رد القرار النهائي إلى ولي الأمر. عليه أن يستشير ويسيرَ مع الإجماع أو شبهـه، وله أن يرجح باجتهاده إن تعذر الإجماع أو شبهه. المسألة محسومة في البيعة والطاعة بمقتضى قول الله تعالى: “يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” (سورة النساء، الآية 59). نرجع إن شاء الله إلى مسألة من هم أولو الأمر الذين تجب طاعتهم في الفصل الأخير من هذا الباب.

إن مشكل السلطة في الحكم الإسلامي يجب أن يُحَل بكيفية إيجابية. يجب أن يُعطى للبيعة والطاعة مكانُهما الشرعيُّ بين رخاوَة شورى مفتوحة وفوضى مسترسلة منـتشرة وبين استبداد فردي متسلط. ما دام الحاكم مقيدا بالشريعة مقيدا بمسؤوليته الجنائية مقيدا بمسطرة المحاكمة والعزل فالمنـزلق نحو الاستبداد قد وُضعت له الحواجز.وما دام أمر الله عز وجل بالبيعة والطاعة وحيا منـزلا فالضمانة سماوية لكي يكتسب الحاكم عنصر القوة والمضاء الذي بدونه تُشَلُّ الحركة وتعجز الحكومة وتسترخي الأمور. ولكي تتنـزّل على المبايِع والمبايَع الرحمة الخاصة بالمتوكلين على الله أهل “وأمرهم شورى بينهم”.

القضية قضية مسؤولية.فإذا كان الحاكم يعلم أنه مراقَب من كل الجهات، وأنه مسؤول أمام الشرع وأمام مسطرة توقفه عند حده، فإنه يمارس قيادته على بصيرة لا على تهور. يعلم أنه مستبدَل به بعد فترته، فهو يحسُب حساب الغد. يحسب قبل كل شيء حساب الآخرة.

من الإسلاميين من يتصور أنّ على الأمير أن يشاور ولا يتعدَّى الشورى “قيد أُنملة”. معنى هذا الشللُ التامُّ العامَّ. ومنهم من يأنَف من مسألـة الطاعة وكأنه يرى في كل حبل مفتول أفعى قاتلة لطول ما عانينا من الاستبداد.

إن كلمة “أمر” الواردة في الشورى والطاعة تـتضمن مفتـاحا لمسألة السلطة وتوزيعِها. تقول العرب: أمِرَ أمْرُ فلان، إذا عظُـم واكتَسـى أهمية. فعلى كل مستوىً من مستويات الحكومة مجالس متعددة للشورى في “الأمر” الذي يكتسي عندها أهمية. ما كل الأمور تُرْفَعُ إلى المستوى الأعلى حتى تلزَمَ الشورى في كل صغيرة وكبيرة لا نتعداها قَيد أنملة.

يجب أن يُطرح في الحكومة الإسلامية مشكل التعارض بين الحريات وبين فريضة الطاعة بوضوح. ومِنَ الدين والحكمة أن لا يُجبَرَ أحدٌ على البَيْعَةِ. لكلٍّ الحق في اختيار مَوْتَتِهِ ما دام يقرأ في الحديث أن من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.لكن إمضاء قرار الحكومة الإسلامية يجب أن لا يتلعثم. ومن حق الإسلام علينا أن نستفيد من قوة القيادة لا أن نُوهنها. من حق الجدْوَى في الحكم أن يكونَ البناء العَموديُّ-وهو قوة القيادة- عديلا لأفُقية الشورى. وإلا كان البناء مُنبطحا يهدد بالسقوط، مشلولا لا يتحرك.

الفرق بين الحكم الشخصي الاستبدادي وبين الحكم الإسلامي المشخص القوي أن ذاك لا قَيد عليه من أخـلاق ولا من وازع ورادع، بينما هذا له حدوده والتزاماته وعقد بيعة هو مسؤول عن الوفاء به أمام الله والناس. الحكم الشخصي لا يهدده قيام الجمهـور عليه ما دامت بيده آلة القمع، والحكم الإسلامي المشخص المحبوب له من الجمهور دعامة، ومن العـزمة سند، ومن الشورى وزير،ومن الولاية بين المومنين متكأ،ومن رضى الله عز وجل وتوفيقه الركن الشديد. ولَينصُرَنّ الله من ينصره، إن الله لقـوي عزيز. لا إله إلا الله، محمد رسول الله، عليه صلاة الله وسلام الله.