كان قد كتب منذ قرن ونيف الكاتب الشهير عبد الرحمن الكواكبي عن طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد وهو عبارة عن مجموعة من المقالات في نقد الحكم الاستبدادي وهو الذي قال في مقدمة كتابه هذا: “.. وأنا لا أقصد في مباحثي ظالما بعينه ولا حكومة أو أمة مخصصة إنما أردت بيان طبائع الاستبداد وما يفعل وتشخيص مصارع الاستعباد وما يقضيه وما يمضيه على ذويه … ولي هناك قصد آخر وهو التنبيه لمورد الداء الدفين …”.

   وفي ختام مقدمته منطلقا في سماء التعريف بهذا المرض العضال الذي أصاب هذه الأمة كما أصاب أقوام قبلها قال: “هذا جهدي، وللناقد الفاضل أن يأتي قومه بخير منه، فما أنا إلا فاتح باب صغير من أسوار الاستبداد عسى الزمان يوسعه، والله ولي المهتدين”.

   عدت إلى هذا الكتاب رغم عفو الزمان عنه لا لأقف موقف الناقد “الفاضل” ولكن لأحاول الإجابة عن سؤال يخامرني دائما هل طبائع الاستبداد وأسواره وألوانه وأشكاله وتداعياته ومظاهره لا تتغير وتظل وفية لمنهج واحد لأسلوب واحد أم أن الزمان قد يفرز طبائع حديثة تتناسب والعصر الموجودة به.

   لم أتعب كثيرا من أجل إيجاد النموذج المقارن وخاصة في هاته اللحظات التي يصول ويجول فيها اسم من أسماء الاستبداد الذي عاصر كاتبنا الشيخ عبد الرحمن الكواكبي رغم بعد المسافات فمات هذا الأخير ومات معه استبداد الدولة العثماني وظل هذا الإسم يجدد في طبائعه ويطيل في عمرها ويجملها عساها ترقى إلى الاستبداد الحديث، فالمقارن:  بفتح الراء- هو المخزن المغربي.

   وطالما تساءل الناس في العالم العربي والإسلامي، أي معنى يحمل هذا المخزن؟.

   وليس لهؤلاء من زمن أحسن من هذا، لمعرفة طبائع هذا المخزن.

   وكذلك أنا، وفي مقاربتي هاته، لا أستطيع أن أخرج عن هذا الزمن إذ لو أردت أن أطل على واقع المخزن المخزي من أعالي الأزمنة لن تكفيني مئات الصفحات، لأنه في هذه المرحلة وهاته اللحظات يبرز فيها المخزن طباعا فريدة لم يعاصرها كاتبنا وذلك من خلال تكشير أنيابه على جماعة اختارت الرفق أسلوب عملها والرشد مناط تفكيرها والسلم سبيل أداءها، وبالمقابل يحضن أطرافا أخرى.

   يكشر أنيابه وترتعد فرائصه ممن أنذره بالطوفان ويحضن من يحوم حوله ويطبل لأغانيه.

   يكشر أنيابه لمن فتح أدرعه للشعب مربيا ناصحا داعيا ويحضن من يكذب على هذا الشعب بشتى أساليب الكذب كالتناوب الديمقراطي والتغيير من داخل المؤسسات وطي صفحات الماضي البئيس.

   يكشر أنيابه لمن حاول إدخاله إلى حظيرته بكل ما أوتي من مكر ودهاء ولم يفلح ويحضن من يهرول إليه منبطحا راغبا في قربه.

   يكشر أنيابه لمن ينبذ العنف ولا يلتفت إلى استفزازاته ويحضن من يؤمن بالعنف فيعطيه المبرر للانقضاض عليه.

   يكشر أنيابه لمن فتح أبواب قلبه قبل أبواب مقراته للشعب لنشر الرحمة والحكمة والرفق والسلام في أوصال الأمة ويحضن من يسعى جاهدا لاستئصال هذا الأمل واللعب على أحبال التملق السياسي.

   يكشر أنيابه لمن يبشره ولو بالمنامات بقرب موعود الله ويحضن ويشجع ويمول من جند علمه ودينه للتصدي للصدق والتصديق بالغيب.

   وأقف هنا لحظات مع هذا الطبع الذي أظنه استعاره مخزننا من فرعون لأن القصة ابتدأت ببشرى (رؤيا) زفت لفرعون بأن نهايته ستكون على يد غلام من بني يعقوب (سيدنا موسى عيه السلام) سيخرج من بيته، فكشر فرعون أنيابه وأمر بقتل كل مولود ذكر يولد في العام فكانت مذبحة في بني إسرائيل لكن الغلام المعني بالرؤيا لم يقتل بفضل الله وعظمته وكانت نهاية فرعون كما قالت الرؤيا على يد هذا الغلام الذي تربى وترعرع في بيته.

   وأقول لقارئ هاته الأسطر لا تحسبن أن الأنياب لا تكون إلا للأسد فللنعامة أنياب في زماننا، إذ الشاعر يقول: أسد علي وفي الحروب نعامة.

   أي طبائع هذه يا كواكبي؟ فالدولة العثمانية التي جندت فكرك لنعتها بالدولة المستبدة حكمت العالم الإسلامي بأسره وكانت في الحروب مستأسدة إلى أن صارت نعامة بعد أن قطع أوصالها الاستعمار الصهيوني بمآزرة أعوان الاستبداد من بني جلدتنا.

   لا لوم عليك، قلت وقولك صواب أن الزمان من شأنه أن يوسع هذا الباب الصغير من أسوار الاستبداد.

   طبائع المخزن إذن كثيرة بعضها يتقاسم “طبائع الاستبداد” عند الكواكبي وأخرى مستعارة من أقوام سابقة ذكرنا بعضها وغيرها كثير وما خفي لا أظن أن رحم الزمان من شأنه أن يلد مثله.

   وكما حكم الله بين موسى وفرعون سيحكم………. والله خير الحاكمين.

   “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.