كـل مغربي يطالع ما بين دفتي القانون الجنائي، يستوقفه الفصلين 268 و 269 من ذات القانون، الذين ينص أولهما على أنه من أهان المقابر بأي وسيلة كانت، “يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم”، في حين ينص الثاني على أنه “من ارتكب عملا من شأنه الإخلال بالاحترام الواجب للموتى في مقبرة أو في أي مكان آخر للدفن، يعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر…” ويتوقف مليا عند مقتضيات الفصل 270 المتعلق بانتهاك حرمة القبر، وإخراج الميت من قبره، وتحديد العقوبة في “الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم” ليعلم أن المغاربة عندما يموتون لن يستطيع أحدهم إهانتهم، ولن يجرأ على الإخلال بالاحترام الواجب لكرامتهم، ولن تحدته نفسه باقتحام مقر إقامتهم وإخراجهم في اتجاه مخافر-التشريح- الشرطة. لأنهم سيصبحون مواطنين مغاربة وسيتمتعون بالحقوق والحريات العامة والشخصية.

وسيعلم أن أعضاء جماعة العدل والإحسان، سينعمون بضمانات حقوق الإنسان، التي حرموا منها ليلا ونهارا، سرا وإعلانا، صوما وإفطارا، كما الحال بالنسبة لما جرى من أحدات و مورس من خروقات خلال الأسبوع الماضي في مناطق متعددة من مدن المغرب شملت:

 اقتحام بيوت عدد من أعضاء الجماعة وسرقة ممتلكاتهم من داخلها.

 منع اجتماعات أعضاء الجماعة وممارسة الإرهاب في حق المتواصلين معهم.

 مراسلة بعض الأعضاء بشأن منعهم من استقبال أعضاء الجماعة ببيوتهم.

 طرد الأستاذ محمد عبادي وأسرته من بيته وإغلاق هذا الأخير وتشميعه.

عندما سيتوقف هذا المغربي عند هذه الفصول، سيجدها تدخل في الباب الرابع من القانون الجنائي المتعلق بالجنايات التي يرتكبها الأفراد ضد النظـام العـام، سيقف مشدوها وهو يتأكد من أن المشرع المغربي أعطى الموتى والمقابر هذه المنزلة التي اعتبرت كرامتهم وأمنهم وحرمة مساكنهم من النظام العام، وأنه أوردها مباشرة بعد الفرع المتعلق بإهانة الموظف العمومي والاعتداء عليه.

وللإشارة فليس كل موظف عمومي، وإنما يراد به الموظفون الذين يمارسون السلطة العامة، مما يدل على أن كرامة الأموات محفوظة مباشرة بعد كرامة أصحاب السلطة في هذا البلد.

في حين جاءت الفصول المنظمة لحرمة الأحياء و ذممهم وحرمة بيوتهم خارج هذا القالب المعتبر نظاما عامــا، فهي لذلك دائمة الانتهاك دون حسيب أو رقيب.

وإذا كان هذا المغربي لبيبا وعاين أو سمع  والكل قد سمع إلا من كان المخزن أذنه التي يسمع بها، وعينه التي يرى بها، ورجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها، أولياءه وأصفياءه وخاصته، فلا يسمعون إلا بأذنه، أبواقه الطائعون، وأقلامه الطيعون، المكتوب لهم القبول في بلاد المغرب-أونا – ما يحدث من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان والحريات العامة والشخصية بهذا البلد هذه الأيام، وعلى الطريقة التي خص بها المخزن جماعة العدل والإحسان وأعضاءها، سيفهم العبارة جيدا وهو يطالع هذا الفرع المهم  إن لم نقل الأهم  من القانون الجنائي.

وستصله الرسالة واضحة، ويهمس في أدنه هاتف من هواتف مغرب-أونــا، يخبره أنه إذا أراد أن تكون له حرمة مقدرة، وكرامة معتبرة، واحترام موفور…

وإذا أراد أن يعيش مواطنا، شخصيته وبيته وسمعته من النظام العام….

ويكون هو والموظفين السامين العموميين رجال السلطة سواء….

فما عليه إلا أن يعيش كالأموات، سكوت بلا كلام، وهدوء لتعميم النظام، ونوم طيلة الأيام، وأن يغلق عليه باب مسكنه، كالقبور موصدة وممتنعة من استقبال اجتماعات الأنام، و إذا ما سولت له نفسه تجاوز هذا المقام، وتبث في حقه كثرة النشاط، والتواصل مع مختلف الأقوام، فانه سيصبح خارج القانون، وسيتعرض للاتهام والانتقام…..

وسوف يتملك هذا المغربي الاستغراب، عندما يعلم أن أناسا اجتمعوا قبل نصف قرن ونيف من السنوات، ليقرروا إعلانا عالميا لحقوق الإنسان، أول مواده تنص على أنه “يولد الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق” بعد أن اعتبروا الرابط والناظم لكل حقوق الإنسان، هو الكرامة المتأصلة في الإنسان، هذه الكرامة التي ينعم الإنسان بمزاياها حيا، ويحميه جزء منها بعد موته في مواجهة الأحياء.

هذه القاعدة التي كتبت أول مرة بلغة غير لغتنا، ترجمها ترجمان مخزني محنك فكتبها في قاموس القانون والحريات العرفي بعبارة ” يموت الناس أحرارا فيتساوون في الكرامة والحقوق”.

وهي القاعدة التي شرعنت لأعوان المخزن وجلاديه اقتحام البيوت وسرقة محتوياتها، والتجسس على المساكن وطرد أهلها، وحضر التزاور ومنع كل اجتماع يتبث عقده من طرف الأحياء، لأن الكرامة والحقوق لا يكتسبها المغربي حسب القاعدة المخزنية أعلاه إلى ابتداء من تاريخ موته الطبيعي, أو من تاريخ إعلانه إراديا انتمائه إلى عالم الأموات، والمعلوم أن جماعة العدل والإحسان تنظيم حي يظم أعضاء و منخرطين ينبضون بالحياة.

وسيعلم حينها هذا المغربي، أنه قدر لنا في هذا البلد، ألا ننعم بالحماية من الإهانة، والاحترام لشخوصنا، والحرمة اللازمة لمساكننا، إلاّ بعد موتنا.

وسيتسـاءل هذا المغربي باندهــاش، وهو يرفض أن ينخرط في لعبة الأموات، مبلغا صوته لكل العالمين من أنصار حقوق الأحياء:

– أليس غريبا أن نعيش رعايا أحياء، فإذا متنا كنا مواطنين مكرمين ؟

– أليس غريبا أن نعيش تحت وطأت الإهانة لأشخاصنا، فإذا متنا تمتعنا بالاحترام الواجب لأجسادنا ؟

– أليس عيبـــا على الماسكين بزمام السلطة، أن تنتهك حرمات بيوتنا، فإذا متنا تمتعنا بالحرمة الواجبة لقبورنا ؟

ثم تتملكه الغيرة على ما هو عليه الحال، ويصاب بالغبطة من مزايا المواطنين المغاربة الأموات، قبل أن يصيح عاليا في لا شعور: نريـد حقوقنــا…، نريـد كرامتنــا…، نريـد حريتنــا دون إعلان موتنا…

أيها المســؤولون نطـالب بالمساواة في الحقـوق والامتيـازات مع الأمـــوات