أصيبت دولة المخزن بالعمى الهستيري فانتهكت حرمة رجال ونساء من خيرة أبناء الشعب المغربي، وراحت تعتقل وتعذب وتقتحم البيوت، وتفزع الأطفال والرضع، وتسرق الممتلكات الخاصة، وتهدم المساجد، وغيرها من الأساليب التي تذكرنا بالاعتداءات الشنيعة التي تمارسها قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية والعراقية. ومن حق المتتبع أن يستغرب لهذا العدوان الجنوني المجاني ويتساءل عن دوافع ذلك. فهل محاولة العدل والإحسان للتعريف بنفسها ومشروعها ومؤسساتها، والتواصل مع الشعب المغربي الذي أبدى تعاطفه واعتزازه بمبادئ الجماعة هو السبب في إثارة حفيظة المخزن وسدنته، فأعمى الله أبصارهم وصاروا يخربون بيوتهم بأيديهم؟ فماذا قالت العدل والإحسان للشعب المغربي حتى يصاب المخزن بالهستيريا ؟ لقد عرفت بقطاعات ومؤسسات الجماعة، وأكدت على رفضها المبدئي للعنف بجميع أشكاله، وتكريمها للمرأة، ومد يدها إلى كل من يرغب في بناء البلاد وصناعة الحياة، وأنها بالأساس جماعة تربوية دعوية تتوب إلى الله وتدعو الناس إلى التوبة والرجوع إلى الله إلخ… وليس في هذا ما يستوجب إعلان حالة استنفار قصوى في صفوف رجال الأمن، والاعتداء على أعراض الناس وممتلكاتهم، ومنعهم من ذكر الله والإقبال عليه.

إن ما يحدث لا يعدو أن يكون حلقة من حلقات الانتهاكات الجسيمة التي تتعرض لها العدل والإحسان بسبب مصداقيتها، ودعوتها الصادقة، وموقفها الرافض للارتماء في أحضان المخزن والفساد والزور.

والذي يعرف تاريخ المخزن ومقوماته لن يفاجأ بما صدر عنه من سلوكات يغشاها طابع المراهقة، والاندفاع والعدوانية. وهذه بعض الأسباب التي قد تساعدنا على فهم سلوكات دولة المخزن، وسر النوبات الهستيرية التي تنتابها على الدوام:

أولا ـ دولة المخزن دولة بوليسية يحكمها الهاجس الأمني والمراقبة البوليسية والمخابراتية بدل أن يحكمها تنظيم الإرادات الفردية المتعددة، وتقديم الإطار الذي تجد فيها مبتغاها وتحقيق مصالحها. فالظلم والقمع هو دستورها الحقيقي غير المكتوب، وهي تحاول بناء وجودها على شعارات تتناقض يوميا مع سلوكها وسياستها العملية المبنية على التعليمات.

ثانيا ـ النظام المخزني لا يجسد الإرادة العامة، وليس له شرعية، فهو يستمد شرعيته من آلته القمعية ومخططاته البوليسية، بل إن الإخفاقات المتكررة والاعتداءات المستمرة أفقدته شرعية وجوده، مما جعله يشك في إمكانية بقائه، فأعلن الحرب على كل صوت حر يريد الخير للبلاد والعباد بعيدا عن التعليمات المخزنية.

ثالثا ـ سياسات الإفساد المنظم التي تمارسها الدولة المخزنية نجم عنها تجويع الشعب المغربي، وتفقيره، وتجريده من كرامته، وسلخه عن دينه وهويته، وحرمانه من التعليم(أزيد من 50 % أميون)، والإبداع، والتعبير، وإهانته، وإقصاؤه حتى أضحى يفضل الموت في قاع البحر على البقاء في ظل نظام لم يقدم له إلا المأساة والمعاناة. فالنظام المخزني يعيش إفلاسا على جميع الأصعدة، بل إن التاريخ لم يشهد في أي فترة ماضية ما نعيشه من نهب عام لثروات البلاد، وتصدير الرساميل وتهريبها نحو الدول الأجنبية، وغير ذلك من الفضائح التي لا تتناهى. وقد أجبر الشعب على العيش في ظل هذه الأوضاع تحت نير القهر والاستبداد، مما أحدث قطيعة بينه وبين المخزن، فسحب ثقته من هذه الدولة القمعية التي أصبحت تخاف من الشعب وتشك حتى في إخلاص مواليها من المقربين ورجال السلطة والمرتزقة، فلم يبق أمامها سوى مناهضة الشعب ـ مثال قمع الأطر والطلبة والمعاقين وغيرهم من صفوة الشعب ـ، والوقوف ضده، والفتك بطليعته: نموذج العدل والإحسان. فلجوء المخزن إلى محاصرتها ومنعها من ذكر الله وقمعها هو محاولة يائسة لتعويض فشله، ودليل عن فقدان شرعيته.

إن هذا النظام المغربي الهجين أضحى عبئا ثقيلا على كاهل الشعب المغربي، فهو يقوم على القمع والإقصاء والنهب، ويحكم بالمزاج، ولا ينضبط لأي منطق، ويتمسح بشعارات التنمية والتحديث وهو غارق في الاستبداد والتخلف الذي تغذيه التناقضات العميقة التي تمزقه، والإخفاقات المتكررة المستمرة على جميع المستويات.

فما يقوم به المخزن من اعتداءات في حق أبناء الشعب المغربي بشكل عام، والعدل والإحسان بالأخص ليهدده بالفناء قبل الأوان، فبدل أن تكون الدولة المخزنية آلة هامة لتنظيم المجتمع وتحقيق أهدافه واتساقه، والتعبير عن إرادته، أضحت آلة لنشر الفوضى والتخريب.

هذا فيما يخص الهشاشة التي تقوم عليها دولة المخزن التي ليست بأحسن حالا من بيت العنكبوت.

أما الهستيريا التي أصابت المخزن في الأيام الأخيرة فهي تتأسس على عدة أعراض أذكر منها عرضين:

أولهم : فقدان الذاكرة وعدم الاعتبار بالتاريخ

فقد سبق للمخزن أن جرب أسلوب القمع والاعتقال والحصار في حق العدل والإحسان لصدها عن ذكر الله وإقامة الصلاة، وخدمة الأمة وتنفيذ مشروعها، فلم يزدها ذلك إلا منعة وقوة وانتشارا، قال رجالها ونساؤها حسبنا الله ونعم الوكيل، (فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ، وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (آل عمران: 174 )، وصدق الله العظيم إذ يقول: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ، وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: 7 ). وها نحن على سبيل المثال قد غيبنا ظلما وعدوانا في زنازن الذل والعار  يريدونها كذلك، ونحسبها نحن زنازن عز وفخر-، ولا نزال، لأزيد من خمسة عشر عاما، فلم تزدنا السنون إلا إصرارا على نصرة ديننا وشعبنا، والتمسك بمبادئ العدل والإحسان السامية وأهدافها النبيلة. فما يقومون به من اعتداءات لا تعدو أن تكون منحا يسوقها الله على أيدي المعتدين. لكنهم لا يبصرون.

ثانيهما : الإصابة بالهوس ونوبات الهيجان التي تتجسد في سلوكات غريبة غير قانونية، مثل مداهمة البيوت، وتكسير الأواني والأبواب، والسرقة، والقيام ببعض العروض المسرحية كتطويق المساجد بجحافل من رجال الأمن، والكلاب، وإشهار القنابل المسيلة للدموع وما إلى ذلك، وكل هذا ليس إلا حيلة لا شعورية يحاول المخزن أن يهرب بها من واقعه المتأزم. إلا أن نوبة الهستيريا هاته قد تحمل رجال الأمن أنفسهم على استنكار هذا الوضع والتمرد عليه، فمهما يكن فهم مسلمون ولا يمكن أن يتمادوا في محاربة الله ورسوله، ومنع الناس من ذكر الله.

ولا شك أن هذه النوبة سيعقبها شلل هستيري استجابة لموقف نفسي يتمثل في كون المخزن المريض لم يعد يطيق ترقب ما وعد الله به المؤمنين من نصر وفتح قريب.

فإلى متى سيظل الشعب المغربي، وفي مقدمته أبناء العدل والإحسان، ضحية لجبروت وطغيان المخزن؟

أسأل الله تعالى أن يجنبنا الفتن، وأن يهدي هؤلاء القوم فيتوقفوا عن زيغهم، ويعودوا إلى رشدهم. أما العدل والإحسان فأصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، تسقى بالأسباب المحسوسة، ولا تستغني عن الأسباب الغيبية التي اقتضتها سنة الله في الآفاق والأنفس. والله ضامن النصر لأوليائه، (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس: 62 )، (وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (الأعراف: 187 ).

حياكم الله أبناء شعبنا ولطف بكم، وحياكم الله أحبتي من رجال ونساء العدل والإحسان، وكفاكم شر الظالمين، وتقبل منكم ابتلاءكم، وثبت خطاكم، وحفظكم من كل شر وأذى، وجعل النصر حليفكم.

نفوض أمرنا إلى الله، ونرضى بصنيعه، ونثق بوعده، ونحتسب، ونصبر صبر الواثق بالنصر والفرج، فظلام الليل أوشك على الانجلاء، ونصر الله آت فلا تستعجلوه (أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ) (النحل: 1)، (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) (هود: 81).

المعتقل السياسي مصطفى حسيني

أحد معتقلي العدل والإحسان الإثني عشر

حرر بالزنزانة 5 بسجن بوركايز بفاس