بعد أيام من التعسفات والاعتقالات التي طالت عشرات الأعضاء من جماعة العدل والإحسان في مدن متعددة شرق المغرب وغربه، وشماله وجنوبه، وبعد حملة مداهمات لبيوتهم وحجز لممتلكاتهم وإتلاف لتجهيزات منازلهم.

وبعدما عبرت “العدل والإحسان” عن موقفها من هذا السلوك – ولا داعي لنعته رحمة بالنعوت القدحية – عبر بيانات هيئاتها وتصريحات قيادتها وسلوك أعضائها.

وفي الوقت الذي تناقلت فيه وسائل الإعلام خبر هذه الاعتداءات الممنهجة، وعبرت هيئات حقوقية وشرائح واسعة من المواطنين عن استنكارهم لها.

وفي الوقت الذي كان الرأي العام ينتظر وجهة نظر السلطة بصفتها الطرف الآخر حول أسباب هذه الحملة ومبرراتها السياسية والقانونية والواقعية خاصة أن الكل تداول الخبر ناقلا عن الطرف المعتدى عليه وحده، وإن كان هناك من سخر قلمه وصوته، كما دأب دائما، لتبرير فعل السلطة ونقل وجهة نظرها كاريا “حنكه” وقلمه بعرض من الدنيا قليل.

في هذا الوقت، وأمام اندهاش الجميع، خرج السيد الوزير صاحب الاختصاص، والمسؤول  هذا هو المفروض ولا تسألوا عن الواقع فهو معروف ولا داعي للنبش- عن كل تلك الأجهزة المرتكبة لتلك الأفعال .. (انعتوها بما شئتم) ببلاغ يفسر فيه ما جرى.

صمت السيد الوزير زمنا، ونطق بكلام يصعب تصنيفه .. تكلم لغة خشبية عقيمة، هي المعهودة عن كل من جلس في ذاك المنصب وتلقب بذلك اللقب، وهو في هذا شابه من سبقه. ومن شابه .. فما ظلم.

مأساتنا، نحن المغاربة، مع كل وزير داخلية في المغرب أنه قليل الكلام، وإذا تكلم أرغد وأزبد، أو توعد وهدد، أو سب وشتم، أو ينتحل صفة الفقيه القانوني أو الحكم القاضي أو الأب الوصي أو الحكيم الموسوعي، .. أو يتحدث بمنطق المسلمات غير القابلة للنقاش، ومن لم يقتنع فهناك طرق متعددة لذلك.

تحضرني في هذه اللحظة مقولة إدريس البصري حين ادعى بأنه بحصاره الأستاذ عبد السلام ياسين فهو يحميه من أنصاره؟! (هكذا)، وتحضرني قولة الميداوي الذي بدأ عهده بالتبرئ من سلفه البصري على طريقة “لن أعيش في جلباب أبي”، الميداوي سب صحافيا، هو أبو بكر الجامعي بعبارة “نخلي دار بوك”..

أما السيد شكيب بن موسى الوزير الجديد في العهد الجديد صاحب المقاربة الجديدة والآليات الجديدة فتقمص وظيفة الفقيه القانوني مفسرا القانون بمقاربة تسلطية وبميزان مخزني يعتبر الحقوق منحة تقطر للمواطنين قطرة قطرة .. ويا حسرة على القانون ومشرعيه وحماته .. وسلام على دولة الحق والقانون والمؤسسات.

أبدع السيد الوزير في القانون، وهو خريج البولتيكنيك ومهندس القناطر والطرقات، فاخترع معيارا جديدا للحكم بقانونية جماعة معينة، أضاف للمعيار الموضوعي المنصوص عليه في الفصل 3 من قانون الجمعيات معيارا كميا هو “تكثيف الأنشطة” فأعطى للفقه قيمة مضافة، ومن سن في القانون سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن فيه سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

لكنه كشف لنا بتصريحه هذا الطبيعة الخاصة لوزارة الداخلية، أم الوزارات في بلدنا، وأنه باستطاعتها تطويع كل من تحمل مسؤولية داخلها وطبعه بطابعها المخزني كيفما كان شخصه، ومهما كانت مبادؤه. فكل وزير نسخة متطورة ومعيبة وملطخة لسابقه، وكلهم من أوفقير إلى … في القمع واحد، وكالجسد الواحد يكمل بعضه بعضا.

بتصريحه هذا مكن السيد الوزير المغاربة من اكتشاف مؤهلاته القانونية، تحول بقدرة قادر إلى فقيه قانوني مجتهد ومخترع، لم يكفه القانون الذي فصله أصحابه على مقاسهم وصادق عليه برلمان فصلوه على مقاسهم، وسيحكم به جهاز قضائي فصلوه على مقاسهم. لم يكفه كل ذلك، حتى إذا ضاقت عليه السبل لجأ إلى اختراع معيار جديد، نسميه المعيار الكمي فقال لوكالة الأنباء الفرنسية يوم 31 ماي 2006 “إنه من خلال تكثيف أنشطتها تكون العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج دائرة القانون”.

السيد الوزير، المهندس/الفقيه، تحدث عن احترام القوانين الجاري بها العمل، وهي في هذه الحالة قانون الجمعيات الذي ينص في فصله الثالث “كل جمعية تؤسس لغاية أو هدف غير مشروع يتنافى مع القوانين أو الآداب العامة أو قد يهدف إلى المس بالدين الإسلامي أو بوحدة التراب الوطني أو بالنظام الملكي أو تدعو إلى كافة أشكال التمييز تكون باطلة”، القانون إذن واضح في هذا الباب تحدث عن هدف الجمعية وموضوع نشاطها، ولم يتحدث عن حجمها، أو قدرها، أو كثافتها. فماذا يعني السيد الوزير بمعادلته الجديدة تكثيف الأنشطة = خروج عن القانون؟!

ثم أضاف السيد الوزير، المهندس/الفقيه، “من واجب الدولة فرض احترام القانون”. والقانون الجاري به العمل واضح في الجهة صاحبة هذا الاختصاص، حيث ينص في الفصل السابع: “تختص المحكمة الابتدائية بالنظر في طلب التصريح ببطلان الجمعية المنصوص عليه في الفصل الثالث أعلاه. كما تختص أيضا في طلب حل الجمعية إذا كانت في وضعية مخالفة للقانون وذلك سواء بطلب كل من يعنيه الأمر أو بمبادرة من النيابة العامة. وللمحكمة بالرغم من كل وسائل الطعن أن تأمر ضمن الإجراءات التحفظية بإغلاق الأماكن، ومنع كل اجتماع لأعضاء الجمعية”.

إذن فالذي له اختصاص فرض القانون في هذه الحالة هو القضاء وحده. فهل هذا غاب عن ذهن الوزير / الفقيه؟ أم أن لعنة المنصب أصابته فتقمص صفة القاضي تأسيا بسلفه البصري حين جمع الداخلية بالإعلام حين خاف من إزعاجه، فقام وزيرنا بجمع الداخلية مع القضاء حتى يستريح من أحكامه الكثيرة النهائية التي قضت بقانونية الجماعة، وشرعية اجتماعاتها؟ ألم أقل لكم إنه نفس المنطق، ونفس الخيار الاستراتيجي، وإن كان لكل مرحلة تكتيكها وبرنامجها ووسائلها وأساليبها .. ورصاصها وضحاياها .. وبعد ذلك نفكر في إنصافها ومصالحتها وجبر ضررها وتعويضها.. إنه التاريخ يعيد نفسه، والمخزن هو هو مقسم ألا يتغير.

السيد الوزير ضاق ذرعا بالنص القانوني وبالأحكام القضائية المتواترة فاحتمى بالاجتهاد الفقهي، وبعد تفكير وتقدير جاء التقرير: أيها “العدل والإحسان”، ومن ورائكم كل التنظيمات، مسموح لكم بالعمل في هذه الرقعة، وفق هذه الطريقة، وفي هذه الحدود، وبهذه الوسائل، وبهؤلاء الأشخاص (لا ننسى أن الداخلية تفرض على بعض الهيئات أمينها ومكتبها السياسي..). وإلا فأنتم خارج القانون. وأنا القانون، وأنا قاضيه، وأنا فقيهه.

ويترتب عن هذا مواجهتكم بمنطق مماثل لن نحترم فيه القانون: الاعتقال بدون محاكمة، ومداهمة البيوت بدون إذن، وحجز الممتلكات بدون وثيقة…

وسبحان الله الذي يعمي بصائر البعض فيتصرفون وفق نواياهم، وسبحان الله كيف يعيد التاريخ نفسه، فهذا هو المنهج الفرعوني، لم يتغير رغم مرور آلاف السنين (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) (الأعراف: 127).

ملأ جسدته أبواق استئصالية بلغة استعدائية.

مستشارو سوء يقلبون المنطق فيصورون الحق باطلا والباطل حقا.

استعلاء فرعوني يفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل.

ترى ماذا يمكن أن يكون عليه الحال لو كنا في دولة قانون؟

ماذا لو عرض هذا التأويل للقانون على أنظار القضاء والفقه؟

ماذا يمكن أن يكون رد الساسة والحقوقيين والإعلاميين والمثقفين؟

ماذا لو عمم هذا المعيار الكمي على كل التنظيمات؟

ألا يمكن اعتبار هذا التفسير دعوة للجمود؟

ماذا وماذا وماذا .. لكن في كل الأحوال.

السيد الوزير المهندس/الفقيه/القاضي، يعطي بهذا التصريح شهادة حسن السيرة لكل التنظيمات: عدم تكثيف الأنشطة.

السيد الوزير المهندس/الفقيه/القاضي، يدعو الحقوقيين والقانونيين إلى مراجعة مبادئ القانون التي درسوها ويدرسوها، ففي نظره ليست الحرية هي الأصل.

السيد الوزير .. يطالب الأحزاب بمراجعة وظيفتها في تأطير المواطنين، أو هو على الأصح يضع حدودا لأن وزارته ستكمل الباقي، وأنتم تعلمون كيف، فشرطة القرب هذه الأيام تقتل.

السيد الوزير، باختصار، يناقض الدستور والقانون رغم أنهما صيغا على مقاسه، ولعنة الداخلية في هذا الأمر تطارده، فحتى أسلافه كانوا، كلما ضاق عليهم القانون، يصدرون الدوريات والمذكرات والمنشورات، أو يختارون العمل في الظلام، يزورون ليلا، ويفتشون ليلا، وكل شيء عندهم ليلا.

خوفي على السيد الوزير .. أن يكون بهذا التصريح دخل مجالا ليس مجاله، وتحدث في موضوع ليس من اختصاصه، ولكنه زج به في ذلك زجا ليقضي به من هم “أعلى” منه “همة” حاجتهم، ويتركونه بعد ذلك وحيدا معزولا مرفوضا كما وقع لأسلافه.

أما نحن المواطنين المستضعفين فنلجأ إلى الله القوي الجبار المنتقم كلما ضاقت بنا السبل نفوض أمرنا إليه قائلين “حسبنا الله ونعم الوكيل”.