يأبى الظالمون إلا أن يُمسكوا بمعاول حفر خنادق حتفهم وزوالهم بأيديهم، يحسبون أنهم بحملاتهم المخزنية العدوانية المسعورة يجففون منابع طليعة الحق والهدى، ويستنزفون طاقاتها ومواردها، ويرهبون فِتيها ورجالها، إنهم ساء ما يظنون! وهيهات ما يعتقدون!

إنهم بصنيعهم الأخرق هذا يُثبتون للقاصي والداني أنهم لا يَعتبرون بما مضى من سالف عهدهم البائد، إذ أن جماعتنا المباركة لم يزدها التضييق على مَرِّ سنوات القمع والرصاص إلا رسوخا وثباتا، والإجهاز على مكتسباتها، واعتقال أبنائها إلا توسعا وامتدادا، فمن مدرسة المحن يتخرج الفِتية المحسنون، ومن معترك التدافع مع الباطل ينبري للمزاحمة الشريفة القادة المُتمَرِّسون، وعلى مِحك الفتن يبرز صفاء المعدن الإنساني الكريم من البهرج اللئيم.

فالصف الجهادي اللاحب يحتاج في مسيرة إزهاقه للباطل إلى التعهد الدائم، والتهذيب المتواصل ليتم تراصُّ بنيانه وتعاضد أفراده، وما البلاء المتكرر إلا عامل تثبيت لأقدام الصادقين، وتطهير للصف من أراجيف الشاكين المتشككين، وكم لهم في اعتقالنا طيلة هذه السنوات -15 سنة- من عبر وعظات لو كانت لهم قلوب يفقهون بها، أو عقول يميزون بها؛ إذ أن كل هذه السنوات العجاف لم تثننا عن مواصلة درب الصمود والإباء، وإنما ازددنا والحمد لله عنفواناً وتعلقاً مُستميتاً بأذيال جماعتنا المباركة، وإيماناً بنجاعة خطها التربوي الجهادي، فأضحى سجننا بفضل الله ومنته محضناً نتنسم من فضائه عبير القرب من المولى، ومناراً شامخاً يهتدي بمعالمه التائهون في دهاليز النخاسة السياسة، ولكنه انطماس البصيرة والإدراك المفضي إلى هذا الارتكاس الهابط الذميم الذي يُسَطرسَدَنة النظام صفحاته القاتمة بأيديهم الآثمة اقتحاما للمقرات العامرة، وترويعاً للمساكن الآمنة، ونهباً للأموال والأفرشة، غير مراعين لمواثيق “عهدهم الجديد”، ولا متحرجين ولا متذممين من منكر يُخالف مراسيم “أصالتهم وحداثتهم” المزعومة.

ثم إنهم لا يضمرون هذا الحقد لأشخاص جماعتنا فحسب بل إنهم يتبعون تلك الخطة المنكرَة لإجهاض مشروعها الذي يربط الدنيا بالآخرة، والذي يَعِد بتحرير الإنسان من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد، إنهم يُوجهون حقدهم وانتقامهم لصفة الإيمان ذاته كما هو المعهود في كل أعداء الصفوة الخالصة من أهل هذا الدين، على مدار التاريخ والقرون. فكذلك قال السحرة لفرعون وهو يتوعدهم بأشد أنواع التعذيب والتنكيل والتقتيل: (وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ). وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب بتوجيه من ربه: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ)، وقال سبحانه عن أصحاب الأخدود الذين أحرقوا المؤمنين: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ). فالإيمان هو سبب النقمة، ومن ثَمَّ هُم يضغنون على كلِّ مؤمن توَّاق إلى غد الإسلام الأغر، ولا يراعون فيه عهداً، ولا يتذممون من منكر: (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ)، فصفة الاعتداء أصيلة في خطة الظالمين ومكرهم، تبدأ من نقطة كرههم لسماع صوت الحق والإيمان، وصدودهم عنه، وتنتهي بالوقوف في وجهه وتربصهم بالمؤمنين؛ ولنا في تاريخ الظلمة المتكبرين عبرة لمن ألقى سمع قلبه، ونَظَر عقله إلى القرآن متدبرا مصارع الطغاة ومهالك القرى الظالم أهلها: فهذا فرعونُ مصرَ يذبح الأبناء ويستحيي النساء لأن المنجمين في ذلك العصر أخبروه أنه يذهب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل، قال وهب: “بلغني أن فرعون ذبح في طلب موسى سبعين ألف وليد، ويقال تسعون ألفا”، ولكن قوة فرعون وجبروته، وحذره ويقظته لا تغني عنه شيئا بل لا تمكن له من موسى الطفل الصغير، المجرد من كل قوة وحيلة، وهو في حراسة القوة الحقيقية الوحيدة ترعاه عين العناية، وتدفع عنه السوء، وتعمي عنه العيون، وتتحدى به فرعون وجنده تحدياً سافراً، فتدفع به إلى حِجره، وتدخل به عليه عَِرينه، بل تقتحم به عليه قلب امرأته وهو مكتوف اليدين إزاءه، مكفوف الأذى عنه، يصنع بنفسه لنفسه ما يحذره ويخشاه ! . فلم ينفعه بطشه واجتهاده في دفع المكروه الحالِّ بمُلكه على يد مولود من أولئك المستضعفين، قال تعالى: (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ). قال الزجاج مقرراً بلاهة عمياء يتلبس بأسمالها الرَّثة كلُّ متكبر جبار: “والعجب من حُمْق فرعون فإن الكاهن الذي أخبره بذلك إن كان صادقا عنده فما ينفع القتل، وإن كان كاذبا فلا معنى للقتل”. ونحن نقول -تَمشياَ مع منطق المخزن المجافي لحقيقة البشرى والغيب-: عجباً لحمق هذا النظام إن كانت بشرى 2006 حق فما ينفع الترهيب والإيذاء، وإن كانت تبدو له غير ذلك فلا معنى للتنكيل بالمؤمنين إلا أن يستعجلوا بمكرهم السَيِّءِ ساعة بَوار سُوقهم، أو يستبقوا أََوَان خراب دُورهم.

إن شأن الظالمين وحقيقة حالهم أنهم في تكذيب، والله من ورائهم محيط: في تكذيب يمسون به ويصبحون، فكيف لهم أن يصدقوا نبأ الغيب المنزل على أولياء الله بشرى لهم، ووعداً بالتمكين والنصر غير مكذوب.والله من ورائهم محيط وهم غافلون عما يحيط بهم من قهر الله وعلمه. فهم أضعف من الفئران المحصورة في الطوفان العميم !

هذا هو حال المكذبين بموعود الله، المُغْتَرين بحَوْلهم الضعيف يجعلون الرعية أرقاء أذلاء مع السخط الدفين والحقد الكظيم، فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية وملكات التحرر والمروءة لأن النفس التي تُستذل تَأسن وتتعفن، وتُصبح مرتعاً لديدان الشهوات الهابطة والأنانيات المريضة، وميدانا خصباً لتَفَشي ذهنية القطيع.

ثم إن المتكبرين على عباد الله الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، وليس وراء الطغيان إلا الفساد في كل جوانب الحياة. فتتحول الحياة عن خطها السليم النظيف المعمر الباني، إلى خط آخر لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض بحال؛ لأنها أصبحت تقبل صورة البغي البشعة -التي زيفت القيم وزورت موازين الحق-، وتراها مقبولة مستساغة، وهو فساد أي فساد..

وقد دَلَّت سنن الله في الكون وحياة الناس أنه حين يتمحض الشر ويُسْفر الفساد، وتقوم الزمرة الربانية الجهادية بدورها الطليعي الزاحف، وبوظيفتها الدعوية الإحسانية، عندئذ تتدخل يد القدرة سافرة متحدية بلا ستار من الخلق، ولا سبب من قوى الأرض، لتضع حداَ للشر المستطير، وتُطَهر وجه الأرض من الفساد، قال الله تعالى: (فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) فربك راصد لهم ومسجل لأعمالهم. فلما أن كثر الفساد وزادَ صَبَّ عليهم سوط عذاب، وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يُذكر السوط، وبفيضه وغمره حين يُذكر الصب . حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية، على الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد.

ومن وراء المصارع كلها تفيض الطمأنينة على القلب المؤمن وهو يواجه الطغيان في أي زمان وأي مكان. ومن قوله تعالى: (إن ربك لبالمرصاد) تفيض طمأنينة خاصة، فَرَبُّك هناك، راصد لا يفوته شيء، مراقب لا يند عنه شيء. فليطمئن بال المؤمن، وليَنَم مِلْء جُفُونه، فإن ربه هناك!.. بالمرصاد.. للطغيان والشر والفساد.

نعم إنها قوة الله الغالِبة وقدَره الصادق المحتوم. فمن كانت قوة الله معه فلا خوف عليه ولو كان مجردا من كل مظاهر القوة إلا قوة الإيمان واليقين بموعود الله، ومن كانت قوة الله عليه فلا أمن له ولا طمأنينة ولو ساندته جميع القوى الظاهرة لأنه عاكس أمر الله الكوني، وآذى أولياء الله، فكان الخسران والخذلان حليفه، والخزي والسوء مردَّه ومآله.

على هذا النحو المذموم يُساق الظلمة المفسدون كرهاً -على مرأى من الجموع والأحزاب التي يحشدها المتسلطون لتشهد مصرع الفئة المؤمنة المصدقة بموعود الله- إلى مهاوي استئصال شأفتهم، وساحات كسر شوكة أنظمتهم -إن كانت لهم شوكة-، فإذا بقوافل الحق تزداد توهجا في القلوب والمشاعر، وتجذراً في العقول والضمائر، ليتولد النصر والتجديد والبناء من رَحِم الابتلاء، إيذانا بانبلاج فجر جديد يمحي ظُلمات الليل البهيم.

(ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيب).

الأحد 7 جمادى الأولى 1427هـ / 04-06- 2006

المعتقل: محمد الزاوي / سجن بوركايز فاس