لعل هذه الموجة من الاعتقالات والمداهمات لبيوت الآمنين من آخر صولات المخزن في مواجهته المفتوحة ضد جماعة العدل والإحسان.

   ويخطئ من يظن أن هذه الاعتقالات الاستفزازية التي استأنفها المخزن منذ 24 ماي 2006 في حق أعضاء جماعة العدل والإحسان بمختلف أقاليم المملكة ما هي إلا رد فعل على الأيام التواصلية التي كثفت الجماعة تنظيمها منذ شهر مارس 2006 للتواصل مع مختلف شرائح الشعب المغربي.

   نعم لقد شكلت الأيام التواصلية للجماعة حدثا هاما ونوعيا مع بداية شهر ربيع الأنوار، وقد أغاض المخزن ما لقيت هذه المحطات التعريفية بالجماعة وبتاريخها ومشروعها لدى عامة الشعب المغربي من ترحيب واستحسان، مما جعله يضج ويرتج بذلك الشكل الأهوج الأخرق. لكن هذا الفعل لايمكن بتره من السياق العام لاستراتيجية النظام في تعامله مع جماعة العدل والإحسان، خاصة وأنه يجعلها في المرتبة الأولى ضمن لائحة التحديات و المشاكل الكبرى التي تواجهه.

   فمنذ نشأة الجماعة والمخزن يحاربها ويحاصرها ويتعقب أعضاءها بالاعتقالات والتضييق والمنع بكل أشكاله. فهي ممنوعة من حقها في التحرك والتجمع والتنظيم العلني السلمي رغم أنها جمعية تأسست منذ أكثر من ثلاثة عقود كما يبين ذلك الإشهاد الحامل لعدد 83/48 بتاريخ 26 أبريل 1983 والتي اتخذت لها شعار “العدل والإحسان” سنة 1986. وإذا كان ثمة جهة ما لها الحق في أن تصدر الحكم ببطلانها فهو القضاء. غير أن كل الأحكام الصادرة في هذا الصدد عن المحاكم المغربية بدءا بقرار محكمة الاستئناف بالقنيطرة سنة 2000، ثم قرار المجلس الأعلى للقضاء في يوليوز 2000، إلى آخر حكم صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 23 يناير2004. أقرت بقانونية الجماعة وبأنها لم تكن في يوم من الأيام تحت طائلة البطلان أو الحظر القانوني، وأنه بمقتضى هذه الأحكام التي تواترت قد ارتفعت عن كل أعضائها تهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخص لها، وبالتالي لها الحق في ممارسة أنشطتها والتعريف بمشروعها والدعوة إلى تصورها ومبادئها دون قيد أو شرط ودون سابق تصريح.

   الجماعة ممنوعة أيضا من حقها في المشهد الإعلامي ومن تأسيس منابر إعلامية تتحدث بلسانها. ذلك أن كل المجلات والصحف والجرائد التي أصدرتها (مجلة الجماعة  جريدة الخطاب – جريدة الصبح – جريدة رسالة الفتوة  جريدة العدل والإحسان) حوصرت وصودرت ومنعت من الطبع والتوزيع والنشر، وحتى الموقع الالكتروني للجماعة على شبكة الانترنت لم يسلم من محاولات المخزن للتشويش عليه..

   الجماعة كذلك ليس لها الحق في التظاهر السلمي في الشارع العمومي. وما تلك المسيرات والوقفات التي دأبت على تنظيمها في كل المدن والقرى ببلدنا الحبيب رغم المنع إلا تأييد من الله وتوفيق منه سبحانه وإتمام لنوره ولو كره الكارهون. وهي مسيرات ووقفات استأنس بها الشعب المغربي وأيدها وشارك فيها بكل عفوية وطواعية وساهم في إنجاحها. بل وتعلم الشعب كما تتعلم الجماعة وتُعلم أعضاءها كيف يطالب بحقوقه بالشكل الذي لا يخل بالنظام العام ولا يثير الفوضى والشغب، وتعرف أيضا من خلال تلك المسيرات على أبهى أشكال التظاهر السلمي الرفيق والبعيد عن كل أشكال العنف والاستفزاز.

   الجماعة ممنوعة أيضا من حقها في العمل الجمعوي فكل الجمعيات التي يسيرها أعضاؤها كليا أو جزئيا ممنوعة بمنطق القوة الذي يترجم التأويل والتفسير المخزني الخالص للقانون و”للمفهوم الجديد للسلطة” والتعاطي الخاص به مع مقتضيات “العهد الجديد”.

   بل إن أعضاءها ممنوعون أيضا من منابر الوعظ والإرشاد في مساجد المغرب.

   ولا بأس هنا بأن أعرض لبعض الأمثلة من مدينة الناظور على هذا الجانب من التضييق المخزني.

    1- في 23 أبريل 2000 تأسست أول فيدرالية لجمعيات الأحياء التي شارك في جمعها العام كل الطيف السياسي بالمدينة وحظي أعضاء الجماعة بالثقة ليشكلوا أغلبية مكتب الفيدرالية، ولحد الساعة السلطات المحلية تمتنع عن استلام ملفها. (للتذكير بعد أسبوع من هذا الحدث وبالضبط في 30 أبريل 2000 أقدمت الآلة المخزنية على هدم وإحراق ممتلكات مخيم السعادة بشاطئ بوقانا ببني انصار إقليم الناظور الذي نظمته جماعة العدل والإحسان صيف 1999)

   2- منذ خريف 2000 إلى حدود الساعة منعت مجموعة من الجمعيات الثقافية والتربوية والاجتماعية من التأسيس وأخرى منعت من تنظيم أنشطتها أو تجديد مكاتبها: جمعية التواصل، جمعية رابطة المعلمين، جمعية النور، جمعية الفتوة، اللجنة التحضيرية لتأسيس جمعية أيادي الخير للمرأة والطفل، جمعية مدرسي العلوم، جمعية تحاقن الدم، جمعية التضامن بسوق أولاد ميمون، جمعية المعاقين، وعشرات جمعيات آباء وأولياء التلاميذ.. كل هذا المنع والتضييق يمارس بدعوى وجود أعضاء أو عضوات جماعة العدل والإحسان في قوائم أعضاء مكاتب هذه الجمعيات.

   3- في 16 يونيو 2002 تأسست فيدرالية آباء وأولياء التلاميذ بنيابة إقليم الناظور. ومرة أخرى يشكل أعضاء الجماعة غالبية أعضاء مكتبها لتمتنع السلطة عن تسلم ملفها.

   4- وفي 19 يونيو 2005 دفعت السلطات التربوية بنيابة التعليم بالإقليم في اتجاه تأسيس فيدرالية أخرى لجمعيات آباء وأولياء التلاميذ نظرا لأهميتها كشريك في العملية التربوية التعليمية. وسعت السلطة المحلية جاهدة لقطع الطريق على أعضاء الجماعة من احتلال مواقع في مكتب الفيدرالية، لكن سعيها خاب وخسر، وترأس الفيدرالية عضو من جماعة العدل والإحسان. فما كان للمخزن إلا أن يَحرم الإقليم والناشئة من فاعل تربوي واجتماعي أبانت عناصره المنتشرة في التراب الإقليمي للنيابة عن صدقها وتفانيها في خدمة التلاميذ في كل الأسلاك. فهمس المخزن في أذن خدامه الأعضاء في مكتب الفيدرالية بأن يمتنعوا عن الإدلاء بالوثائق المنصوص عليها في الفصل الخامس من أجل إيداع الملف لدى السلطات.

   وأعضاء الجماعة ممنوعون أيضا من منابر الوعظ والإرشاد في مساجد المغرب.

   5 وأخيرا وليس آخرا فرع الناظور للنقابة الوطنية للتعليم (كدش) الذي جدد مكتبه في أبريل 2005 يحرم من وصل مقابل إيداع الملف بدعوى أن قائمة أعضائه تتضمن أسماء في جماعة العدل والإحسان.

   فالمنع والحصار هو الأصل في تعامل المخزن مع جماعة العدل والإحسان وليس الاستثناء.

   الاستثناء في تقديري هو هذا الصمت الرهيب الذي تمر فيه هذه السلسلة والموجة من الاعتقالات في صفوف الجماعة. فالمجتمع المدني والأحزاب والمنظمات الحقوقية -إلا القليل منها- لم تلتفت ولو بإشارة إلى هذا الخرق السافر لأبسط حقوق الإنسان. وقد دأبت هذه الأطراف على اعتبار أن ما يمارسه النظام من قمع ضد جماعة العدل والإحسان لا يعني سوى النظام والجماعة. لكن الغريب أنه حينما وجه الأستاذ عبد السلام ياسين رسالته إلى محمد السادس ملك المغرب ضج كل ذلك الخليط من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار معلنا استنكاره لمضامين “مذكرة إلى من يهمه الأمر” ومنهم من اعتبر الأستاذ المرشد خارجا عن الإجماع.. وأي إجماع..!

   وحينما عبرت الأستاذة نادية ياسين عن رأيها في نظام الحكم، هرول الجميع إلى عقد لقاءات مكاتبهم الوطنية وسارعوا إلى إصدار بيانات تستنكر وتعترض، فضلا عن عشرات المقالات التي كانت تتصدر الصفحات الأولى لجرائدهم.

   أليس العالم مجمعا على حرية التعبير والتنظيم وتشكيل الأحزاب والجمعيات؟

   ألم يوقع المغرب على المعاهدات الدولية في مجال حقوق الإنسان؟

   ألم يصدر النظام المغربي العفو على من كان في الأمس يكيد للمغرب أرضا وشعبا؟

   فلم هذا التواطؤ وهذا الصمت حينما يتعلق الأمر بجماعة العدل والإحسان وهي التي لم تنتهك حرمة القانون. ولم تتآمر على أمن وسلامة البلاد والعباد، ولم تستعدي أحدا على أحد؟

   لن أنتظر الجواب من أحد فقد انكشف الغطاء على مكامن الصدور منذ مدة ولم يحتمل الخصوم والمشككون والمرجفون في هذا البلد كتم غيظهم، فأفصحوا عما يختلج