الممارسة الفنية في المهجر

محمد العربي أبو حزم / [email protected] / [email protected]

شكر وتقدير..   أقف هُنَيْهَةً قبل استئناف هذه السلسلة لأقوم قيام شكر لحضرة الأديب الفاضل الأستاذ عبد العالي مجدوب الذي غمرني بفيضٍ من لطفه فحَمَّلَني ما لا طاقة لي به وأنا ما أزال ألْثَغُ وأحبو.

   كان الأستاذ عبد العالي مجدوب أرسل إلَيَّ يوم 27 أبريل 2006 عبر عنواني الإلكتروني الحلقة الأولى من سلسلة مقالاته الْقَيِّمة حول “موسيقى الشعر” مكلَّلَةً بمقدمته التي اعتبر فيها هذه المقالات مشاركة من جنابه في حفل تكريمي الذي لم أتشرَّف بحضوره فيه؛ غير أنه حَجَبَنِي حاجبٌ عن الاِطلاع على مضمون رسالته فلم أقرأها إلا قبل يومين من نشرها على موقع الجماعة.

   وقد حاولت مراراً أن أكتب إلى الأستاذ عبد العالي مجدوب كلمات شكر وامتنان لما شَهِدَ به للعبد الضعيف، غير أن قوة دفق الحب الذي فاضت به قريحتُه الشاعرةُ وروحُهُ المؤمنةُ أَخْرَسَتْ قلمي فما استطعت.

   كان لكلمات الأستاذ مجدوب أثر النَّدى الْفَجْرِيِّ على روحِيَ الظمأى.

   ولا أخفي أنني عشت بكلام الأستاذ مجدوب، ولا أزال، بين فرح بفضل الله وبهدية أحباب الله في مقامٍ يوجب الأدب مع الله ومع أهل الله، وبين هروبٍ إليه من نفسي ومن حظوظها.

   وإني لست أدري بأيِّهِمَا أفرح، بالشهادة أم بالشاهد؟

   وإني لست أدري على أَيِّهِمَا أخاف، على الأمانة أم على المستأمَن؟

   ما كنت أرجو حين سِيقَتْ قدماي في هذا الطريق أن أضع نفسي موضعاً ما، وليس وراء ما رآه الأستاذ الأديب فضلا من الله -وأراه كذلك وأراه أمانةً وحِمْلاً ثقيلاً- إلاَّ يَدٌ تسوقني مِنْ قَدَر الله إلى قَدَرِ الله، وجمرةٌ متَّقدةٌ “هاهنا” فتحتُ عَيْنَيَّ أوَّلَ ما فتحتهما على كَيِّ لَفْحِهَا.

   أما شهادةُ الأستاذ الفاضل فهي “عَيْنُ رِضاً” من نفسٍ شاعرةٍ وقلبٍ حَيٍّ مؤمن، ومَجَازٌ لا أتبرَّأُ منه، ولكن حقيقته أنه لا حظَّ لي في خير الأمر إلاَّ كما للنَّاسِخِ من حظٍّ فيما يُمْلَى عليه؛ ولو كان غيرُ ذلك لكانت كلُّ ساعاتي كساعة الفرزدق الذي قال فيها: “ربما أتت عَلَيَّ الساعةُ لَقَلْعُ ضِرْسٍ من أضراسي أَهْوَنُ علي من قول بيت شعر”.

   الفضل، سيدي، فضلُ الله.. والنعمةُ، مولاي، مِنْ ولي النعمة وقاسِمِ العطيةِ ومانِحِهَا، ومَنْ نَسَبَ لنفسه ما ليس لها فقد ادَّعى أُبُوَّةَ من ليس من صُلبه: “اُدْعُوهُم لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ” (سورة الأحزاب آية 5).

   اللهم اجعل هذه الشهادةَ “عاجِلَ بُشْرَايَ” في هذه الدنيا، واجعل آجِلَها قَدَمَ صدقٍ عند مليك مقتدر.. آمين.. آمين.. آمين…

* * *

“وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ” (سورة إبراهيم آية 4)   تتعدد أنواع الجمهور في المهجر ما بين أهلِ كل بلد بلغتهم الرسمية وذوقهم العامّ، وأطيافِ المهاجرين بأجيالهم المتعاقبة ولغاتهم وخلفياتِهم الجغرافية والاِجتماعية والدينية والمذهبية. وهذه الأطياف خليط وأَيُّ خليط: جزء منها ذاب في المجتمع الجديد حتى لم يبق لها بأصوله من رباط إلاَّ الاِسم، وجزء منها تتقاذفه أمواج بَحْرَيِ الشمال والمتوسطي أو المحيطين الأطلنطي والهادي، ويعيش صراعاً داخليّاً بقلبين وذاكرتين وهويتين وعقليتين وخلفيَّتن، وجزء انغلق على ذاته في زُيَالٍ أو سبات شعوري وذوقي خوفاً من الغربة على هويته.

   وتَسْتَنْسِخُ بعض فرقنا الغنائية التجربة الفنية الموجودة في أقطارنا العربية استنساخاً حرفيا لا يراعي الاختلاف بين الواقع في أرض الوطن والواقع في أرض الغربة، وبين المخاطَب في أرض الوطن والمخاطَب في أرض الغربة. والحكمة تقتضي أن يُخاطَبَ الناسُ باللغة التي يفهمون وبالألوان الفنية التي يتذوَّقون وبلسان القوم الذي يتقنون. ولهذا فإن هذه الفرق تُرَكِّزُ في عملها حالياً على “تنشيط” الجاليات الإسلامية دون الاهتمام بالتواصل مع غير المسلمين.

   وللبعض اختيار فني يتشبَّثُ بالأشكال الفنية المعروفة في بلداننا العربية والإسلامية لتعريف الغرب بها أو لدغدغة اهتمامه وإعجابه بفنوننا وفولكلورنا المحلي. ولا مأخذ على هذا الاختيار إن لم يعد اختياراً وحيداً وعامّاً، ولا بأس به إن دخل أحياناً فيما يُسمى “موسيقا روحية” مما أصبح موضة العصر.

   واختلاف واقعِ المهجر وطبيعةِ جمهورِه لا يُعفي الفرقَ من ضرورة ضبط مواد فنية من أرض الوطن. فإن طُلِبَ إلى الفرقة أن تُعَرِّفَ بألوان بلدها الغنائية كانت على مستوى المهمة.

   ولا تعني ضرورة مخاطبة الناس بالألوان الغنائية التي يعرفون ويتذوقون أن نَلْهَثَ خلف كل شكل فني نَرْكَبُهُ بغية الوصول إلى الناس والتواصل معهم كيفما كانت طبيعة هذا المركوب، فبعض هذه الأشكال الفنية تستعصي على الترويض ولا تستطيع حَمْلَ أو تَحَمُّلَ المضامين التي نريد إيصالها الناس. فَلَوْنُ “الهارد روك” -مثلاً- لا يمكن ركوبه للوصول إلى أهدافنا لأن جوهره وروحه وشكله يَجْمَحُ بالراكب إلى قِبْلة غير قِبْلتِنا.

   وإنَّ الألوان الغنائية التي نستطيع توظيفها وتستطيع حَمْلَ وتحمُّل مضاميننا ينبغي أن تكون لها، ما أمكننا ذلك، طبيعةٌ مائية (لا لون/ لا رائحة/ لا طَعْمَ)، إذ يأخذ الماءُ طبيعةَ الْمَحْلُول الذي يذابُ فيه دو أن تتغيَّر طبيعة هذا المحلول.

   بهذا تسري روح خطابنا في أوصال الشكل الفني فتُسَخِّره تسخيراً، لا العكس.

   وبعض المسلمين الأفارقة في أوروبا والسودِ في الولايات المتحدة يحاولون توظيف بعض الألوان الفنية الغربية بمضامين دينية للتواصل مع الشباب المغرم بهذه الألوان، ولا أستطيع ولا أحد يستطيع الحكم بإيجاب أو سلب هذا التوظيف إلا أهل الميدان هناك؛ ومقياس الحكم ألاَّ يَحْجُبَ الشكلُ الفنِّيُّ مضمونَ الخطاب. ولا وزن لتجاوب الناس مع ما نقدمه لهم إن كان هذا التجاوب جسديّاً يَحْجُبُ مضمونَنَا عن الوصول إلى أعماق أرواح الناس.

“صناعة النجوم”   يرتفع في ديار الغربة مستوى المنافسة الفنية على الآذان والنفوس والمنابر في ظل حركة فنية منيعة وسريعة لا تُخْتَرَقُ حصونها بسهولة ولا تُوَاكَبُ بِيُسْر. ذلك أن “مقاييسَ الجودة” المطلوبةَ في “صناعة النجوم” الضروريةَ للتسرُّب إلى المنابر الإعلامية والثقافية والفنية لا نتوفر عليها. وأعود للتذكير بنموذج الفنان سامي يوسف الذي استطاع فريق عمله تحقيق المستوى المطلوب من “مقاييس الجودة” الذي خَوَّلَ له مزاحمة غيره من “نجوم” الأغاني المصورة على الفضائيات وفي شبكات التوزيع، لولا هذا الاستنْزاف الميداني والإعلامي الذي يُسْتَنْزَفُهُ هذا الفنان الشاب في بداية مسيرته الفنية.

   ولا ننس أن جمهور سامي يوسف ينحصر في المسلمين بأجيالهم، ونحن نحتاج كذلك إلى نجوم يكتسحون الجمهور من غير المسلمين.

   لا نطمع أن نُخَرِّجَ من طاقاتنا الفنية في المهجر من يومها -وهي تصارع من أجل لقمة العيش أو من أجل تحصيل العلوم- نجوماً تَكْسِفُ لطلعتها الكواكب وتطلب ودَّها شركات الإنتاج وتهتف باسمها الجماهير، ولكننا نسعى إلى تحصيل الخبرة الفنية والتقنية والإعلامية والميدانية في التكوين والتواصل والإنتاج والتوزيع والتسويق والتسجيلات تكون كافية لتسهيل ما ينبني عليها بَعْدُ.. وما ينبني عليها حركةٌ فنيةٌ  هنا وهناك- تحتاج إلى ما سبق لتشق بين الأدغال سبيلاً موصلة للهدف.

   فإن انْفَتَحَتْ في الجدار العازل قناةٌ أو فجوةٌ نُطِلُّ منها على الناس، ونحن في غمرة الإعداد والاستعداد، فلنستثمر الفرصة من غير أن نغادر مواقعنا من حصون الدعوة.

   ومنا من يرى مَنْ هُمْ أقل منه موهبةً وملَكاتٍ وقدراتٍ ينعمون بالشهرة والمال والامتيازات فيحز في نفسه أن العمر يهرب منه وهو لم يَخْطُ بَعْدُ أي خطوة في طريق الفن الطويل، ولم يَخُطَّ أي كلمة من كلماته في كتاب تاريخه، وهو من المال في فاقة، ومن الإمكانيات في خُلُوّ، ومن السَّنَد في غياب، ويجد مِمَّنْ حوله مَنْ يزيد النار حطباً فيتمثَّلُ الدعوةَ وأهلَها بين عينيه عقبةً أمام مجده العظيم لا يناله إلا بإزاحتها من طريقه.

   وبعضُ مَنْ نعرف ممن توهَّمَ الدعوةَ وأهلَها عقبةً في وجه مسيرته الفنية تاهَتْ بهم السبل بعد حين، فلا هم باتوا من أهل الدعوة الحاملين لواءَها ولا هم بلغوا من الفن مأمولَهم منه.

   وهذا خلل في الفهم أن يضع الْمَرْءُ نفسه في موطن الاختيار بين “الدعوة” وهي منظومة جامعة للقلوب وللفكر وللجهود لغاية وأهداف، وبين “الفن” وهو أداة “تعبير إنساني” توظفه الدعوة أداةَ “تعبير جَمْعِيٍّ” وتواصلٍ وتعبئةٍ وتغيير.

تذكير   إنَّ لنا في أرض المهجر طاقات تحتاج حِضْناً أميناً آمناً يزرع فيها بذرة الثقة ويَبُثُّ في أوصالها روح المبادرة من جهة ويحقن شرايينها بالمحبة ويحوطها بالرعاية والتوجيه بعيداً عن “عقلية التملُّك” الْمُنَفِّرَةِ من جهة ثانية.

   قد يختلط الأمر في نفسِ بعضِ مَنِ ابتُلِيَ بالمسؤولية فلا يفصل بين رأيه الخاص -يُمْلِيهِ عليه الحرصُ الصادق على الدعوة ومحبةُ أهلها- والذي لا سند حَرَكِيَّ مُلْزِمَ يتَّكئ عليه، وبين مسؤوليته التي يستمدها من اِنتسابه إلى جسم الدعوة التي يُفتَرَضُ أَلاَّ ينطق باسمها إلاَّ في ما كان له منها سند صحيح.

   وقد يتحوَّل الحِضن في بعض الأحيان إلى حِصْنٍ آسر لبعض الطاقات الفنية بحجة الخوفِ عليها والحرصِ فتنفر من حِضْنِهَا لتتحَسَّسَ في عتمات الحيرة أحضاناً أَدْفَأَ… ولا أدفأ هُنَالِك.

   وكما لا يجوز أن تستنسخ فرقنا أسلوب عمل فني لا يناسب الواقع في المهجر، فإنه لا يُسَوَّغُ استنساخ أسلوب تحرك ميداني للسبب ذاته.

   فالأرض غيرُ الأرض.. والناس غيرُ الناس.. والهموم غيرُ الهموم…

خلاصة   يتحمل الممارسون الميدان أمانة معرفة الواقع الذي يتحركون فيه لِيُفَصِّلُوا له ما يناسبه من أساليب، وليترجموا مضمون رسالتهم إلى الناس إلى اللغة التي يفهمون، أقصد لغة اللسان ولغة الفن..

   ويتحمل المؤْتَمَنون على العمل الميداني أمانة احتضان الفن وأهله بما يناسب من أساليب تواصلاً للقلوب وخدمة للدعوة.

في الحلقة الأخيرة

وختـاماً