الناظر لما تقوم به السلطات المخزنية في حق جماعة العدل والإحسان بعمق، يرى من خلاله حِكَما للرحمن الرحيم، ومننا من الجواد الكريم، فمن سنن الحق سبحانه أن ينصر عباده بأن يقيض من يعَرِّف الناس بهم من حيث لا يشعر، ويزيدهم قوة وسوادا وهو لا يذكر. فهذه بضع حِكَم تتراءى من بين الأحداث. نذَكِّر به أحبابنا من الإخوة والأخوات، عسى أن ينفع بها الحق ويرفع بها الدرجات.

   جلت حكمة الرؤوف الرحيم، وأذنت بحرب من عادى وليا من أوليائه الصالحين.

   جلت حكمته يبتلي بالظلمة المومنين، ويمحص بالمحن الصادقين، حتى إذا استوى الصدق قائما، والحق متمكنا، خنست أباطيل المرجفين، وتزلزلت أركان المستكبرين، ليحقق المنة للمستضعفين، فيجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، ويري فرعون وهامان وجنودهما وأشباههما وأتباعهما ما كانوا يحذرون.

   والصلاة الزكية، والسلام العطر على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خير البشر. من آزر المظلوم فنصر وانتصر، ومن بلَّغ الحق فبدا وظهر، ودمغ الباطل فزهق وانكسر. وأخبر أن نور الخلافة قد بدا وأسفر، وأن صبح العدل والإحسان قد سما واستبشر، وأن سواده قد عم وانتشر، فما لهؤلاء القوم لا يعون القول أم أصاب العمى البصر، وشُلت عقولهم عن بنات الفكر. إن سنة الله لا تبقي ولا تذر، ولا تحابي أياًّ من بني البشر، والله تعالى هو الكبير الأكبر.

   جلت حكمة الرؤوف الرحيم، وأذنت بحرب من عادى محبوبا من المقربين. فاح عطر العدل والإحسان في أيام تعارفية فشم عَبقه المشرق والمغرب، وبشَّت وجوه الشباب الطاهر للشعب المستضعف فحن ودنا وتقرب. بدأت قرة عين الشرق بوجدة تنادي الرائح والغادي، وتزف البشرى للعادي والبادي. وثنت البيضاء تجلو الحق الجميل، وترسم للخير ما تيسر من سبيل، فأثمر الحق العملَ اليسير، وأربى سبحانه صغير الفسيل ، فاستحال البناء بلسما يشفي كل عليل، ويؤلف الظل الظليل، وتتابعت الأيام ترص الصف الجليل في كل مدينة وكل قرية وكل سبيل. فاستشاط غضب الظالمين ونادى بعضهم بالخطر الوبيل، هيا احذروا مجالس الذكر والصلاة، وامنعوا مجالس الخير والصلاح، وأوقفوا أي نور ظهر أو لاح.

   جلت حكمة الرؤوف الرحيم، وأذن سبحانه في بيوت أن تُرفع ويذكر فيها اسمه العظيم. يلتقي فيها رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر العزيز العليم، أذِن سبحانه في فتح بيوت تهفو إليها الملائكة الطوافون، تحف بأجنحتها جموع الذاكرين، وتُنزل السَّكينة على أفواج المومنين، وتغشى الرحمة قلوب المتبتلين، وتفتح صدور الاحتضان لكل التائبين. فلم ترض القلوب الغافلة، وخشيت أن يستيقظ الناس اليقظة الكاملة، فيقوموا القومة الشاملة. فقرر المقرر أن أغلقوا البيوت الظاهرة، وشموا وتشمموا المحاضن الغابرة، فلا تبقوا للنصيحة مجالس سائرة ولا بيوتا عامرة. وإني لأخشى على من خطط وقرر، ويسر وبرر، ونفذ ودبَّر أن يُعَد فيمن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، فيحق عليه القول في نفسه وولده فلا يرى سعادة ولا استقرارا. وإن للمظلوم دعوةً لا تُرَد ولا تُجارى.

   جلت حكمة الرؤوف الرحيم، وحق غضب الجبار على المستكبرين. فما بكت عليهم السماء وما كانوا منظرين.

   عجبا لمن طاوعته ذراعه لدفع المومنين، وسولت له نفسه منع البقاع الطاهرة من أنفاس الذاكرين، إن عباد الله المومنين إذا فقدتهم مصلاهم في الأرض التي كانوا يصلون فيها ويذكرون الله عز وجل فيها بكت عليهم، ولا تبكي على فقدان غيرهم، فيا من يُبكي الأرض والسماء بظُلمه للصالحين، ويا من يَرقُب الطهر ليزيله من الوطن الحبيب، إن الله يمهل ولا يهمل، ويغضب لأذية المتقين، فاحذر أن يصيبك عذابه، أو يحل عليك عقابه، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

   جلت حكمة الرؤوف الرحيم، وتكاثرت منن اللطيف الحليم. فتحت الجماعة أبوابا للتعارف بعد قلوب للتحاب، وأنشطةً للتواصل مع كل الأحباب، رواق يفضي إلى رواق، ومجلس بطيب من الكلام عذب المذاق، وفرح بنصر الله القريب وفتح ينتظره كل مشتاق. وأبت منة المنان الحكيم إلا أن تظهر رواقا لمن يكن في الحسبان، -عفوا تغافلنا عنه ولو كان- رواق الإبداعات القمعية وظلم الإنسان، تكلفت بها جهات معلومة، ووظفت طاقات موسومة، فأحضرت هراوات “التواصل” الضليعة، ونظرات “الاستقبال” المريعة، وقوات التدخل السريعة، تعرف الناس بحق “العدل والإحسان”، ونصيب كلمتها في هذا الزمان، حتى إذا عجزت أفهامهم عن تلفيق التهم، والاعتداء على الذمم، قالت للمعتقَل المتهم: إنما هي استضافة للدردشة والحوار، وفسحة لتبادل الأفكار، ثم تصادر أمواله وتنتهك حرمة بيته ويقال له: عفوا فوزير الداخلية لم يكن على علم بما جرى أو دار، ولا يعرف في البلد إلا الحرية والاستقرار، ألا حياء تسدل به الأستار..، ألا خوفا من نقمة الجبار..، ألا كفى من السخرية والاستهتار، فقد دقت طبول النصر وطلعت شمس النهار، وولى ليل الظلم وأذن الرعاديد بالفرار.

   جلت حكمة الرؤوف الرحيم، و أرسى الحق أثرا في نفوس بعض المستغفلين. وبدت في قلوب من دفعت لقمة العيش للعمل في آلة القمع ندامة خفية، يقول أحدهم: مالي لا أُرسَل لمواطن الفاحش الظاهرة والباطنة، ألستُ موظفا للحفاظ على حياة المواطنين طيبة هنية؟ ويقول آخر: ما لي أقول للمصلي لا ركوع إلا برخصة رسمية، ولا ذكر إلا برغبة مخزنية، ولا نصيحة إلا كما تريدها الجهات الرسمية؟ ويقول ثالث ورابع و… آه يا وطني في زمني، ويا ديني في عمق جَناني، لكَمْ حرست النوادي الليلية، وما رأيت إلا منحرفا ضلت به نفسه عن السبل السوية، وماجت به الفتن في السراديب الخفية. آه يا ديني ويا وطني، ها أنا اليوم أرغَم على منع المجالس الزكية، وأطالَب برفع التقارير عن الشخصيات السَنية.. يا ليت شعري متى تسنح الفرصة لتوبة نصوح ندِيَّة، ورجعة للمولى فما رأيت من العدل والإحسان إلا الرجولة القوية، فلأتوبن مادام في العمر بقية، ولأرجعن إلى الحق رجعة علية.

   جلت حكمة الرؤوف الرحيم، وأذنت بحرب من عادى وليا من أوليائه الصالحين. وتأبى راية الحق إلا أن تعلو خافقة في عليين، وتشاء كرامة المولى إلا أن تضعك سيدي وسيدتي أهل العدل والإحسان في مقام النصر والتمكين، فاصبر حبيبي، فإن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون، واثبت أخي وأختي على الحق دام لك العز والرشاد، ورافقك التوفيق والسداد، ولا تنس أن تقول: “وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد” وفر إلى المولى فرار الفقير الذليل، وردد: حسبنا الله ونعم الوكيل.