ما أزال أذكر نكتة طريفة راجت بُعَيْدَ رحيل جمال عبد الناصر وتولي السادات لزمام الحكم في مصر مطلع السبعينيات من القرن الماضي.

   قالت النكتة إن السادات كان يركب سيارة فخمة من سيارات دولته يصحب فيها زعيمَ الاتحاد السوفياتي البائد: “ليونيد بريجنيف” ورئيس الْولاَيات المتحدة الأمريكية آنذاك: “ريتشارد نيكسون”، فأشار بريجنيف إلى السائق أن يدير الْمِقْوَد ويتَّجهَ إلى اليسار (كناية عن الاختيار الاشتراكي)، بينما أشار عليه نيكسون بإدارة المقود عَكْسَ ذلك والاتجاهِ ذاتَ اليمين (كناية عن الاختيار الرأسمالي)، فما كان من السادات إلا أن ناور إذ أشار إلى السائق بإشعالِ ضوءِ الإشارةِ الأيسرِ (لِمُدَارَاةِ بريجنيف والتَّمويه عليه) وبإدارةِ المقودِ إلى اليمين لتلبية أمر نيكسون والانبطاح بين يديه.

   ذَكَرْتُ هذه النكتة وتذكرتها وأنا أتأمَّل نِفَاقَ “مَنْ لاَ يُهِمُّهُم الأمر” في بلادنا وما يقومون به “لحماية منظومة الديمقراطية” على حد تعبير الرفيق الناطق الرسمي باسم الحكومة.

   حصارُ جماعةٍ مرخَّصٍ لها قانونيّاً، ومداهمةُ واقتحام البيوتِ المحتضنة لأنشطة المنتسبين إليها، وترويعٌ بالليل والنهار للأبناء والأزواج والأمهات، والتخريب والسطو على ممتلكات تقدر بمئات الملايين وتشميعُ الأبواب، واعتقالُ مواطنين ومواطنات ليسوا أقلَّ مُوَاطَنَةً مِمَّن تُفَتَّحُ في وجوههم أبواب البلد على مصاريعها، ويسرحون على ما بلغ الليل ولم يبلغه النهار من هذا الوطن المسكين ومن المنابر الإعلامية والمهرجانات…

   عَبَّرَت النكتة أعلاه عن “ذكاء” السادات الذي احتاج إلى بعض وَقْتٍ لِيُحَوِّلَ قِبْلَة أرضِ الكنانة من البيت الأحمر إلى البيت الأبيض، ويرتبَ بيتَه هو ترتيباً يتدرَّجَ في الانتقال به بسلاسة غير مثيرة للرفيق الأحمر من رمضاء الشرق إلى نار الغرب. نارٌ نعرف جميعاً مدى ما كَوَى ويكوي الأمَّةَ من نصيب السادات وزملائِه في المهنة منها إلى الآن.

   وَلَئِنْ لَمْ يكن “مَنْ لا يُهِمُّهُمُ أمرُ بلدنا” في حاجةٌ إلى تحويل الْقِبلة في زمن “وحْدة الْقِبلة” الذي فتحنا أعيننا على ظلماته الطاغية على مدى نصف قرن من “الاستقلال”، فإن ما آلَتْ إليه سياستُهم وتدبيرُهم لشؤون البلد في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه لَهِيَ ذَاتُ سياسة السادات أوائلَ عهده الْغَيْرِ مبارك:

   من جهة أولى: تَمْوِيهٌ ومداراةٌ وكَذِبٌ ونفاقٌ تُرْجُمَانُهُ لسانٌ رسْمِيٌّ طويل الباع في الضَّحِكِ من الشعب الذي أَتْخَمَه نعيق إعلامٍ لا يَفْصُحُ إلاَّ في اللعب بالألفاظ والتعبيرات الْمُزَكِّية للأوضاع الكاتمة للأنفاس والمبشرة بجنة الديمقراطية التي “يستظل بوارف ظلالها البلدُ كلُّه والشعب كله”.

   ومن جهة ثانية: سياسة العصا الغليظة التي لا شفيع في دينها لكرامة الكفيف المحقَّر الذي يطلب النَّصَفة، ولا أَمَلَ لإلحاح الدكتور العاطل الذي ينتظر فرصة لأكل لقمة عيش كريمة يحول دونها ما يحول بين اللصوص الكبار وبين تحقيق العدالة فيهم، ولا منجاة من بطشها للناشط الذي ترخص له الدولة بيد وتقمعه بالأخرى.. ولا ولا ولا… وَشَرُّ الْبَلِيَّة ما يُضْحِك.

   إن كانت “المنظومة الديمقراطية” هي هذا الذي نراه ونعيشه في بلدنا ولا نجد له مرادفا إلا في قاموس الاستبداد، فإن على “من لا يُهِمُّهُم الأمر” أن يبتدعوا نُكْتَة أُخرى أو مهزلة أخرى يكذبون بها على شَعْبٍ يعيش مَوْتَهُ بين التنكيت والتبكيت.

   لقد كان لِمَا تَعَوَّدَ عليه الشعب من ظلم واستبداد في الماضي تفسيرٌ واحدٌ وحيدٌ هو الرغبة الغريزية في كتم الأنفاس المتصاعدة، والشَّرَهُ العظيم إلى هضم حقوق الشعب المستحَقَّة، والطَّمَعُ الأصيلُ الْمُؤَصَّلُ في قمع الأصوات الحرة، أما الآن فإن لظلم الظالم تفسيراً إضافيّاً هو أنه يعيش هَلْوَسَةً وارتباكاً عَرَضاً من أعراض الشيخوخة هو عبارة عن “زهايمر” سياسي حادّ ومزمن!

   وأخيراً..

   إن كانت جماعة العدل والإحسان تتحرك في الميدان دونما ترخيص قانوني تستند إليه كما تزعمون، فدونكم القضاءَ حاكموا مِنْ كل بيت من بيوت الوطن من ينتسب إليها منها، وألْحِقُوهم بضحايا “قانون محاربة الإرهاب”، مَنْ تَضِجُّ بهم المعتقلات الظاهرُ منها والباطن، وإلاَّ.. فدونكم السجونَ اهْدِمُوها، فما عاد الوطن في حاجة إليها؛ فقد استوت في “بلاد المساكين” حظوظُ السجينِ المظلومِ والطليقِ المأزومِ من نيران “منظومة الديمقراطية” وهراواتها.