ما الذي يمنعنا معاشر المسلمين من النظر إلى الجاهلية كفاحا، وجها لوجه، ونصارِحَ أنفسنا بما هو واقع؟ الذي يجعلُنا نحكم على الجاهلية حكما مُعَمِّما واحداً لا تميـيز فيه بأنَها ظلام في ظلام هو مرارة الهزيمة التاريخية، والنِّقمةُ المشروعة على ما فعلته وما لا تزال تفعله فينا الجاهلية الغربية، فإن غفلنا لحظة عما تفعله فالخنجر المغروز في ضلوعنا يذكرنا. الخنجر دولة اليهود. ثم يمنعنا من الاعتراف بما عند الجاهليـين من مزايا اعتقادُ بعضنا أنه إن اعترف للكافر بمزية فقد ركَنَ إلى الكافر، ويُخشى أن تمسَّهُ النار.

المغرَّبونَ المُعْجَبُونَ بالغرب على الطرف الآخر لا يرون في الغرب وحضارته إلا كل مزية. نظر الشيخ محمد عبدُه الذي مرَّ من ديار الكفر زمنا لا يكفي للتعمق في معرفة الجاهلية كما عرفها سيد قطب رحمهما الله النظرة النقيض لنظرة سيد قطب. عبده يقول: وجدت في أوربا إسلاماً بلا مسلمين، ويقول قطب: الجاهلية رُكام وظلام. والنظرة المصارحة للنفس هي أن هناك مستويين اثنين يطلبان حكمين اثنين: الجاهلية بما هي كفر واستكبار في الأرض ركام وظلام، يأتون يوم القيامة وقد حبطت أعمالهم فهم خاسـرون. لكن أعمالهم هذه الخاسرة في ميزان الإيمان لها الوزن الثقيل في ميزان الدنيا، ميزان القوة والمدافعة والإنجازات والسببية.

كان الصحابي عمرو بن العاص لا تَغُصُّ حلقَهُ مرارةُ الهزيمـة لأنه كان منتصرا، ولا تُحَرِّفُ حكمَه النقْمَةُ لأنه لم يكن معذَّبا في الأرض، ولا يشك في الحقائق الواقعية يعترف بها للخليقة لأنه كان واثقا من إيمانه بالله الخالق ومن وحدة الخليقة، بعين يرى الناس مومنين وكافرين، وبعين أُخرى يراهم جميعا خلقا واحداً لإله واحد، فيحكم الحكم الصائبَ في النظرتين،لا تزاحم إحداهما الأخرى ولا تشوش عليها.

روى الإمام مسلم رحمه الله أن رجلا روى في مجلس عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “تقوم الساعة والروم أكثرُ الناس”. فقال عمرو: “لئن قلتَ ذلك إنّ فيهم لَخِصالا أرْبعاً: إنهم لَأَحْلَمُ الناس عند فتنة، وأسرعُهم إفاقةً بعد مصيبة، وأوْشكُهم كَرَّةً بعد فَرَّةٍ، وخيرُهم لمسكين ويتيم وضعيف. وخامسةٌ حسنةٌ جميلة: وأمنعُهم من ظلم الملوك”.

عمرو بن العاص داهية العرب اعتـرف بمـروآت الروم، منها “الحسنة الجميلة”: امتناعهم من الظلم وتمانعهم منه. وهذه هي المزية الأولى للديمقراطية. في بلاد “الروم” فرنسا استمر النضال البرجـوازي مائة سنة قبـل أن تستقر الديمقراطية. وفي بلاد “الروم” الإنجليز استمر النضال قرونا حتى استقـر نظام الحكم على “أقل الأنظمة شرا” كما كان يقول زعيمهم تشرشل.

مزية سلبـية هي التمانع من الظلم، فهل للديمقراطية مزايا إيجابية يمكن للمسلمين أن يَتَخَلَّوْا لحظة عن النظرة بعين واحدة ليعترفوا بها، وعن نقمتهم المشروعة ليتعلموا مما أمَدّ الله تعالى به الخليقة الكافرة من عطائه؟ “كلاًّ نُمِدُّ، هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك” (سورة الإسراء، الآية 20).

إي نعم! من الديمقراطية يمكن أن نتعلم تنظيم الخلاف وصبه في تعددية حزبية مسؤولة متعاقبة على الحكم،تعددية مراقِبٍ بعضُها لبعض،معارضةٍ،معبِّئَةٍ للجهود.كان أمير المومنين عمر رضي الله عنه يقول: رحم الله امرءا أهدى إليّ عيوبي. ومَنْ يُهدي إليك عيوبَكَ أحسنَ من منافس دائم لا شأن له إلا نقدُك بالحق وبالباطل. يرجع إليه نقده الباطل في جوِّ حرية التعبير إن هو جازف. تعدديةٌ معبِّئة للجهود في قنوات منتظمة محكومة بدَلَ الفوضى والعنف. هذه حكمة لو لم تخترعها الديمقراطية لَلَزم أن يخترعها المسلمون استفادة من ماضي الخلاف والعنف، ولنا منه الحظ الوافر.

يمكن أن نتعلم من الديمقراطية بلا غُصَّةٍ آليات تنظيم الانتخاب والحكومة، وفصل السلط، وتوزيع النفوذ، وترتيب أجهـزة الحكم والإدارة. يمكـن أن نتعلم خاصة مفهوم “المؤسساتية”: يذهب الأشخاص وتبقى المؤسسة يحكمها القانون.

لكنَّ الذي ينبغي أن نتعلمه سلْباً من الديمقراطية هو أن الذين لا يومنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد، فهم استنبطوا كل هذه الحصافَة والتقنية لتخدُمَ الهوَى والأنانية ومصلحة الدنيا، غافلين عن الآخرة. فالديمقراطية بهذا الاعتبار رُكام وظلام.

للحكم في ديننا غاية، وللشورى وهي مَبْنَى الحكم الإسلامي غاية: الغاية طاعة الله عز وحل في أمره كلِّه، خاصةً في إقامة العدل بين الناس. فمنه عز وجل نتلقى الأمر،ولغايةٍ رسمها لنا نحكُم، ولتصويب الحكم نتشاور.فما نتعلمه من الديمقراطية لتنظيم شورانا على نسق يضاهي العصر وتقلبات معايِشه حِكمةٌ. تعلُّمُنا عندئذ للوسائل التنظيمية مما أمد الله تعالى به الخليقة عمل صالح لصلاح الغاية ولمصدرية الأمر العَليِّ. حُكْمُنا عندئذ وشورانا عُمْلَةٌ رائجة في الدنيا والآخرة إن بَطَلَتْ عُمْلاَتُ الناس.

في هذا الفصل البارد من هذه السنة تتقاطر الصدقات من المواد الغذائية على الاتحاد السوفياتي المحتضر لتبرهن على فشل الشيوعية الذريع في إقامة العدل. بينما في بلاد الديمقراطية الرخاءُ والإنتـاجُ والوفرةُ. فشلت الشيوعية فشلها المخجل في تغذية سكان بلد من أغنى بقاع الأرض تربة وإمكانيات. وبعد سبعين سنة من التجـربة الرائـدة تضع الشيوعية سلاح الإديولوجية لتتسكع على أبواب اللبرالية الناجحة.

فهل نجحت اللبرالية الاقتصادية، وهي أخت الديمقراطية ورديفتها، في إقامة العدل؟ هل انتهت الشيوعيةُ لسوء نيتِها أم لبلادتها وجهلها بطبيعة البشر؟ ما هو النقد العملي الذي يمكن للمسلمين، بحكم الشورى والعدل، أن يوجهوه للنظام الجاهلي الساقط والآخَرِ المزدهر؟ أسئلة جوهرية.

الديمقراطية اللبرالية السياسية لا تسير إلا ومعها اللبرالية الاقتصادية. وهذه مبنية كأختها على التنافس الحر. والناس كما فطرهم الله عز وجل متفاوتون في العقل والطبع والقدرات. فمهما تُرِكت المجاري حرة للتنافس بين متفاوِتين في أصل الخلقة فمَصبُّ ذلك التنافس إلى التفـاوت في الأرزاق والأكْساب تفاوُتا مُخِلاً. هناك في الأنظمة الديمقراطية النقابات الحرة تدافع عن الحقوق وتنـزع من الرأسمالية اللبرالية بعض الحقوق. لكنَّ الرأسمالية بطبيعتها وبطبيعة الجشع والأنانيـة والجري إلى الربح كانت ولا تزال آلةً لصنع التفاوت بين الأغنياء والفقراء. تُكَوِّنُ النقاباتُ والجمعياتُ المصلحيـةُ فيما يسمى بالمجتمع المدني الديمقراطي حاجزا مهما أمام طغيان الرأسمالية اللبرالية، وتُحرز بمطالبها وضغطها وإضرابها ومفاوضتها مكاسب من جيب الرأسمالية الجشعة لكنها لا تستطيع أن تغير من طبيعتها.

وتَمشي الأمور في بلاد اللبرالية، ينال العمالُ والعامة من فضول الرخاء العام، كلما ارتفعت أرباح الرأسمالية ارتفعت دخول العمال والعامة. فيخيَّلُ للمُعْجَب المُدَلَّهِ باللبرالية أنها أم العدالة. ولو قرأ تاريخ نشـأتها وحاضر نهبها للعالم وماضِيَهُ لعرف أن الرخاء العام الذي تتمتع به أوربا وأمريكا والرأسمالية العالمية وينال عمالهم منه الفُتات إنما حصل على عرق أجيـال من المحرومين ودمائهم وأموالهم. جدوى اللبرالية وإنتاجيتها وجهٌ ظاهر لعُملة وجهها الآخر هو تعميم الفقر على العالم غير المصنع.

هنا يأتي التحدي الكبير أن نحكم بين الناس، إذا حكمنـا، بالعدل. دع القاضيَ يفهم الأمر الإلهي على أنه العدل بين المتقاضيين في النوازل الشخصية. فذلك أيضا من أهم أركان العدل. لكنَّ نازلة سوء قسمة الأرزاق بين العباد هي مَحَطُّ اهتمام الإسلاميين يوم يصبحون في الحكم.

يقول لسان حال المستضعفين، ويضج لسان مقالهم: هاتوا ما وعدتم به من عدل! طبقوا ما أمركم الله به إن حكمتم!

حاوَلَتْ الشيوعية أن تجيب مطالبَ الطبقة العاملة فما وصلت بعد سبعين سنة إلا إلى الإفلاس المخزي.ذلك أنها استبدلت بنظام الأنانية الفردية القيصريّة أنانية الطبقة المستبدة. ففقدت المزايا الغريزية للمبادرة الفردية التي تمَعَّشت في كنف النظام القيصري وحصدت ما زرعته دكتاتورية البرلتاريا من أوبئة العنف والمحسوبية والرشوة والكسل والتبذير وتدمير الأرض والموارد. وهكذا توزع البؤس على الناس. لم تنجح إلا في بناء سلاح مخيف مدمر. دمرها قبل غيرها.

وتزهو اللبرالية بإنجازاتها وتقول: هاكُم شيئا يمكن أن يقسم! هاكُم الإنتاج الوفير، الإنتاجية والتدبير! هاكم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان!

ويرث الإسلاميون غداة وصولهم إلى الحكم آلة تابعة للرأسمالية، أو جهازا مؤمما. والعيون شاخصة إلى عدل الإسلام عاطشة. ونداء الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان هاجس أمة تعسة بحكـامها. بحكـام أعرضوا عن دين الله فحصدتهم سنة الله.

فما نحن فاعلون؟ أنكسِرُ الآلة الموروثة فنوزع رأس المال الظـالم التابع ونبقى عالَةً يوما أو يومين ثم يطردنا الشعب؟ أم ننحدر مع الميل الروتيني من تنازل إلى تنازل فيبقى ما كان على ما كان؟ أنتبنّى الديمقـراطية بِعُجَرِها وبُجَرِها أم نستأنف استبدادا باسم الإسلام؟

إن تغيير الأوضاع يكلف تعبا ومجهودا دائبا، ويَلْقَى مقـاومة من طرف المحتلين للمراتب، ومن طرف دهاقين الرأسمالية المحلية، يُسعفُهم بالضغط على إرادات التغيير شركاؤهم وحلفاؤهم المتحصنون في معاقل الرأسمالية العالمية.

وهنا تبرز حاجتنا الملتهبة لحكمة ثابتة ومَضاء سائـر، وحاجتُنا لرجال محنكين عارفين بدخائل الاقتصاد العالمي، وقلوبُهم وعقـولهم وخبرتهم مع المستضعفين.

مشروعنا لنقد اللبرالية السياسية والاقتصادية بشورى العدل هو تحقيق أكبر قدر ممكن من المساواة. مساواة فرص، وظروف، وتربية. مع دعم الضعفاء في الحلَبة، قعد بهم العجز وتفاوت القدرات عن السبق في المنافسة. على الدولة الإسلامية أن تُغَلِّبَ جانب الإحسان وأن تُرَجِّحَ كِفّة العطـاء للضعفاء على كِفة الإنصاف المحايد.عليها تحقيق ذلك دون كسر الآلة الموروثة ولا مفاجأتها.

إن الشورى مهما كانت منظمة وأصيلة لن تكون إلا حواراً بين مفلسين إن لَم يعالج المتشاورون قضية الرّخَاء مقرونة بقضية العدل. الشورى وافدة كريمة، علينا أن نهيِّئ لها النُّزْل الكريم. نبنيه وننظفه ونرتب مرافقه. والله يرزق من يشاء بغير حساب.