لا أعرف ماذا أسميها، هذه الحملة الجديدة التي شنتها الدولة الجبرية المخزنية في المغرب الأقصى على جماعة العدل والإحسان المدنية السلمية القانونية؛ أهي بلادة .. أم عجرفة .. أم سكر .. أم طبيعة؟.

   أهي بلادة “المُراهق” في السياسة؟! .. ربما.

   أم هي عجرفة “الواهم” بأزلامه المعتد بخيلائه وعدته؟! .. ممكن.

   أم هو جنون “السَّكران” الذي فقد العقل؟! .. قد.

   أم إنها طبيعة “المُستبد” المتجذِّرة وطبعه اللازم وأصله الأصيل؟! .. طبيعي.

   أدع الجواب لكل قارئ وأترك له التخمين والتقدير، خاصة وإرهاصات السلوك المتهور للسلطة تمنحنا جميعا أوليات الجواب، وأعرج للحديث عن الحدث وتداعياته والحسابات المتحكمة فيه، والنتائج المتوقعة.

السلطة المخزنية .. بلادة الحساب وكسادة النتائجطبيعة الحدث:

   أقدمت السلطات الأمنية في العديد من المدن المغربية، على منع جماعة العدل والإحسان من التواصل مع عموم الناس، وتوضيح منهاجها وتصورها وسلوكها لهم من خلال “الأبواب المفتوحة” التي شهدتها جل مدن المغرب. فكانت مدن تمارة والرباط وطنجة وسيدي سليمان وسوق أربعاء الغرب يوم الأربعاء 24 ماي 2006 مسرحا لتدخلات سافرة من قبل مختلف قوات الأمن؛ للحيلولة دون تنظيم أنشطة الجماعة التعريفية التواصلية، بل امتد الأمر ليقفز إلى الضرب والسطو على الممتلكات واعتقال أزيد من 140 عضوا وترهيب المواطنين ومنعهم من حضور هذه الأنشطة بل واعتقال بعضهم.

   حصل هذا يوم الأربعاء، وهو إلى هذا الحد يفيد أمرين:

   – قرار منع أنشطة العدل والإحسان وإيقاف أيامها التواصلية، ليس اجتهاد محلي لبعض المسؤولين الأمنيين والإداريين بل هو قرار مركزي سياسي صادر عن جهات نافذة في سلم المسؤولية بالسلطة المخزنية، ولعل تعدد المناطق التي شملها المنع ووحدة الأسلوب-التطويق، الحصار، ترهيب السكان، الاقتحام، الاعتقال، السطو على الممتلكات، إطلاق سراح المعتقلين بعد إجراء المحاضر- مؤشرات دالة في هذا الاتجاه.

   – تعدد المدن التي عمها المنع لم يمنع من وحدة موضوع المنع، أي أن كل الأنشطة المستهدفة إلى حدود الأربعاء كانت مرتبطة بالأيام التعريفية للجماعة.

   أهمية استحضار الأمرين أعلاه، يفيدنا في الخلوص إلى قرار التصعيد الذي اتخذه النظام السياسي المغربي في حق جماعة العدل والإحسان، وإن كان يؤشر في مرحلة أولى-أقصد حدث الأربعاء- على تصعيد في اتجاه نوع محدد من الأنشطة -الأبواب المفتوحة-، فإن إقدام السلطات المحلية بعد ذلك على محاصرة مقرات وبيوت الجماعة بكل من تطوان والقنيطرة وفاس وأكادير … وغيرها، واقتحام مجالس النصيحة ومجالس تربوية وتنظيمية في وجدة وبني مطهر وسطات والعيون واعتقال 143، يفيد أن قرار التصعيد ليس المقصود به الحد من فعالية نشاط بعينه بل ترهيب جماعة بأسرها.

خلفيات الكواليس:

   قرار مركزي إذا، يفيد بضرورة تصعيد التضييق وشد الخناق على المعارضة السياسية الأولى في البلاد، هذا القرار يقتضي أن نقف عند خلفياته وحدة التصعيد المفترض أن يدفع في اتجاهه.

   بعد التسليم بأن حسابات السلطة في حق العدل والإحسان كانت دائما مقرونة بالقمع ومرهونة بالخوف، وبعد تضائل احتمال أن يكون التصعيد فقط بسبب النجاح الذي حققته الأبواب المفتوحة للجماعة كما أوضحنا أعلاه، أقدر أن الخلفيات المستحكمة في هذا التصعيد الجديد -رغم أن المخزن لا منطق له- قد تكون أحد اثنين:

   – إما أن هذا القمع الجديد يَستحضر فيه أصحابه معطى بشارة 2006، وهذا يستدعي وفق حساب “عقلاء” السلطة إجراءات وتدابير قبلية تحد من هذا “المبَشِّر” وتضعف قدراته؛ على شاكلة نظرية “الضربة الاستباقية” التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية.

   – وإما أنه نوع من “الإضعاف” أو الإيقاف عند مستوى معين والحيلولة دون تقدم “الخَصم” وكسبه مسافات جديدة وخطوات في ساحة الميدان، أي هي حالة “البَيْن” ما بين “الحرب” و”السلم”، ووَضْع وسَط ما بين السكوت الكامل والمعركة الشاملة، قد يقارب هذا الأسلوب ما يسمى “الضربة الوقائية”.

   أما على مستوى حدة التصعيد فإنه واضح، إلى حدود اللحظة، أنه من العيار المتوسط، أي ليس بحدة سياسة الأرض المحروقة ولا بمنهج النعامة الصماء العمياء.

حسابات السلطة في الميزان:

   هذه حسابات السلطة “المسكينة” وهذا مبلغ “عقلائها” من العلم، فهل البشارة يُتعامل معها بهذا الشكل؟ وهل “الخصم” تُحد فعاليته بهذا الأسلوب؟.

   لن أدعو نظامنا الجبري المخزني إلى أن يؤمن ببشارة ترتعد لها فرائسه، ولن أحثه على الثقة بما بشر به كثيرون من أبناء وبنات هذا البلد من أن سنة 2006 ستكون سنة خير لهذا الشعب، ولن أكرر عليه يقين “العدل والإحسان” في وقوع حدث هام يدفع الجماعة إلى الأمام ويكون بداية فتح لهذا الشعب المسكين وهذه الأمة المستضعفة، لن أدعوه إلى كل هذا أولا؛ بل أدعوه إلى أن يعيد قراءة هذه الرؤى جيدا، ماذا فيها؟ وبم بشرت؟ وماذا قالت جماعة العدل والإحسان بشأنها؟. ولعل التصريح الأخير للأستاذ فتح الله أرسلان الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان لجريدة الشرق الأوسط، مضيء لكل لبيب.

   هذا أولا، أما هاجس السلطة الآن فهو سعيها، من خلال سلوكها الأخرق هذا، إلى إخراج ما تظنه في جعبة الجماعة إزاء حدث 2006، واستدراجها إلى ساحة الميدان والنزال، واستباق “صناعة الحدث”-لتلافي ما يرافقه من استعداد وتهيئ وقوة فعل وتأثير فاعل- بالدفع بالجماعة إلى التفاعل مع حدث مفتعل والوقوع في ردود أفعال، ينعطف معها التصعيد والقمع والمنع إلى مستوى آخر من “حرب” المخزن على حركة العدل والإحسان ولتتحول إلى مواجهة شاملة.

   هذا ما حسبه المخزن “الذكي جدا” وهذا ما قدره “عباقرة” العهد الجديد، وكأن الجماعة لا تصور يضبط حركتها ولا منهاج يؤسس عملها ولا رجال يقودون وجهتها؟! لا أظن أن السلطة استفادت من تاريخ حركة أكدت أنها لا تنساق إلى دوامة ردود الأفعال غير المحسوبة، ولا تنجر إلى العنف سلوكا بعد أن نبذته تصورا، ولا أعتقد أنها ستستفيد.

   ثم إن كان هذا هو تقدير السلطة البئيس، فإنه ينم عن جهل تام بتدبير شؤون الساحة السياسية وإدارة الصراع مع “الخصوم” المجتمعيين، إذ كيف يعقل أن تواجه حركة، متجذرة في المجتمع بالعمق المعروف ومنغرسة في كل مستويات الشعب ولها امتداد قوي في الداخل والخارج وسمعتها طيبة في المنتظم الدولي، بهذا الأسلوب القمعي؟ وبأي طريقة سيتم انتزاعها؟. لذلك سأدفع هذا الاحتمال هو الآخر بعيدا لأني أشفق على المخزن المغربي أن يوصف بهذا القدر من البلادة والغباء!.

   هذا فيما يخص حساب السلطة المرهون بحدث 2006، أما حسابها المبني على “الإضعاف” أو الحد من التقدم والفعالية والزحف والحد عند مستوى معين من القوة وبالتالي اختلاق المواجهة والحصار والقمع في مستوى “البين”، فإنه منطق متجاوز وغير مجدي بل ونتائجه عكسية تماما، ودون السلطة تاريخ طويل من محاولات الحصار والقمع والمنع التي مسَّت جماعة العدل والإحسان، ابتداء من مرشدها الأستاذ عبد السلام ياسين، الذي اعتُقل وحُوصر وحُورب، ومرورا بمجلس الإرشاد ووصولا إلى جل الأعضاء وكل أجهزة الجماعة. وللسلطة أن تطلع على سجلاتها السوداء في منهج تعاملها مع الجماعة في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي وبداية هذا القرن، فلتنظر ماذا كانت النتيجة وهل استطاعت بعقليتها التسلطية هذه أن توقف مسيرة العدل والإحسان أو تحد من مستواها.

   ولمخزننا أن يطلب الاستشارة من أصدقائه على طول خارطة الوطن العربي والإسلامي، هل استطاعت أساليب القمع المنتهجة من لدن جل وزراء الداخلية وأجهزة المخابرات أن توقف المد الإسلامي، وتمنع توبة الناس إلى ربهم والتحاقهم بصفوف المومنين في كل مكان، لعل الإجابة واضحة والانتخابات في جل البلدان فاضحة.

النتيجة = 000:

   ثلاثة أصفار إذا، هي النتيجة الطبيعية للحسابات المستحكمة في ذهنية السلطة، والحصيلة المتوقعة لأسلوبها المتخلف. صفر إن كان الذي حرك المخزن حنقه على فعالية هياكل الجماعة في أيامها التواصلية، وصفر إن كان يستبق حدث 2006 بهذه الشاكلة، وصفر آخر إن كان يسعى للحفاظ على علاقته بالجماعة في مستوى معين من التوتر.

   أصفار ثلاثة، صفر ينطح صفرين، أراها خلاصة سلوك قمعي مغرق في الغطرسة والاعتداد بالجبروت، لمخزن لا تزيده السنون إلا صغارا وتيهانا؛ فهل يكون ما حصل درس جديد للاعتبار لسلطة سياسية أراها تخرب بيتها بأيديها، أم إنه لا حياة لمن تنادي، ومن شب على الجبر شاب عليه وقريبا قضى نحبه عليه.

   أما جماعة العدل والإحسان فهي راسخة بعون الله رسوخ الجبال، لا تحركها شطحات الصبيان العيال، مستشرفة مستقبل العزة والنصر والتمكين خلافة على منهاج سيد الرجال.

   “والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.