رسالة من المخزن إلى أهل العدل والإحسان

“واش المخزن ما بقاش في هذ البلاد؟” .

إذا أردت أيها المواطن المقهور أن تتنفس فخذ إذنا أولا منا، وانتظر حتى نسلمك رخصة، نحدد فيها كم من نفس لك الحق فيه، ومتى يحق لك أن تتنفس وأين. وإذا وصلتك الرخصة، فلا يحق لك أن تنفذها حتى نرسل عينا لنا عليك، لنتأكد من احترامك لمقتضياتها.. كل ذلك طبقا للفصل الكات من قانون القمع المنظم للحركات من تنفس وتنفيس وكلمات، حتى تكون في صالح المخزن صاحب البركات!

هل كنتم تنتظرون منا السكوت، بينما جماعتكم تتوسع بدون انشقاقات في صفوفكم كما اعتدنا عند غيركم؟ هل كنتم تظنوننا سنظل مكتوفي الأيدي بينما مجالسكم تكتسح الساحة وجمعياتكم تتكاثر، ومبادراتكم تتابع كأنها تترى؟

هل نحن المخزن أم أنتم؟ فإن كنتم تقرون بأننا نحن لا أنتم، فلم تبادرون؟ ولم تقترحون؟ ولم تنفتحون؟

ألا تعلمون أنكم مجرد رعايا نرعاكم كما نريد؟ نذبح السمين، ونسمن الضعيف لنأكله بعد حين؟

ألا تعلمون أن المخزن مثل البحر إذا هاج، حطم الحواجز؟

خافوا منا ولو قليلا نرجوكم، ولو قليلا حتى تبقى لنا ولو هيبة القط يتشبه بالنمر وقد سقطت أسنانه!

ما هذه “السيبة” ؟ تنظمون المحاضرات بدون إذننا؟ وتعبرون عن أفكار لا تنسجم مع نهجنا؟ ولا تريدون أن تتنعموا كما يتنعم البعض في ظلنا؟

وفي سياق التنمية البشرية، لا يحق لكم استعمال الحواسيب الإلكترونية إلا برخصة من سيادتنا. فالتنمية بدوننا لا مذاق لها، نحن الكل وأنتم لا شيء. ثم من قال لكم أن استعمال الحاسب يجوز في شرعتنا بدون رخصة من مقدمينا أو تصريح كتابي من دوائرنا؟

نحن نعرف جيدا كيف نواجهكم وماذا نفعل في حقكم، فكما انتزعنا من جمعياتكم احتكار توزيع الحريرة والمأكولات على الفقراء في رمضان والأضاحي في عيد الأضحى ، سننتزع منكم أبوابكم المفتوحة بعد أن هشمناها بفؤوسنا المتحضرة.. نعم، سننظم أبوابا مفتوحة لزيارة تزمامارت وقلعة مكونة ودار المقرئ، حتى يعترف المواطنون بمنشئاتنا الخالدة، و يكتشفوا آثارنا “القانونية” الصامدة.

لقد منعنا “جماعتكم”، ودفنا “صبحكم”، وألجمنا “خطابكم”، ووأدنا “رسالة فتوتكم” ، ثم من جديد تنبعثون؟ وإلى الناس في منظر رائع تخرجون؟ هل مات المخزن فتتكلمون؟ أم ذهب زمانه لتعبروا عن أفكاركم وبالقانون تتمتعون؟

ما وضعنا القانون ليحميكم والمواطنين ولكن ليقمعكم وإياهم في كل حين!

يجب أن تعلموا يا أهل العدل والإحسان، أننا عندما نحدثكم عن القانون فنحن أصحابه، “خالقوه” ومبدعوه.. ولا أدل على ذلك كم عذبنا من الشباب “المخالفين للقانون” في المخافر، وكيف قمنا بتصفية “المعارضين للقانون”، بل وأبدعنا الطرق البارعة في الإتقان عبر تذويب جثث المخالفين للوحدة والانضباط، وسحق عظامهم.. وأخرجنا كل السجناء إلا شبابكم لعلكم تعتبرون

نعم سننتهك حرمة بيوتكم حتى نسويكم بنصف الشعب المحروم من البيوت، فهذا هو العدل في شرعتنا المخزنية العتيدة.

سنحاول أن نطفئ نوركم بأفواهنا الواسعة المشرعة، وسندوس بيوتكم النظيفة بأحذيتنا الأمريكية الصنع، وسنحطم أبواب غرفكم بفؤوسنا اللامعة، وسنوقف حواسبكم لنوفر الطاقة، لأنها ثمينة.. ألا تعلمون؟

كيف تجرؤون على إزعاج السياحة والسائحين بابتساماتكم؟ وزعزعة المطارات بمواكبكم التلقائية المهيبة الجذابة؟

أنتم تثيرون الفوضى في البلاد بمحبتكم التي تنشرون رايتها في كل مكان، وتنتظرون أن نسكت عن كل هذا ونصبر؟

غاب محبوبكم أسبوعين فاستقبلتموه بالزغاريد والورود، ونحن منذ عقود ما أحنيتم لنا الخدود؟ ثم تريدون ألا ننزعج؟

نريد منكم أن تكونوا كالجميع! لم تتميزون وتتألقون في كل مرة وتنجحون؟ إذا أردتم منا أن نترككم تفعلون ما تشاؤون، فافشلوا ولو قليلا! تنازعوا ولو ذرة بينكم! واركعوا لنا كما ترون الراكعين في كل حين يركعون.

أنتم اضطررتمونا اضطرارا لقمعكم، فلم تعودوا تخافون من “مقدمينا”، ولا من “شيوخنا” ولا من قوادنا، ولا من عمالنا ولا من وزرائنا، ولا حتى…

أظهروا لنا ولو ضعفا طفيفا أو تملقا خفيفا لنروي نزوتنا التسلطية!

ومما زاد في إزعاجنا، أنكم إذا أغلقنا بيوتكم وختمناها بخاتمنا “القانوني”، اعتصمتم عند أبوابها مع أبنائكم؛ وإذا حاكمناكن لآرائكن المزعجة، وضعتن علامات قمع على أفواهكن؛ وإذا كسرنا ضلوعكم فضحتمونا صائحين في كل ناد؛ ألا تسكتون؟ ألا تتركوننا نقوم بمهامنا على ما يرام؟ أنتم تحرجوننا في كل مرة نريد أن نقلم أظافركم، فكروا ولو قليلا في آثار هذا على الدخل الفردي للمواطن المغربي لأن السياحة ستتأثر كثيرا.. فأنتم تعلمون ألا أحد يرغب في زيارة بلد تغلق فيه أبواب بيوت المواطنين وتفتح فيه أبواب فناذق المجون!! وفرحكم سيجهز على البيئة لأنه يزعج الشوك والزقوم؛ وتبسكم في وجه الشعب القهور سيحدث زعزعة للاستقرار!

حتى “أحلامكم” مزعجة وخطيرة! ألا تتحكمون ولو قليلا في ما ترون في منامكم؟ احلموا كباقي الناس بالخبز والماء عوض هذه الرؤى التي أثارت “الفتنة” وجعلت الناس يطمعون في جلدنا.

ثم بعد ذلك تريدون منا أن نترككم وشأننا؟ عفوا أقصد: وشأنكم! وأنتم ألا تتركوننا وشأننا؟

قال الراوي: “لا أبدا! حتى يحكم الله بيننا وبينكم، وهو خير الحاكمين.”

منتريال، 2 يونيو 2006