لم يكد يمضي يوم واحد عن تقرير منظمة العفو الدولية الذي يتحدث عن الوضعية الحقوقية في العالم وضمنه المغرب، وخلف ارتياحا لدى المسؤولين المغاربة حتى حن هؤلاء إلى طبيعتهم القمعية واشتاقوا إلى ممارساتهم القديمة ورجعوا إلى سياساتهم الموغلة في الاستبداد. والطبع يغلب التطبع، ومن شب على شيء شاب عليه.

ما سر هذه الحملة؟   لقد تابع الرأي العام نهاية هذا الأسبوع بقلق بالغ مدى صحة شائعة زيارة تسونامي لبلدنا، وهو الشيء الذي لم يتحقق، ولكن تأكدوا أن تسونامي من نوع آخر زارنا، بطله قوات الأمن بمختلف تشكيلاتها، ويتمثل في حملة عشوائية طالت عددا من المدن (تمارة، القنيطرة، الرباط، سلا، سيدي سليمان، سوق الأربعاء، طنجة، وجدة، بني مطهر، مكناس، تازة، سطات، العيون، أكادير…) استهدفت العشرات من أنصار جماعة العدل والإحسان داهمت السلطات، بدون وجه حق ولا موجب قانون، منازلهم واعتقلت المئات منهم وسطت على ممتلكاتهم وأتلفت تجهيزات بيوتهم في خرق سافر للقانون ودون مراعاة لحرمة البيوت.

   إن تعدد حالات الخرق هاته في أماكن ومدن متباعدة جغرافيا، وفي فترة زمنية ضيقة وبأساليب متشابهة يثبت أن الأمر لا يرتبط باجتهادات محلية أو مبادرات شخصية، ولكنه يتعلق بخطة وطنية وتوجه جديد. وهذا يطرح الأسئلة الآتية: ما سبب هذا التحول؟ ومن أوصى به؟ ومن يتحمل مسؤوليته؟ وهل يعي أصحابه ما يمكن أن يترتب عنه؟ هل هو استجابة للأبواق الاستئصالية التي مارست ضغوطات على السلطة بخطابها الاستعدائي محكومة بهواجس انتخابية ومصالح فئوية وحسابات سياسوية؟ أم هو محاولة لتبرير عجزها عن حل مشاكل البلاد المتفاقمة يوما بعد يوم؟

   لن نجيب عن هذه الأسئلة، ووحدها السلطة معنية بذلك، ولكنها أسئلة مشروعة لن يفك لغز هذه الحملة إلا بالإجابة عنها، لأن لا جديد طرأ على الساحة فجماعة العدل والإحسان ما تزال كما كانت منذ مدة، وأنشطتها لم يطرأ عليها تغيير، ومنهجها كذلك. فما سبب هذا الاستنفار الأمني؟

الأبواب المفتوحة   قد يقول قائل بأنها محاولة لمنع “العدل والإحسان” من إكمال برنامج أيامها المفتوحة التواصلية مع مختلف شرائح الشعب، وهذا عذر أكبر من زلة، وهو منطق من يحكمه رد الفعل.

   الأبواب المفتوحة شعار أطلق على أيام تواصلية دأبت الجماعة على عقدها منذ سنوات تستهدف من خلالها التعريف بمبادئها ومواقفها، والتواصل مع الغير بدون وسائط، وهذا أقل ما ينتظر من حركة ممنوعة من كل وسائط الاتصال مع غيرها، ومعرضة لحملات تعتيم وحصار وتشويه إعلامي وسياسي تقودها السلطة وأبواقها. وتستهدف منها كذلك تربية وتأطير أعضائها وأنصارها وعموم الشعب على مبادئ الرفق ونبذ العنف والكراهية والحقد، وقد أثبتت التجربة صحة هذا التوجه الذي طالما بشرت به العدل والإحسان، كما أثبتت فشل مقاربة السلطة التي مكنت لتيارات التبديع والتكفير أو لتيارات الاستئصال والميوعة.

   لذلك لا يمكن استساغة هذه الحملة العشوائية، ولا يمكن التماس مبرر منطقي لهذه الاعتقالات والمداهمات والمصادرات، سوى أنها ترضية لأطراف معروفة بحقدها على جماعة العدل والإحسان وبسعيها الحثيث إلى النيل منها والقضاء عليها. وهذه سابقة ثبتت من خلالها السلطة انحيازها لفئة على فئة وهي التي يجب أن تبقى في الحياد فوق الجميع وممثلة للجميع، أو هي استجابة لتيار نافذ في السلطة يملي أجندته ويستغل أجهزة الدولة لتصفية حساباته مع العدل والإحسان، وهذا أخطر لأن الدولة هنا فقدت هيبتها واحترامها وصارت مطية يوظفها بعض النافذين متى شاؤوا وكيف شاؤوا، أو هي محاولة لترهيب العدل والإحسان واستدراجها للتنازل عن مبادئها، وهذا رهان فاشل لأنه جرب أكثر من مرة ولم يؤت ثماره.

تذكير   لقد جربت السلطة منذ سنين خيار الاعتقال والاضطهاد وفشلت، ولا نحتاج أن نذكرها بأحداث 8 ماي 1990، أو 10 دجنبر 2001 أو أحداث الجامعات في 1997، أو معركة الشواطئ، أو غيرها. فهذا ليس سوى فصلا من فصول الحملة العدوانية على العدل والإحسان.

   في كل ما سبق تخرج الجماعة أقوى مما كانت حيث تتراص صفوفها ويزداد أنصارها وتقوى حجتها ويظهر أمرها، أما السلطة فلا تجني من ذلك إلا تشويه السمعة وفقدان المصداقية. وصدق الله العظيم إذ يقول “إن تكونوا تالمون فإنهم يالمون كما تالمون وترجون من الله ما لا يرجون” (النساء 104)

وأخيرا   تملك الدولة كل وسائل القهر وتتفنن في ذلك، بل إن الجزء الأكبر من إمكانيات الدولة ترصده لتنمية هذا الجانب.

   ومشاكل المغرب تتفاقم يوما بعد آخر، والوضع الاجتماعي على حافة الانهيار والانفجار، واليأس بلغ أشده عند الكل، مواطنين ونخبا، والعدل والإحسان لم تقم إلا بممارسة حقها ولم تخرق قانونا ولم تخالف عرفا ولم تغير ثابتا. وهذا ما تعلمه السلطة، وهو سبب ضعف موقفها تجاه ما يجري، وهو الذي يلجؤها إلى خرق القانون.

   والأبواق الاستئصالية ذات الخطاب الاستعدائي مدعوة لمراجعة سياساتها وعدم رهن مستقبل البلاد بحساباتها الضيقة ومصالحها الانتخابية.

   وليس أمام الكل إلا تغليب مصلحة البلاد حتى لا تتحول الأمور إلى فتنة تأتي على الأخضر واليابس. وهذا ما نؤكد عليه دائما، فلن نرد على عنف الدولة بعنف مضاد، ولن نستدرج أبدا إلى فتنة نحن أعلم من غيرنا بخطورتها لأننا الأقرب إلى معرفة حقيقة أوضاع البلاد والعباد.

   لكننا بالمقابل لن نسكت عن أي أذى يلحقنا، ولن نستجدي حقوقنا من أحد، ولن نتنازل عن مبادئنا، ولن نفاوض عن ثوابتنا، وملاذنا في الأمر كله التوجه إلى الله عز وجل مفوضين أمرنا إليه “وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد” (غافر 44) فهو حسبنا ونعم الوكيل، وهو الذي لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه “الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل” (آل عمران 173).

   وهذه مناسبة أخرى يتأكد فيها الجميع مما قلناه ونقوله منذ سنوات: السلطة في المغرب أفلست وسياساتها فشلت ومسكناتها انقضت، ولم يبق لها إلا الاعتراف بذلك والتصالح مع شعبها، أو هو الطوفان لا محالة. وهي وحدها من يملك القرار في ذلك.