في الدول الديمقراطية يكون وزير الداخلية أول المتكلمين إذا حدث أقل بكثير مما حدث في مغربنا هذا الأسبوع، حيث اعتقل مواطنون وحوصرت بيوت واحتجزت ممتلكات، وفي دولتنا، التي لا يجادل أحد أنها تضم، وحسب ديمقراطية من نوع خاص، برلمانا وحكومة وأسماء لمؤسسات متعددة، وأيضا أسماء لوزراء متعددين، لم يتكلم وزير الداخلية إلا بعد أسبوع من الشروع في تلك الانتهاكات الخطيرة في حق جماعة العدل والإحسان، ولم يحرك شفتاه إلا بعد أن تحدثت العديد من المنابر العربية والعالمية. ماذا يعني هذا؟؟

   هل يعني أن السيد الوزير آخر من يعلم بالحملة التي يشنها المخزن باسمه وتحت مسؤوليته على العدل والإحسان ؟ أو أنه كان يحتاج كل هذا الوقت ليعد ما يبرر به انتهاك حرمات البيوت والاعتداء على حريات الأشخاص؟أم يعني ذلك أن المغاربة لا يستحقون أي تعامل مسؤول معهم والمخزن في حملاته لا يحتاج إلى تبرير أو توضيح؟ ربما غير هذا وذاك فقد تكون للسيد شكيب بن همة عفوا بن موسى استراتيجيته الخاصة في تدبير الملفات الحساسة، تتلخص عناصرها في الصمت. وكما يقال الصمت حكمة. والصمت من ذهب. وكم من وزير ذهب ولم يذكر المواطنون إلا صمته. وكم من وزير هو الآن وزير لأنه حصل على شهادة “الصمت اللمط”. لكن في هذه الحالة ما هي الأسباب التي دفعت السيد الوزير للخروج من صمته؟

   على أي حال أترك لك أيها القارئ الكريم الترجيح بين هذه الافتراضات، وقد تكون لك افتراضاتك الخاصة. ففي دولة يحكمها الغموض يغيب المنطق ولا تسعف الحسابات والتحليلات. ولننظر سويا ماذا قال وزير الداخلية.

   “إنه من خلال تكثيف أنشطتها تكون العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج دائرة القانون، بينما تبقى السيادة للقانون وللمؤسسات التمثيلية الشرعية” و”أنه من واجب الدولة أن تحرص على فرض احترام القوانين الجاري بها العمل” مضيفا أن “احترام الحريات العامة وحماية النظام العام وحرية التعبير والاجتماع والتظاهر وكذا جمع التبرعات ينظمها القانون بصورة تحول دون ابتزاز المواطن أو تسخيره”.

   هذا بعض ما صرح به السيد الوزير لوكالة “فرانس برس” يوم الأربعاء 31 ماي 2006، ولا أعرف من أين أبدأ التعليق على هذا الكلام.

   جماعة العدل والإحسان “قد وضعت نفسها خارج دائرة القانون”، بمعنى أنها كانت قبل أن تنظم الأبواب المفتوحة، وباعتراف وزير الداخلية هذه المرة، داخل دائرة القانون، وفي هذه الحالة نسأل السيد شكيب بن موسى بأي مسوغ قانوني منعت العدل والإحسان، على امتداد سنوات، من حقها في الإعلام والتظاهر والتجمع؟ وبأي حق فرض الحصار على مرشدها؟ وبأي حق منع العديد من أعضائها من جوازات السفر؟…… بأي حق كان ذلك وغير ذلك، والجماعة لم تخرج عن دائرة القانون حسب السيد شكيب بن موسى إلا خلال هذا الأسبوع الأخير.

   ثم إن العدل والإحسان وضعت نفسها الآن خارج دائرة القانون لأنها  حسب السيد الوزير- كثفت من أنشطتها. بمعنى آخر يا أهل العدل والإحسان كي لا تعتقلوا ولا تحاصر بيوتكم ولا تحتجز ممتلكاتكم، وكي لا تعتبرون خارجين عن القانون عليكم أن لا تكثفوا أنشطتكم، وعليكم أن لا تخرجوا عن الإجماع. والإجماع، إلا ما رحم الله، ترهل وجمود وأنشطة محدودة باهتة. الإجماع، إلا استثناء، تنظيم مشلول وتعاطف منعدم.

   ويا أيتها الجمعيات والأحزاب لا تستمعوا لهذا الخطاب الذي ينتقد قلة أنشطتكم، ويعيب عليكم ظهوركم فقط في المناسبات، ولا تفكروا من اليوم في تكثيف الأنشطة لأن تكثيفها مخالف للقانون..

   عن أي قانون يتحدث السيد الوزير؟ وما علاقة تكثيف الأنشطة بمخالفة القانون؟ الذي يعرفه كل مبتدئ في دراسة القانون أن مسالة مخالفته أو احترامه تتعلق بنوع النشاط وليس بحجمه أو كثافته.

   “السيادة للقانون”. السيد الوزير يعرف أن القضاء هو الذي يصوب القانون ويصون مشروعيته ويحمي سيادته، والعديد من الأحكام والقرارت بالمغرب اعترفت بقانونية جماعة العدل والإحسان وقانونية أنشطتها، ولعل هذا ما جعل السلطة في حملتها الأخيرة تطلق سراح المعتقلين دون إحالتهم على النيابة العامة، لأنها تعرف، انطلاقا من أحكام سابقة، براءتهم من تهمة الانتماء لجمعية غير قانونية، ومن تهمة تنظيم أنشطة غير مرخص لها.

   جماعة العدل والإحسان تقول بسيادة القانون، ومشهود لها باحترامه رغم علاته الكثيرة، والسلطة هي من تخرق القانون في حق الجماعة. فبالاستناد على أي قانون يتم ترويع مواطنين أبرياء واقتحام بيوتهم؟ وبالاستناد إلى أي قانون يتم احتجاز مئات الملايين من ممتلكات الجماعة؟ و بالاستناد إلى أي قانون يشمع باب بيت الأستاذ العبادي؟ وبالاستناد إلى أي قانون يحرم سكان قرية أولاد فارس من الماء والكهرباء بسبب تجاوبهم الكبير مع الأيام التعريفية لجماعة العدل والإحسان؟…

   “من واجب الدولة أن تحرص على فرض احترام القوانين الجاري بها العمل”. من القوانين الجاري بها العمل، عفوا المفترض أن يجري بها العمل، ما يتعلق بتفتيش البيوت، وأحيل السيد الوزير على مواد المسطرة الجنائية (59-60-61-62) فتفتيش البيوت لا يكون إلا في حالة وجود جناية أو جنحة يمكن إثباتها بحجز أوراق أو وثائق أو أشياء أخرى… وهذا أمر غير متحقق في الاقتحامات الأخيرة، بل من غير الممكن تحققه في جماعة العدل والإحسان، التي تعمل في الوضوح والعلن وترفض العنف رفضا مطلقا….. وحتى في حالة وجوب التفتيش فإن المادة 62 من المسطرة الجنائية تمنع ذلك قبل الساعة السادسة صباحا وبعد التاسعة ليلا، وكل حالات الاقتحام الأخيرة كانت في هذا الوقت المجرم، وفي غياب ما يجيزه القانون استثناء (الارتباط بجريمة إرهابية، التفتيش بطلب من رب المنزل، وجو د استغاثة من داخل البيت)، ومن القوانين المفترض أن يجري بها العمل تلك القوانين التي تعاقب المعتدين على حرمات البيوت. فالفصل 230 من القانون الجنائي ينص على أن: “كل قاض أو موظف عمومي أو أحد مفوضي السلطة العامة أو القوة العمومية يدخل بهذه الصفة، مسكن أحد الأفراد، رغم عدم رضائه، في غير الأحوال التي قررها القانون يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من خمسين إلى خمسمائة درهم”.

   فهل ستحترم الدولة القانون وتطبق هذا الفصل الأخير؟ أم أنها لا تحترم القانون مرتين، المرة الأولى عندما اقتحم بعض ممثليها بيوتا في غير الأحوال التي قررها القانون، ومرة ثانية عند الإحجام عن معاقبتهم.

   أما عن تنظيم القانون للاجتماعات، فالسيد الوزير يعلم لا شك أن الاجتماعات الخاصة، التي تخص أعضاء جمعية أو أي هيأة قانونية لا ينص القانون بخصوصها على أي إذن سابق، أو حتى تصريح قبلي. واجتماعات جماعة العدل والإحسان جلها من هذا الصنف. وقد صدرت قرارات عن المحاكم الإدارية تؤكد ذلك بوضوح (انظر مقال الأستاذ سعيد بوزردة). لذلك تكون السلطة مرة أخرى هي من خرقت القانون حين اقتحمت على أعضاء العدل والإحسان اجتماعاتهم الخاصة في كل من مدينة وجدة وعين بني مطهر ومكناس وتطوان والفنيدق ووزان وأيت ملول…

   أما التجمعات العمومية فالظهير المتعلق بها يعرف التجمع العمومي بأنه “كل جمع مؤقت مدبر منح للعموم وتدرس خلاله مسائل مدرجة في جدول أعمال محدد من قبل” والتجمعات العمومية هي الأخرى لا يشترط لعقدها إذن مسبق، وأهم ما يشترط تصريح قبلي يوضع لدى السلطة الإدارية المحلية أو يرسل إليها برسالة مضمونة.

   وحسب اجتهاد القضاء الإداري بفرنسا، الذي يعتمد عليه كثيرا الاجتهاد القضائي عندنا، فإن التجمعات العمومية هي التي تكون مفتوحة على العموم دون استثناء، أما التجمعات التي تكون من خلال دعوات محددة فإنها لا تعتبر تجمعات عمومية، وبالتالي فإنها معفية من كل تصريح قبلي.

   ومن جهة ثانية، وهذا هو الأهم، فإن الفقرة الخامسة من الفصل الثالث من ظهير التجمعات العمومية تستثني من شرط التصريح المسبق: “الاجتماعات التي تعقدها الجمعيات والهيئات المؤسسة بصفة قانونية، والتي تهدف بصفة خاصة إلى غاية ثقافية أو فنية أو رياضية، وكذا الاجتماعات التي تعقدها الجمعيات أو المؤسسات الإسعافية أو الخيرية”. لنقف عند عبارة “بصفة خاصة” التي تفيد أن نوع الأنشطة التي ذكرت هي فقط للمثال وليس للحصر، بمعنى أن كل اجتماع عمومي تعقده جمعية قانونية يكون معفى من مسألة التصريح المسبق بغض النظر عن نوع النشاط. وبذلك فإن الفصل الثالث من ظهير التجمعات العمومية حين يشترط التصريح المسبق يتحدث عن التجمعات التي لا تنظمها هيئة أو جمعية قانونية، فهذا الصنف من التجمعات هو الذي يتطلب تصريحا مسبقا، ولعل المشرع حين اشترط في التصريح توقيع شخصين يقطنان قي البلدة التي ينعقد فيها التجمع أكد ذلك القصد، ولو كان الأمر يتعلق بالتجمعات التي تنظمها هيئة قانونية لاشترط في التصريح،في هذه الحالة، أمورا وبيانات تتعلق بهذه الهيئة.

   وهذا التأويل يؤكده الواقع فالأحزاب والجمعيات بالمغرب لا تقدم في غالب الأحيان أي تصريح بخصوص التجمعات العمومية التي تشرف عليها، خاصة إذا كانت هذه التجمعات بمقراتها أو ببيوت أعضائها.

   أعتذر عن هذا الإطناب في الحديث عن القانون لأني أعرف أنه من أثقل أنواع الحديث على النفس بالنسبة لغير القانونيين. وأقول للسيد وزير الداخلية، ومن خلاله أقول لعقلاء النظام السياسي، إذا كان لا يزال هناك من عقلاء، السيد الوزير لتتركوا الخطاب القانوني جانبا، لأن القانون في تعاملكم مع العدل والإحسان حجة عليكم وليس لكم. لتتركوا القانون ولتحددوا مطالبكم السياسية. هل تريدون من الجماعة الانضمام إلى جوقة المطبلين المتغنين بشرعية غير الشرعي؟ هذا لن يتأتى. هل تريدون انخراط الجماعة، وبشروط مجحفة، في مؤسسات شكلية صورية؟ هذا لن يتحقق. هل تريدون انكماش دعوة العدل والإحسان أو تقوقعها على نفسها؟ هذا مستحيل..

   فماذا تريدون من دعوة أنتم أول من يعرف أنها واضحة ورفيقة ومسؤولة؟