ليكن واضحا أننا لا نلتمس مهربا من ساحة المواجهة أو توازنا مقبولا من طرف القوى العالمية والمحلية المعادية للإسلام. كلا! ولسنا نرمي لترميم صدع الأنظمة المنهارة معنويا، المنـتظرةِ ساعتها ليجرفها الطوفان جزاءً بما كسبت أيدي الناس. يَندَكُّ ما كان يظنه الغافلون عن الله الجاهلون بسنـته في القرى الظالم أهلُها حصونا منيعة وقِلاعا حصينة، وتندثِر، وتغرَق. ولما بعد الطوفان، ولخواء ما بعد الطوفان، وخيبة ما بعد الطوفان نكتب.

      تغيب الكآبة المَخْزِيَّة، ويبحث المسلمون في هذا القطر أو ذاك عن حضورٍ صادق، وصوتٍ يستحق التلبية، وذمة تليق أن تناط بها الثقـة وتعقد عليها الآمال.

      في جو الانفعالات والاضطراب يعلو صوت الدعوة، يحضر جاهراً بعد إسكات، وينكشِف وجهها سافرا بعد حجْب.. وتتبَنّى الدعوة قضايا الأمة الكبرى وتعبر عنها بثبات وصدق. وذلك حين يتحتم إشراك كل القوى في عملية قومة تقيم الدين، وتكون إقامة الدولة وصياغة دستور عادل، وتركيب حكومة جديدة، بعض شؤون إقامة الدين لا كل شؤونها.

      وذلك حين يتحتم فرزُ وظيفة الدعوة -وهي شاملة عامة سيـادية- عن وظيفة الدولة، وهي إدارية متخصصة في رعاية المصالح الدنيـوية من تـنمية وتسيير يومي مالي سياسي إداري. لا تدخل الدعوة في أجواء الرِّيـبة السوقية إلى جانب ما يخلفه الطوفان من رُفاتٍ سياسي حزبي، ولا إلى جانب انتهازية تغامر بمستقبل المسلمين.

      من المغامرة أن يَزعم زاعم أن مكوِّنا وحيدا من مكونات الشعب يستطيع مهما بلغ من قوة عَددية وعُدَدِية أن يحمل على كتفيه أوزار الماضي وكوارث الحاضر وآمال المستقبل. من المغامرة بالدعوة أن تنتصب الدعوة بصفتها دعوة طرفاً في النزاع على السلطة الإدارية مهما كان حجمَ فصائل الدعوة وعَددِها وتماسكها. الدعوة فوق الحلَبَةِ أخلاقيا بما هي نابعة من أعماق الضمير المسلم. هي راسمة المصير التاريخي وراعية المسير التغيـيري، رافعة رؤوسَ المسلمين بالقدوة والسلطة المعنوية -والإلزامية السيادية أيضا- إلى النظر لآفاق العزة بعد ذلة، والمجتمع الأخوي بعد كراهية، والعُمْران التكافلي بعد خراب بيت الجبارين الناهبين خيرات المسلمين.

      ما هي نُهزة تُغتَـنَمُ بقطفِ أشواكِ الساعة، ولا هي نزهة للتشفـي بين أطلال ما يخلفه الطوفان، ولا هي زيارةٌ عابرة لمواطن الحكم ومعاقل السلطة. بل يَعني سنوح الفرصة التاريخية أن يتغير وجه المنظر العام. بحضـور القائمين بالقسط كما أمر الله تعالى عباده الصالحين، حضورا فِعليـا في كل ميدان، انطلاقا من حضرة المسجد وإشعاعا منه على كل مرافق الحياة.

      من أعلى، كما تُشِع الشمس على ربوع الأرض. الشمـس منبع الحياة وحضرة الحياة، لاَ يمنع ارتفاع مكانها من حضورها المُحيي كل ذرة من ذرات الأرض، وكل نبتة، وكل قائم وقاعد، وكل نابت وساع.

      في هذا القطر أو ذاك من أقطار المسلمين المجزَّأة الموروثة خرائطُـها عن عصور الفتـنة وتقسيم الاستعمار تدق ساعة الحقيقة. ويبعث الله الموْؤودة المدسوسة في التراب بأيدي الفاسقين: الدعوة.

      يبعث الله عز وجل وهو المحيي المميت أملا جديدا في القلـوب، وعزما أكيدا في الهمم. يلتئم علماء الدين وصالحو المسلمين وكل ذي غيرة على دين محمد صلى الله عليه وسلم وملة إبراهيم الخليل في رابطة تجمع الشمل وتنادي بالحق وتتعاقد على الوفاء لله ولرسوله بعهد التعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف وفعله والنهي عن المنكر وطرده.

      داخل كتلة التائبين المتعاقدين على ميثاق إسلامي عام، يدخل فيه من شاء ويخرج من شاء على ملإٍ من المسلمين، ينعقد تكتل رجال الدعـوة، ساقَتُه علماء الدين الخاشعون لله وجناحاه التائبون العابدون من أهل المسجد.

      الصالحون من رجال الحركة الإسلامية هم عَمَدُ فُسطـاط الدعوة وقادة حضورها ولسان فصاحتها وذراع قوتها.في كوكبتهم ينضوي العلماء العاملون الراجعون من غفوة كانت انتابت بعضهم.

      أولئك القيادة.

      وعلى مستوى الحكومة يحضر رجال الحركـة الإسلاميـة لا يغيـبون. يشاركون في وضع دستور مسيرة جديدة، وتشكيل حكومة وشغْل مناصب وكراسي، على وُسع المتاح من الكفاءات، إلى جانب ذوي الغنـاء والأمانة والقوة من أهل الميثاق الإسلامي ومِمّن يرضاهم المسلمون وينتخبونهم.

      يعني هذا أن نـنبِذَ ظِهْرِيّاً سُلَّم الترتيب الموروث عن بناء الاستعمار الخارجي والداخلي الذي لا يقيم وزنا لشيء يسمى الدعوة ولشـيء يسمى المسجد ومؤسسة المسجد إلا أن يكون المسجد مربضا للراكعين الساجدين الرعيّة المسلوبة الحق، أو يكون أُبّهة بنايات فخمة تخلد ذكرى الكبراء لتعبد فيها إلى جانب المولى العزيز سبحانه ذكرى المؤسس، تنسَب إلى اسمه المساجد ويذكر فيها اسمه مع اسم الله.

      جلَّ الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

      يذهب الله عز وجل بريح السلطة القامعة المشركة بالله، وبريح المعارضة السياسية الزاعقة الناعقة حينا الراكعة الممكور بها حينا.

      ويأتي ربنا سبحانه بقوم يحبهم ويحبـونه أذلّة على المومنـين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم. ذلك فضل الله يوتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم.

      ما كان قبلُ من فصل الدين عن الدولة إنما هو مُروقٌ عن الدين، مروقٌ متَـنَمِّسٌ من وراء واجهة الإسلام الرسمي الذي يصلي فيه حكام الجبر أمام كامرات التلفزيون، يُراؤون الناس ولا يذكرون الله. أو مروق سافر متَـنمِّر متغَوِّلٌ لا يستحي بعض رُواد الأحزاب الزاعقة الصاعقة أن يستظهروا به على الإسلاميين “المتطرفين” “الإرهابيين”.

      ما كان قبلُ تطوى صفحته رويدا رويدا بيد الحكم والحكمة ويد الموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.

      يدان متكاملتان، ليمناهما، يدِ الدعوة، حقّ الإشـارة والهداية والتوجيه وواجبُها،أمينةً على دين الله، أميرة على يد الدولة يدِ الحكم والحكمة والتدبير. كلاهما يقيم الدين من جانب تخصصه ودرايته وكفايته.

      وعلى الحركة الإسلامية فَرْضَ عيْنٍ أن تُوحّدَ قواها لتدعم صرح البناء الجديد على تقوى من الله ورضوان، صرح الدعوة السيدة. ولفصائل الحركة الإسلامية فضيلة المشاركة في الحكم بصفتها مجموعات، أو يتقـدم لفروض الكفاية كل امرئٍ بصفته الشخصية بما قدمت يداه، وبما معه من كفاءة ينفع بها أمته هنا ليجد جزاء ذلك عند الله خيراً وأبقى. والله عزيز حكيم.