اعتمد المخزن وما يزال سياسة الترهيب والترغيب كقاعدة لضبط الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي، ولكبح جماح كل من يجرؤ على تجاوز الرقعة المسموح له بالتحرك فيها، أو الظهور بمظهر الند الذي يمكن أن يهدد سلطته.

   وقد تمثلت سياسة الترهيب في الاعتقالات والاختطافات والتصفيات الجسدية، وما المقابر الجماعية المكتشفة مؤخرا إلا خير دليل على ذلك. بالمقابل تمثلت سياسة الترغيب من خلال العطايا، الدعم والمناصب السامية التي استفادت منها الأحزاب والزوايا والجمعيات والمنابر الإعلامية، هذه الأخيرة التي تلقت دعما سخيا تحت مسمى تأهيل المقاولات الصحفية وتحسين أوضاع العاملين. هذا الدعم الذي شمل منابر متنوعة بعدما كان مقتصرا في السابق على الجرائد الحزبية، وذلك بهدف تطويعها وتدجينها وإشراكها في مؤامرة الصمت، وبذلك لعب دور شاهد الزور على غرار مثيلاتها الحزبية.

   إلا أن المثير في الأمر حقا هو أنه إذا كان هناك بعض الجرائد تناضل من أجل الاستفادة من الدعم المالي، فهناك منابر أخرى تناضل من أجل الوجود، والاستمرار في ظل المنع والقمع والمداهمات الليلية لمنع طبعها، ومصادرتها رغم قانونيتها. ولا أدل على ذلك ما تعرضت له كل من “رسالة الفتوة” و”العدل والإحسان” التي واجهت قضيتهما الصمت والتعتيم رغم عدالتها على غرار باقي القضايا التي تهم جماعة “العدل والإحسان” التي لا تكاد تذكر مظلوميتها في التقارير الحقوقية والإخبارية.

   إن السؤال الذي يفرض نفسه بحدة على كل غيور على هذا البلد هو: هل يمكن الاستمرار في وضع الرأس في الرمل وغض الطرف عن الانهيار المتتالي الذي تعيشه البلاد في ظل التسيير العشوائي والتخبط على جميع المستويات؟

   إن الوضع المتأزم الذي تعيشه البلاد، والذي لم يعد خافيا على أحد رغم محاولات المنتفعين تكريس “كولو العام زين”، يقتضي من جميع الفضلاء والغيورين على هذا البلد التحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، وذلك من خلال تأسيس جبهة عريضة على أرضية ميثاق متفق عليه يحدد الحقوق والواجبات، ويؤسس لدستور حقيقي يقطع مع الدساتير الممنوحة التي جنت على البلاد، وبذلك تحقيق الحرية والكرامة والعدالة للمواطن، وبث روح الأمل والتعلق بالمستقبل بعد تفشي روح التيئيس وفقدان الأمل. وكذلك العمل على وقف هدر المال العام في مشاريع خاسرة ومهرجانات هدفها بث الفساد والإفساد ومبادرات لا جدوى فيها كما هو الشأن مع ما يسمى بالمغادرة الطوعية التي أفرغت البلاد من عقولها وأنهكت خزينة البلاد وجيوب العباد، وأثقلت كاهله بالزيادات المتتالية في الأسعار التي تهدد بفوران شعبي بدأت مظاهره من خلال مسيرات واعتصامات الطلبة والعمال والمعطلين، وأخيرا وليس آخرا الإحراق الجماعي للمعطلين الذين استنفذوا جميع الطرق لكن لا حياة لمن تنادي.

   لقد ضجر المغاربة من كثرة الوعود والنوايا، التي لم تزد الوضع عاما بعد عام إلا قتامة وسوداوية، بل دفعت الكثير منهم إلى اختيار “قطران بلدان الناس على عسل البلاد” إن بقي هناك من عسل لم تصله يد ناهبي قوت المواطنين.

   هل نحن في حاجة إلى تقارير ودراسات من مثل “50 سنة من التنمية البشرية بالمغرب وآفاق سنة 2025” لكي نعرف أننا نعيش أزمة خانقة، أو أننا وصلنا إلى الباب المسدود بسبب السياسات المخزنية المتتالية منذ عقود خلت، فأبسط مواطن يمكن أن يطرح تجليات الأزمة ومظاهرها ومن المتسبب فيها. كما أن الكثير من التقارير الوطنية والأجنبية تطرقت إلى الوضع الخطير الذي يعيشه المغرب على كل المستويات.

   إننا نحتاج قبل هذا وذاك إلى إرادة حقيقية للتغيير، وإلى مصالحة حقيقية تقطع مع الممارسات المنبوذة التي يعيشها المغرب، تعاد من خلالها الأموال المنهوبة، وتوجه ثروات البلاد لخدمة العباد، وتعاد فيها كرامة الإنسان والقطع مع سياسة “جوع كلبك يتبعك”.

   إننا نحتاج إلى توبة جماعية نتصالح مع الله عز وجل حتى يبارك الجهود، ثم إلى تضافر الجهود من طرف جميع الغيورين الصادقين حتى لا تتكرر نفس التجارب.