ما دام بيننا وبين من يزعم أنه مسلم ممن يتصدى للأمر العام ميثاق “جماعة المسلمين” يدخل فيه أو يرفضه على ملإ من الناس فلا نتهم أحدا في دينه ما لم يُـبْدِ لنا صفحة وجهه. أمامنا يومئذ أنظمة في موقع اليأس ونُخَبٌ متطلعة إلى الديمقراطية لكنها معزولة عن الشعب تُعاني كمَدَها. فيكفيها ذلك عُنْفا على نفسها. حاولَتْ وستحاول استِنبات الديمقراطية في أرض الإسلام، لكنَّ أرض الإسلام لا تنبت إلا زرُوع الإسلام.فمتى أبصرت أن الزروع الإسلامية أينعت واستغلظت واستوت على سُوقِها فسيكون لها معنا شأن غيرُ مواقف الرِّيـبة والخِيفَة والاتهام بأننا ظلاميون.

      الديمقراطية في بلاد المسلمين قضيةُ نُخَبٍ معزولةٍ تَبْحث عن قاعدة شعبية. ونحن نبحث عن الوسائل لإيقاظ أمة فيها الاستعـداد الكامل الراقد لحمل الرسالة، فيها القدرة الكامنَة على تحمل المسؤولية، لا تثق بقيادة غير قيادة نابعة منها، نامية في أحضانها، ماسكة بأعزِّ ما في كيانها وهو دينها.

      هذه ثلاث خصال إن حققنا فاعليتها وركَّبْنَا طاقاتها وصلنا إلى ما هو ممتـنِع مُعْجِزٌ على النخب المثقفة الغريـبة قلبا ولسانا عن الجماهير الشعبية. ووصلنا إلى إشراك الجماهير في حمل الرسالة الإسلامية، ومن فروض الحمل خوض المعارك السياسية معنا. ثلاث خصال: قابلية التلقي، وتحمل المسؤولية، والثقة في القيادة. دونَ هذا خرْطُ القَتادِ، لكن بغـير هذا يكون الحديث عن التغيير ضربا من الثرثرة وصَفيراً وهذَرا.

      النخب المثقفة ممتلئة بقضايا مصيرية هي: التنمية، والتحديث، والتطور، والتحرر من التبعية الاقتصادية، وتحقيق العدل الاجتماعي. هي ممتلئـة بتغيير يُصَوِّرنا على شكل النموذج المتفوق في نظرهم، ويلحقنا بركبه.

      ومعنا نحن الإسلاميين اهتمام بالقضايا المصيرية لاذع. هُمْ يرَوْنها من زاوية الديمقراطية، لا حَلَّ عندهم إلا الديمقراطيةُ، ولا مفتاح ولا مدخل. ونحن نراها من زاوية الإسلام، لا حل لها ولا مفتاح ولا مدخل إلا شورى الإسلام وعدل الإسلام ومشاركة الأمة في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في عمل الصالحات.

      إنه لا مُنْفَلَتَ عن الاستبداد التقليدي، ولا عن المتاهات والتجارب الفاشلة التي سلكها المغربون تحت قيادة الأنظمة التقليدية أو باستقلالهم تحت زعامة الأبطال القوميين، إلاّ إذا كان الشعب قادرا على التعبير عن إرادته، مُعَبّأ ليدافع عن اختياراته. وتلك حقوق وواجبات لا تحصل إلا بطول كفاح، لا تسقط على الشعوب من السماء. ولا تنوب الطلائـع المناضلة في ذلك عن مجهود السواد الأعظم.

      وقد راقب المغربون كيف يستجيب الشعب لنداء المسجد، وكيف تستعجم عليه لغة المثقفين المغربنين. لذلك فهم يتساءلون لِيُرَبِّكوا الرأي الشعـبي: هل الشورى والعدل بديل للديمقراطية أو إضافة إليها أو نسخـة منها أو تحسين لنماذجها أو علاج لأمراضها. ونجيب نحن بأن العدل والشورى هو دين الأمة الذي تحترمه، وأمل الأمة الذي يَـبْرُق في خيالها، ووعدُ الله ورسـولهِ الذي تُصَدِّقه. فإن كان في تصديق الأمة للأمل، وفهمِها للدين، وثقتها بالوعد، فتور فهو ناتج عن تقصيرنا في التبليغ، وعن الحصار المضروب على الحركة الإسلامية التي يراها أعداء الإسلام وأصدقاؤه ومراقبوه “القوة الوحيدة” ذات المصداقية التاريخية فيما مضى وفيما هو آت.

      فهل تحقق الشورى والعدل نفس الأهداف التي ترمي إليها الديمقراطية؟هل يمكن أن نتلاقى مع ذوي المروآت الديمقراطيين على جسر التعامل والتعاون؟ هل لديهم استعداد لِيَخْطُوا إلينا خطواتٍ بغير اقتراح الجبهة التي نكون نحن لهم بمقتضاها القاعدةَ الطاقيَّةَ المحرِّكَةَ ويكونون هم العقلَ المدبِّرَ والإرادة الموجِّهَةَ؟

      إذا كانت الصيغ المستوردة فشِلت في بلاد المسلمين وعقُمَت وعجزت فلأنها جهلت وتجاهلت نفسية المسلمين وتعلقهم بدينهم، وافتقـرت افتقارا مُدْقعا إلى الفهم، وأسرفت في تقليد الغير المنافي طبعا وفكرا ووِجهة لطبع الأمة وفكرها ووِجهتها.

      ولعلنا نكون مثل أولئك افتقارا وجهلا وإسـرافا إن لم نستمع لما عند الديمقراطية من مقال، وما تطرحهُ علينا من سؤال. على النية المضمرة المعلنة اللازمة دينا ومروءة أن يكون الجواب من عند ذاتيتنا، من صميم ديننا، لا من ترسانة الفكر المستورد. علينا أن ننظر بعين التمييز إلى ما تقترحه الديمقراطية في مجالات التّمانُع من الظلم، وتنظيم الخلاف، وتعدد الآراء، وآليات الحكم.

      تقترح الديمقراطية تعددية الأحزاب، وحرية معارضة تكون ضدا ورقيبا وناقدا وبديلا مستعدا للحكم القائم. وتقترح أن يكون للشعب الحرية في اختيار حكامه على أساس “صوت واحد للشخص الواحد”. وتقترح شعار “حكم الشعب بالشعب لصالح الشعب”. وتقترح تمثيلا نيابيا ومؤسسات تتعاقب عليها القوى السياسية الراضي عنها الشعب. وتقترح حرية التعبير والصحافة المستقلة ودولة القانون وفصل السُّلَط واحترام حقوق الإنسان. أهداف نبيلة هاتوها للنقاش على ملإ بين يدي صياغة ميثاق “جماعة المسلمين”.

      فنقول نحن: إن خلاصة ما تقترحه الديمقراطية يرجع إلى عمل مسؤول محاسَبٍ عليه، وإلى تمثيلٍ صحيح لرأي الشعب واختياره، وإلى إقامة مؤسساتٍ قاعدتُها حرية التعبير والمعارضة. فهل نحتاج لتحقيق هذه الأهداف، وهي بيننا وبينكم مشتركة، أن نتنَصَّل من ديننا وأن نجعل اللاييكية شرطا؟

      إن كل ما تقترحه الديمقراطية هباءٌ في هواء إن لم يحمل الشعب الرسالة ليَنتقل العمل من سؤال: “ما يمكن؟” إلى جواب: “ما يجب أن نَفْعَلَ”. من سؤال: “مَنْ يفعل؟” إلى جواب: “أنا لها!”. وتلك تَلْبِيَةٌ لا نسمعها ولن نسمعها من الشعب إلا إذا خاطبْنا فطرته، وناشدنا مسؤوليته، وحزنا ثقته. فهي إذن الشورى والعدل، لا الديمقراطية.

   نكون نحن الإسلاميين الفَرَس الغريبَ في الميدان إن لم ننتقِل بثقة وعزم من مرحلة النظر إلى الأفق الواسع والنقلة البعيدة لننخرط في الواقع.والواقع تعددية قائمة، أو تعددية في رأس قائمة المطالب المُلِحَّة على الأنظمة المأزومة. وسيُقَدِّمُ لنا انخراطنا في التعددية خدماتٍ جليلةً كما سيشكل علينا خَطرا. خِدمتُه أن نخرج من هامشية الشعارات العامة المبهمة لنقدم تصورا واضحا وبرنامجا قابلا للتطبيق، ونحتك بالواقع لنتعلم بالتجربة والخطإ والصواب. إيجابية انخراطنا في التعددية والممارسة أن نتميز عن الموقف المعارض غير المسـؤول الذي يطبُخُ شعاراتِ السخط.

      والخطر هو أن نجاري الأحزاب فتزحلقنا خارج الحدود الشرعية. الخطر أن تذوب الدعوة في الدولة، وأن يتسرب مشروع الهداية والتغيير العميق في رمال السياسة الآنية.

      لِذلك، ولِنَعْمَلَ على المكشوف والوضوح، نجعل بيننا وبين التعددية ميثاقا. يفرض الميثاقَ ضرورةُ الحال، لا نستغني عنه ولو تسلمنا مقاليد الحكـم على النموذج الإيراني. وإنَّ البديل لتعددية مقبولة مسؤولة هو أن نتحول جلادين. والبديلُ لميثاق يُعْرَضُ على الأمة ويناقش طويلا هو البقاء في الغموض والإبهام والنـزاع في الظلام.

      يمكن لبنود ميثاق “جماعة المسلمين” أن تصاغ على النحو الآتي. وقد حذوت في بعضها حذْوَ مقترحات مؤتمرٍ لعلماء باكستان منذ زُهاء أربعين سنة حين كانوا في بدايات مساورتهم ومحاورتهم للحكم.

      1- أساس الحكم وسنده العبودية لله وحده لا شريك له،والمسؤوليةُ بمعيار الشرع.

      2- كل القوانين الصادرة عن الدولة لا وزنَ لها إن خالفت الكتاب والسنة.ويحدَّدُ برنامج عمل للتدرج إلى إلغاء ما كان نافذا من القوانين الموروثة المخالفة للشرع.

      3- على الدولة أن تقيم المعروف وتزيل المنكر في كل مرافق الحياة بميزان الشرع.

      4- عليها أن ترفع شعائر الدين ليسود الدين في التعليم والإعلام والأمن وكُلِّ ما أمر الله به ورسوله من قضايا المجتمع.

      5- عليها أن تبني الحكومة على قواعد العدل والشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

      6- عليها أن تسعى لوحدة المسلمين في الأرض خَطَوَاتٍ تدريجيةً جادةً لهدم الحواجز التجزيئية.

      7- يتمتع أهل البلاد بجميع الحقوق التي يخولها لهم الإسلام من حفظ الدين والنفس والمال والعرض والعقل. وحرية العبادة مضمونة لمن بقي على دينه لا لمن ارتد عن الإسلام. والحرية الشخصية مضمونة، وحرية إبداء الرأي، وحرية التنقل، وحرية المبادرة للكسب، مع مراقبة الدولة لكيلا يكون المال دُولةً بين الأغنياء، ولكي يُنْصَفَ العامل ويسير الاقتصاد في اتجاه قسمة عادلة للأرزاق. وللجميع المساواة في فرص الترقي والاستفادة من المؤسسات العمومية.

      8- لا يُسلبُ أحد حقا من هذه الحقوق إلا إذا كان له مَساغٌ من الشريعة الإسلامية.

      9- تحافظ الدولة على ما تُبْرِمُهُ من عهود ومواثيق دولية، وتفاوض لإعادة النظر في العهود السابقة وتعديلها لرفع ما بها من حَيْفٍ أو مخالفة للشريعة.

      10- لا يعاقَب أحد بتهمة حتى يُسْمَحَ له بالدفاع عن نفسه ويحاكم ويُدانَ. والتعذيب والإهانة جريمة يسأل عنها ويعاقب أمام القضاء كل موظف تجاوز حدوده.

      11- رئيس الدولة لا يكون إلا الجامعَ بين القوة والأمانة، بين الدين والمروءة، وكذلك وزراء الحكومة وكبار الدولة.

      12- على علماء الدين الأتقياء الذين يخشون الله ويتوبون إليه مع التائبين مسؤولية خاصة: أن ينشدوا باتحادهم على الحق وبجمع كلمة الصادقين من المومنين والمومنات إقامة الدين وقيامه بسيادة الدعوة على الدولة. تطَهُّراً وإنابة إلى الله من أنظمة العض والجبر التي كان فيها سيف السلطان وجبروته متسلطا على القرآن وأهل القرآن.

      13- تبدأ المسيرة بوضع دستور موافق لروح الإسلام وشرعه، تضعه جمعية منتخبة انتخاباً حرا. يعيد بناء هياكل الحكم على أساس سيادة الدعوة وتفرُّغ رجال الدولة لتسيير الشؤون العامة وتدبـيرها.

      14- من البنود الرئيسية في الدستور تساوي الرئيس والمرؤوس-ابتداء من رئيس الدولة- أمام القضاء، ووحدة القانون، وفصل السلط،وإقامة العدل، والتناوب على السلطة، وحرية النشر إلا في ترويج الإلحاد والدعارة.

      هذا نحوٌ مما يمكن أن يتضمنه ميثاق “جماعة المسلمين”-تنقصه الصياغة القانونية والتدقيق-، ننـزل به للساحة متى قدرنا لتنطلِقَ كل مكونات الأمة وخلاياها الحية في منافسة شريفة آمنة داخل سياج الإسلام.ولمن شاء أن يَشْرُدَ ويشُذَّ كاملُ الحرية. والله بما تعملون عليم.