يأبى المخزن إلا التذكير   ما فتئ المحزن الجديد يرفع الشعار أن قد دفنا الماضي، دفنا سنوات الرصاص، وعهود القمع والإرهاب، وأن المغرب مقبل على عهد السلطة الجديدة التي فقهت أن المصالحة مع المواطن المغربي تبدأ بحفظ آدميته وكرامته. وهو ما غدت تتغنى به طاحونة الإعلام الرسمي ولواحقه، بل إن السلطة بعثت معتقلي الماضي من “هيأة الإنصاف والمصالحة” إلى أمريكا وأروبا ليحدثوا العالم أن المغرب المخزني الذي خبروا سجونه قد انتهى عهده، وأن فجرا جديدا قد حل وهل. ولكن ما الدليل على ذلك؟ جواب السلطة: استمعوا إلى خطبنا الديمقراطية. وماذا عن فعالكم؟ ننقل نحن وقائع 24 ماي لتكتمل عند القارئ صورة الديمقراطية المخزنية.

   الرباط: أبناء وبنات جماعة العدل والإحسان يعدون لأسبوعهم التعريفي بالجماعة ونهجها التربوي والسياسي السلمي، ثم تباغتهم قوات الأمن الذين يقتحمون المكان. الحصيلة: اعتقال 75 عضوا بينهم 25 أختا. ماذا قلتَ: حدث منعزل!

   تمارة: في مكان لا يبعد عن الرباط إلا بضعة كيلومترات تكون القوى الأمنية قد أنهت مهمتها، والنتيجة: اعتقال 50 عضوا بعد أن يكون مجموعة من الإخوان قد أصيبوا بكسور وجروح من شدة التدخل الهمجي لجهاز السلطة. ماذا قلتَ: أخطاء فردية!

   القنيطرة: أتصل بأحد الإخوة لاستفساره عن أحواله في الساعة السادسة مساء، فيخبرني أنه محاصر مع جمع من الإخوان في بيت من بيوت أحد أعضاء الجماعة من طرف أنواع من أجهزة السلطة الأمنية. أعيد الاتصال على الساعة العاشرة: لا زال الحال كما هو. ثم مع منتصف الليل: لا زلنا مطوقين. تصبح على حرية يا أخي فقد ذكرتموني حصار المناضل الفلسطيني أحمد سعادات.

   طنجة: تقتحم السلطات المخزنية بيتا من بيوت أحد أعضاء الجماعة وتكسر مجموعة من التجهيزات، وتحمل ما استطاعت من معدات، وتغادر المكان بعد أن تكون قد أخذت 20 أخا إلى مخافرها.

   سيدي سليمان: أحمل سماعة الهاتف وأتصل بأخ لأخبره بمثل هذه الحوادث التي تجري في مدننا الكبرى، ثم يفاجئني بقوله: لقد اعتقلوا عندنا 15 أخا ونحن في الطريق إلى “الكوميسارية” لنعتصم ببابها إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

   سوق أربعاء الغرب: تجيش السلطة أفرادها وتقف برزخا بين الناس وحضور النشاط العلني السلمي الحضاري الديمقراطي الهادف لأبناء العدل والإحسان.

الحفاظ على قوانين اللعبة   لقد بلغ عدد المعتقلين في بضع ساعات 140 أخا وأختا، وما زالت بعض المقرات محاصرة، فما معنى هذا؟

   لم يكن هناك شك أن هذه الاعتقالات قرار اتخذ على أعلى مستويات السلطة، وعُمم مضمونه على سائر العمالات والأقاليم التي اجتهدت في تنزيله بشكل سريع ومباغث. لكن بقي السؤال العالق: ماذا تريد السلطة من وراء ذلك: الإطباق على جماعة العدل والإحسان أم الإجهاز على “الأيام المفتوحة” للجماعة في وجه المواطنين؟

   إن كثافة عدد المعتقلين كانت توحي لأول وهلة أن السلطة ستنزل بقضها وقضيضها على أبناء الجماعة في كافة المدن والقرى، ولن يعوزها بعد الاعتقال أن تجد المسوغات؛ وإلا من ماذا استمد المخزن سمعته السيئة! لكن هذه الفرضية كانت تدفعها مقولة أن استهداف الجماعة في كليتها أصبح أمرا مستحيلا، كما أن المخزن إذا أراد هذا الاستهداف فهو يعتقل ويحاصر القيادات السياسية والميدانية والتربوية أولا قبل أن ينزل إلى اعتقال القواعد، وهذا أمر جربه المخزن ويعرفه أبناء العدل والإحسان عن قرب؛ خاصة منهم من عايش مرحلة نهاية الثمانينات وبداية التسعينات؛ التي حوصر فيها مرشد الجماعة واعتقل مجلس إرشادها وقيادات عدة من مختلف المدن. واليوم ما زال النظام معتقلا في حل قضية ذ. ندية ياسين لوحدها فهل يقامر ويفتح أمامه جبهات عدة مع جماعة أثبتت أن قوتها في الإبداع المتجدد لأشكال التدافع، وبفجائيتها وسرعة الحركة والمناورة، واتزان القيادة، والتزام القاعدة، وقيادة المعركة الإعلامية بشكل احترافي، يترك المخزن في حيص بيص.

   بقيت الفرضية الثانية هي الأقوى: إن السلطة تستهدف الأيام المفتوحة للجماعة على المواطنين، لاسيما بعد نجاحها الهائل في التواصل مع الناس بالآلاف في وجدة والدار البيضاء… لذلك فإن الاعتقالات طالت المدن التي كانت تفتتح هذه الأيام أو التي كانت تستعد لها. لقد أحس النظام السياسي بالحنق بعد أن رأى بعيني مخابراته كيف كانت وفود الناس تتقاطر على مقرات الجماعة للتعرف عليها عن قرب، وبدون وسائط إعلامية مزيفة. وهل هناك أقوى من التعريف المباشر الذي يفتح الحوار مع شخص باسمه، لا باعتباره رقما في عداد الناس!

   “أسيدي عندكم المقرات، وكنتركوكم ديروا ما بغيتوا، علاش كتخرجو للشارع العام!” هكذا كان جواب أحد باشوات إحدى المدن في استفسار لأحد مسؤولي الجماعة عن سبب هجمتهم الشرسة تجاههم. فماذا يعني ذلك؟

   يعني أن قوانين اللعبة الضمنية التي ما فتئ النظام السياسي يحاول إرساءها مع الجماعة أن: لا ضير أن تنشغلوا وراء حيطان مقراتكم تفعلون ما تشاؤون، لكن لا تخرجوا إلى الناس بمثل هذه الأشكال.

   إن النظام السياسي يعلم أن جماعة العدل والإحسان تشتغل مثل خلية النحل، وأن بيوتها لا تخلو من أنشطة على مدار السنة، بل إن بعضها يحتضن رباطات تربوية تستمر مدة أربعين يوما يشهدها المئات من المؤمنين، ومع ذلك فهو يصمت مُكرها لأسباب ليس هنا مكان تفكيكها حتى لا نطيل من حيث نريد الإيجاز، وقد وقف لائكيو المخزن مشدوهين أمام جماعة لم تخفت حركية بنائها الداخلي بعد أحداث 16 ماي الأليمة رغم علو أصوات استئصالية تدعو إلى محاربة كل المظاهر الإسلامية، لكن هدوء النظام السياسي هذا سرعان ما كان يتهاوى عند أي عمل علني يبادر بإنجازه إخوان وأخوات الجماعة على الصعيد الميداني الخارجي، بدءا من محاربة حق امتلاكهم منابر إعلامية، إلى حقهم في أن ينشطوا في مؤسسات جمعوية وفكرية وثقافية، بل حتى الرحلات والخرجات التي يؤطرها أفراد من الجماعة لعدد من الأطفال تواجه بأبشع الصور، وقد كان الهجوم الحاسم من النظام السياسي تجاه الجماعة متجليا في منع أبنائها من الاصطياف سواء في مخيمات معزولة في القفار أو بالنزول مع الناس في الشواطئ. وحجته المضحكة: انزلوا فرادى، ولا تصلوا فوق الرمال، فإنها معدة لغير ذلك!

   اليوم، يريد النظام السياسي أن يُذَكر بقاعدته الذهبية. مقدمته الاستدلالية: إن “الأيام المفتوحة” للجماعة تحقق انفتاحا كبيرا على الناس يتجاوز الحد المسموح به لجماعة ترفض الانصياع للإجماع المخزني. وما الحل يا مخزن: إما أن تكونوا حزبا سياسيا يعتقد ثوابت النظام السياسي ويصبح رقما إضافيا في الساحة المغربية، أو تكونوا زاوية تربوية تلوكون الكلم وراء الجدران. ليس هناك من خيار ثالث.

   ما كان لأبناء الجماعة التالين لقوله تعالى: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر و تومنون بالله” [آل عمران:110] أن يحصروا إنكار المنكر في ذوات أنفسهم بل وجب الخروج إلى الناس تربية لهم ووسطهم ومعهم، وليس هناك للتربية من معنى في حياة الأمة إن لم يخرج أصحابها إلى الناس يجادلونهم بالحسنى ويقترحون الحلول اجتهادا منهم، لا فرضها على الناس قهرا لهم. لكن المتعاطف الخائف يقول: هذا الخروج إلى الناس يلحقه أذى السلطة؟ لكن، هل تتأتى تربية الجماعة للناس إلا بالموقف! وهل الرجولة إلا قول “لا” في مَواطنها، وهل مسار الأنبياء إلا تعليما للأجيال أنما الخوف من الله عز وجل، ثم إن النظام السياسي يخدش وجهه المجعد بأيدي جلاديه، فلا يبقى من ديمقراطيته إلا صورة جلاده يحمل هراوة ينزل بها على العزل إلا من سلاح الكلمة.

   من يستطيع بعد اليوم أن يدافع عن مثل هذه المخازي من المخزن السياسي! لا أحد، إلا منابر عندها علم الحواة، تبرئ الظالم، وتقول للبريء: هيهات!

سوق أربعاء الغرب

الخميس: 25 ماي 2006