لا نريد أن نشك ولا أن نشكك في مروءة الفضلاء المثقفين، وبعض الظنّ إثم. كيف ومنهم مناضلون شجعان في صف المدافعين عن حقوق الإنسان! لكننا نرتاب عندما نرى صلة بعضهم بالمارقين الملحدين، ونرفض أن نكون لهم قاعدة لجبهة تسير بالمسلمين في درب التيه. لاَ تُضَارُّون معاشـرَ النظراء في المروءة، ولا تخشوا من عنف الإسلاميـين، فعنف البدايات شِرَّة طفولةٍ تكبُر، ووعكة صِبىً تَمُرُّ، وعَرامةُ شباب طافح. يكفيكم عنفا اليأسُ في عزلتكم عن الشعب،عَلَّ اليأسَ السياسيّ يوقظ فيكم ما نوّمَتْهُ الشمولية الثقافية التي احتلت منكم النخاع.

إننا أيها الفضلاء نَمُدُّ إليكم الجسور بالنية المبيتة أن تعبروا إلينا، وأن تركبوا سفينة نوح وتسيروا في قافلة إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم.

إشكاليتكم وهمُّكُم: كيف تتكون تحتَكُم حركة اجتماعية شعبية واسعة تحمِل الديمقـراطية؟ همُّنا وسؤالنا نحن الركبُ الغـادي الرائحُ مع النبيئين والمرسلين: كيف نلقى الله ربَّنا وهو عنا راضٍ، وكيف تحمل الأمة رسالة الله، كيف نُحَمِّلُها نحنُ؟ سؤالنا: كيف يقتحم العبد العقبة إلى الله عز وجل،وكيف نشَكِّلُ قوةً اقتحامية مجاهدة لنُحشر مع المجاهدين؟

نتفق معكم على أن لا خلاص للأمة إلا بإشراك قاعدة عريضة في الزحف. ونفترق في أنكم لا تَعدو أبصارُكم القوميةَ العربيَّةَ بينما نحن لا نستطيع، ولا ندري، ولا يجوز في شرعنا، أن نفكر فيما دون أمة الاستجابة، وبصرُنا بعدُ يخْرِق الآمال إلى أمة الدعوة.نفترق معكم في أنكم تريدونها ديمقراطيَّةً وثورة، ونريدها نحن قومة وجهادا وشورى. فلنجلس معا أمام المسلمين ليبين كلٌّ ما معنى الجهاد والشورى والدين عنده.

أنتم تركزون على نوعيَّة النظام، فوقع اختياركم على النظام الديمقراطي. فنقول: في هذا حوار ممكن معكم. لكننا لنا دين نظامُه في الحكم يسمى خلافة وشورى. ونرَكز على نوعيَّة الرجال الذين يُكَوِّنون القاعدة العريضة،ويَحْملون الدعوة، ويقومون بأمانة الخلافة وأعباء الشورى.

ما ترسمونه “حركة اجتماعية شعبية واسعة” وترجونه هو بالفعل موجود، هو الأمة الإسلامية، سَدَا كينونتها الدينُ ولحمتُها المروءة. والنَّسيج أصابه مع القرون وهْن. والوَلاية التي كانت رابطته أصابها انحلال.لكن العلاج بيدنا نَعْتُه، ومعرفتنا بمواطن الداء نِصف العلاج.

نتفق معكم على أن كل حديث عن التغيير هَذَرٌ بدون قاعدة يتفق عليها السواد الأعظم، وينهض لإخراجها من حَيِّزِ الأمل إلى حيِّـز التطبيق. لكن نختلف في أنكم تُنيطون مهمتكم التاريخية بمروآت تسمى الوطنية والديمقراطية والسياق، ونحن ننيطها بمومنين ومومنات تابوا إلى الله توبة نصوحـا فتأهلوا لحمل القرآن.من جملة مؤهلاتهم وضرورياتها المروءة.مروءة يطبعها الدين بطابع القَبول عند الله الملك الديانِ.

ولكيلا تحسبوا أننا في هذا الزمان نطلب الحوار وننصِبُ الجُسور منْ موقع الاضطرار لنجدَ بأي ثمن أعوانا لنا ونحن على وشْك أن نُدْخِل يدنا في العجين، نقرأ معكم مواصفات الرجولة التي نطمَح أن يُنبتها الله الملك الوهاب لتحمِل الرسالة،ونقرأ معكم شروط الوضوح، وعزة التميُّز،في كلمات لرجلين من رجال الجهاد في عصرنا.مطمحُنا مطمحُهم،وشروطُنا شرطهم،لأنه مطمح الإيمان وشرط الإحسان. مطمحنا وشرطنا الدين الوثيق والمروءة العالية.

كتب الأستاذ أبو الأعلى المودودي رحمه الله في كتاب “نظرية الإسلام وهديُه” ما يلي: “وبالجملة، فإن كُلَّ من أُعِدَّ لإدارة الدولة اللاَّدينية، ورُبّيَ تربية خلقية وفكرية ملائمة لطبيعتها،لا يصلح لشيء من أمر الدولة الإسلامية. فإنها (أي الدولة الإسلاميـة) تتطلب وتقتضي أن يكونَ كلُّ أجزاء حياتها الاجتماعية، وجميعُ مقـومات بِنيتها الإدارية من الرعية والمنْتخبين والنواب والموظفين والقضاة والحكام وقواد العساكر والوزراء والسفراء ونُظّار مختلِفِ الدوائر والمصالح، من الطراز الخاص والمنهاج الفذ المبتكر”.

قال رحمه الله: “وهي (أي الدولة الإسلامية) تـتطلب بسَجِيَّتِها رجالا يَخشَوْنَ الله ويخافونَ حسابه،ويُؤثرون الآخرة على الحياة الدنيا.والنفعُ والضررُ الخُلُقيّان عندهم أثقلُ في الميزان وأرجحُ كِفَّةً من النفع العاجل والضررِ اللاحقِ في الحياة العاجلة. وهم يُمسكون في كل حال بما وضع الله من دستور وبما سن لهم من منهاج للعمل للأبد”.

قلت: هذه عبارة أمْسِكُوها أيضا أيها الفضلاء، ولعل صياغَتَها تُـناسب مدارككم. أمسكوا أن دستورية القرآن الكريم وأبدية شرع الله العزيز الحميد هما الركيزة والقاعدة. وأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي المنهاج لا منهاج لنا غيره. وعلى قاعدةِ دستورية القرآن وأبدية الشرع المقدس ومنهاجية السنة وحُرمة الإجماع لنا المجالُ الواسع للاجتهاد كي نُسَلِّمَ العصر لا لكي نطور الإسلام. من سجن إشكاليتكم المستوردة الدائرة في الحلقة المفرغة والجدلية العقيمة بين التطور والجمود، والنهضة والقعود، والحداثة والأصالة، نناديكم لتخرجوا إلى فضاء الإيمان بالله وباليوم الآخر.وستجدون أن في كتاب الله وسنة رسوله وفقه شرعه وما أصله السلف الصالح من قواعد وما تتأهل له الرجولة الناشئة-أنبتها الله نباتا حسنا- مجالاً لترتيب حياة الإنسان هنا الترتيب البديع مع نيل رضى الله عز وجل هناك في يوم لا ريب فيه.

قال المودودي رحمه الله يصف رجال الدولة الإسـلامية: “وهم يسعَوْنَ دائما وراء ابتغاء مرضاة الله، ولم يتخـذوا من أغراضهم القومية والشخصية والشهوات سلطاناً على أنفسهم. وطهروا أنفسهم من ضِيقِ النظر والتعصب الأعمى. ولا تأخذهم نشْوة الكبرياء إذا آتاهم الله نصيبا من الملك والسلطان. ولا يَمُدّون أعينهم إلى زهرة الحياة الدنيا. وليسوا جوعى إلى الثـروة والجاه. وإذا امتلكوا خزائن الأرض كانوا أمناء بَرَرة. وإذا أُلقيَتْ إليهم مقاليد الأمر حرَّموا النوم على أنفسهم، وقضَوْا الليالي ساهرين حُـراسا لتكون الرعية في مَأمن على أنفسها وأموالها وأعراضها”.

هذه كلمة المـودودي رحمه الله تركها شهـادةً لمن يأتون بعده وقد استخلفهم الله رب العزة في الأرض. وترك سيـد قطب رحمه الله في كتاب “معالم في الطريق” شهادته في شرط الوضوح والتميُّزِ. تجاذبته رحمه الله داعيةُ التميز تارة فركز على “المفاصلة”،وعادت به رأفة الدعوة فمدَّ الجسور.وكتاباته بين تَقْصِيَةٍ لجاهلية شدت الخناق على الرقاب، وبين فرحة شامخة بالهداية للصراط المستقيم. قالها مدوية ورحل إلى رحمة الله ورضاه.نرجو ذلك له ولنا.

قال رحمه الله: “لن نتدسَّسَ إليهم بالإسلام تدسسـا. ولن نُرَبِّتَ على شهواتهم وتصوراتهم المنحرفة. سنكون صرحاءَ معهم غـاية الصراحة: هذه الجاهلية التي أنتم فيها نَجَسٌ، والله يريد أن يطهركم. هذه الأوضاع التي أنتم فيها خَبَثٌ، والله يريد أن يُطيِّبكم. هذه الحياة التي تَحيَوْنها دُونٌ، والله يريد أن يرفعكم. هذا الذي أنتم فيه شِقوة وبُؤس ونَكَد، والله يريد أن يخفف عنكم ويرحمكم ويُسعدكم.(…).

قال رحمه الله: “هكذا ينبغي أن نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام، لأن هذه هي الحقيقة. ولأن هذه هي الصورةُ التي خاطب الإسلامُ الناس بها أول مرة.(…).

قال رحمه الله: “نظر إليهم مِنْ عَلٍ لأن هذه هي الحقيقة، وخاطبهم بلغة الحب والعطف لأنها حقيقة كذلك في طبيعته. وفاصلهم مفاصلة كاملة لا غموض فيها ولا تردد لأن هذه هي طريقتُه. ولم يقل لهم أبدا إنه لن يمَسَّ حياتهم وأوضاعهم وتصوراتهم وقيَمهم إلا بتعديلات طفيفة! أو أنه يُشْبِهُ نُظُمَهم وأوضاعهم التي ألفوها، كما يقول بعضُنا اليومَ للناس وهو يقدم إليهم الإسلام. مرة تحت عنوان “ديمقراطية الإسلام”، ومرة تحت عنوان “اشتراكية الإسلام”، ومرة بأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والقانونية القائمة في عالَمهم لا تحتاج من الإسلام إلا لتعديلات طفيفة!!! إلى آخر هذا التدسس الناعم والتربيت على الشهوات”.

قلت: هنا وصل بنا سيد قطب رحمه الله إلى بيت القصيد، وهو الذي عرف الثقافة الجاهلية حق المعرفة، فلما نور الله قلبه بالإسلام أبصر قتامة ظلمة الجاهلية فحذر من “التدسس الناعم” الذي لم يكن إلا تنازلا لفظيا من قلم الأستاذ مصطفى السباعي رحمه الله حين كتب عن “الاشتراكية الإسلامية”. وهو تحذير بالغ الأهمية في زماننا الذي يتكلم فيه الرائح والغادي، والمبتَلُّ والصادي، عن الشورى ليقدمها نوعا من الديمقراطية، أو هي هي مع لَمَسات خفيفة.

قال سيد رحمه الله: “كلا! إن الأمر مختلف جدا، والانتقـالَ من هذه الجاهلية التي تعُم وجه الأرض إلى الإسلام نُقلةٌ واسعة بعيدة. وصورة الحياة الإسلامية مغايرة تماما لصور الحياة الجاهلية قديما وحديثا. وهذه الشِّقوة التي تعانيها البشرية لن يرفعها تغييراتٌ طفيفة في جزئيات النظم والأوضاع، ولن يُنجي البشرَ منها إلا تلك النُّقْلَةُ الواسعة البعيدة”.

قلت: رحمك الله! لقد كان لك من ركن سجنك فسحة لتنظر واسعا وبعيدا إلى آفاق تغيير شامل عميق. وما يفعل الجندي الذي أوقفه القَدَر على ثغرة الفتح، والعامل الذي وضع في يده القدر الآلة، والصانع الذي مدَّ القدرُ يده إلى العجين إن لم يرفع بصره ويخْفضه ليبصر الواسع البعيد تارة كما أبصرتَ، وليعود إلى مشاكل الساعة وعجين الوقت، وإلى الآلةِ في معاناتها!

ما يفعل هذا الموقوف على المهمة الحالَّة إن لم يُحاوِرْ ويلتمس معابِرَ للتواصل!

قال رحمه الله: “ولا بد أن نُرِيَ الجاهليّـةَ حقيقة الدرَكِ الذي هي فيه بالقياس إلى الآفاق العليا المشرقة للحياة الإسلامية التي نريدها.

قال رحمه الله: “ولن يكون هذا بأن نُجاريَ الجاهلية في بعض الخطوات، كما أنه لن يكون بأن نقاطعها الآن وننـزويَ عنها وننعزل. كلا! إنما هي المخالطة مع التميُّز، والأخذُ والعطـاء مع الترفع، والصدع بالحق في مَودة، والاستعلاء بالإيمان في تواضع، والامتلاء بعد هذا كلِّه بالحقيقة الواقعة: وهي أننا نعيش في وسط جاهلية، وأننا أهْدَى طريقا من هذه الجاهلية، وأنها نُقْلَةٌ بعيدة واسعة هذه النقلة من الجاهلية إلى الإسلام.

قال رحمه الله: “وأنها هوة فاصلة لا يُقام فوقَها معبر للالتقاء في منتصَف الطريق، ولكن ليَنتقل عليه أهل الجاهلية إلى الإسلام، سواءً كانوا ممن يعيشون فيما يُسمى الوطن الإسلامي ويزعمون أنهم مسلمون، أو كانوا يعيشون في غير “الوطن الإسلامي”.

قلت: رحمك الله من مفاصل مواصل. وإننا إذ نمُدُّ الجسور لا نـتَّهِمُ من يزعم أنه مسلم في دينه ما دام “حلف الفضول” بينـنا وبينه، ويُوَفِّي المروءةَ حقها ويمشي مع المستورين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وربك الغفور ذو الرحمة. لا إله إلا هو العزيز الحكيم.