فقه القطيعة الذي يقسم العالم إلى دار إسلام ودار حرب نشأ تحت ظل حكم السيف والتطاحن بين إمارات مستولية بعضها في صـراع مع بعض، وبينها وبين عدو محيط صراعات:تارة هو مع “أحكام المسلمين وأمانهم”، وتارة هو مع الأمان دون الأحكام.

ونشأ في عصرنا فقه التكفير والهجرة في سجـون عبد الناصر من محنة الإخوان المسلمين واجتهاد بعض الدعاة الذين تشددوا في استعـلائهم على الجاهلية ومفاصلتهم معها على مدى النكبة، حتى توج الاستشهادُ الاجتهادَ فقلد اللاحقون السابقين، ولم يروا في العالم إلا جاهلية وإسلاما بينهما خط فاصل واضح. لم يروا شيئا من ظـلال الفتنة واشتباك الجاهلية بالإسلام وارتباكِه بها.

فقه القطيعة هذا يخيم على العقل الإسلاميّ، وينبغي أن نَتَحرّر من هذا الفقه التاريخي لنؤَسس على قواعد التبليغ النبوي ونحمل للناس الدعوة في أسواقهم ومنتدياتهم وقبائلهم وبواديهم وحواضرهم كما كان يفعل محمد صلى الله عليه وسلم.

فقهنا عندئذ يقسم العالم إلى أمة استجابة هم المسلمون اليوم، وإلى أمة دعوة هم سائر الناس والأجناس. المسلمون اليوم فيهم الفتنة ناشِبة، والكافرون اليوم لعل منهم أشدَّ الناس عِداء “لهذا الشأن حتى يقَعَ فيه”. بيننا وبين هؤلاء المروءة والرجاء أن يهدي الله ربنا بنا رجلا واحدا أو امرأة.

هل معنى هذا أن نغيِّب أكثرَ مما هي غائبة فريضة الجهاد؟ لا،وإنما معناه أن الذي أمرنا بالجهاد أمرنا قبله بإعداد القوة إعداداً طويلا، علمنا بالمِثال والمقال أن الجهاد أصناف أولها الدعوة والتبليغ والحكمة والموعظة الحسنة ومجادلة الناس بالتي هي أحسن.

حوار بين فريقين من المرضى، بيننا وبين الفضلاء المثقفين. نستمع إليهم لنعرف ماذا يريدون ولماذا؟ كيف ينظرون إلى الإسلاميين ومم يخشون؟

يخشون من عنف الإسلاميـين، ويرون العنف السياسي “إحدى الظواهر المرضية للحياة السياسية العربية، لأننا نرى أنها تهدد بتفجير المجتمع العربي،الأمر الذي يؤثر في مستقبل الأمة العربية تأثيرا سلبيا”. هكذا كتب أحد الفضلاء، ونحن نوافقه، وهذا أول الحوار.

ويعتبر الفاضل المثقف محمد سعيد أبو عامود أن الجيش والإسلاميين هما مصدر الخطر والعنف في الحياة السياسية العربية. ويكتب: “القـوة الوحيدة المؤهلة للقيام بهذا الدور (الوصول للحكم عن طريق العنف) هي جماعات الإسلام السياسي. وذلك بحكم توافر عناصر القوة اللازمة للقيام بهذا الدور لديها في الواقع المعاصر. ويثور التساؤل عما يمكن أن يحدث في حالة تحقق هذا، هل سيتراجع وينتهي العنف السياسي في المجتمع العـربي أم سيتصاعد؟ التجربة الإيرانية تؤكد تصاعد العنف مع وصول آيات الله إلى السلطة. والتجربة السودانية تقدم نموذجاً يُؤَكد هذا، وإن كانت أقل عنفا من التجربة الإيرانية. ومِن ثَم فوصول قُوى الإسلام إلى السلطة من شـأنه أن يؤدي إلى تصاعد العنف السياسي في المجتمع. تؤكد هذا الأطروحـاتُ الفكرية لهذه الجماعات، وسلوكُها السياسي تجاه من يختلفـون معها في الرأي”.1 انتهى كلامه.

ويعترف الفضلاء المثقفون بافتقار حاملي الفكر المغرب إلى الشعبية التي يتمتع بها الإسلاميون، كما يُبدون خشيتهم أن تفوتَ الفرصةُ العربَ القوميين والإسلاميين، فلا يستطيعون دعم الديمقراطية القومية بالشعبية الإسلامية، ولا تتويج الشعبية الإسلامية بالديمقراطية القومية. فهم يَمُدُّون إلينا بدعوة لتكوين جبهة ديمقراطية لا يُخفون المقصودَ منها. المقصودُ منها المعلَـنُ أن يركبـوا الموجة الإسلامية. لا أقل ولا أكثر. مقصودٌ معلَن لمن يقرأ الكلام الإديولوجي الأكاديمي بين السطور. والتعبير بركوب الموجة منا، ولعله جفـوة ونحن في بداية الحوار، لكنه وضوح ضروري.

يكتب الفاضل المثقف المدبر وحيد عبد المجيد في نفس المجلة: “وهنا يبرز السؤال المهم: هل يوجد تنظيم سياسي أو نقابي في أحد الأقطار العربية يمكن له القيام بهذا الدور؟ (تحويل الحركة الشعبية إلى حركة اجتماعية واسعة تمثل المسألةُ الديمقراطيَّةُ محورَها الأساسيَّ).

ويسرع فيجيب الفاضل: “الإجابة السريعة هي بالنفي رغم ما يقـوم به التيار القومي العربي منذ بداية الثمانينات من جهد مكثف في مجـال الدعوة الديمقراطية. لكن لا يزال هذا التيار بعيدا عن التغلغل في المجتمع كغـيره من التيارات. باستثناء التيار الإسلامي في بعض الأقطـار. ولذلك فإن هذا التيار هو الوحيد الآن في الوطن العربي، إذ أنه يمتلك مقـومات تشكيل حركة اجتماعية واسعة بالنظـر إلى تغلغله في المجتمع وقدرته على الوصول إلى الناس في كل مكان”.

قال: “ومن ثَم يمكن له أن يكونَ نواة لجبهة ديمقراطية. لكنَّ مشكلة هذا التيار (أقول: بل مشكلتكم) أنه لا يتبنى الدعوة الديمقراطية بمفهومها الحديث العالمي، وإنْ كانت قطاعات، داخلَة، لم تعُد بعيدة عن هذا المفهوم كما يتضح من مناقشات ندوة “الحوار القومي الديني” التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية عام 1989″.

قال: “لكن هذه القطاعات لا تزال هامشية وغيرَ مؤثرة في التوجه العام للتيار الإسلامي.وهو توجه بعيد عن الديمقراطية إن لم يكن معادياً لها في بعض الحالات. ولذلك فالواضح أن كثيرا من ممارسات هذا التيار لا يزال عائقا أمام إقامة جبهة ديمقراطية ذات ثقل”.

قال: “الجبهة مع هذا التيار لا يمكن أن تكون ديمقراطية، والجبهة من دونه لا يُتَصَوَّرُ أن تكون شعبية.ولِذا فإحدى القضايا الرئيسية التي ينبغي بحثها جديا هي قضية موقف التيار الإسلامي في الوطن العربي من المسـألة الديمقراطية، وكيفية التأثير في هذا الموقف بشكل يتيح ظروفا أفضل للسعي إلى بناء حركة اجتماعية من أجل الديمقراطية”.2 انتهى كلامه.

قضية عند الفضلاء رئيسية أن يعرفوا موقف الإسلاميين من الديمقراطية. وقضية عملية أن يتخذوا من الإسلاميين “نواة” شعبية من الفَعَلة في صف جَبهة يقودونها هم إلى غاية “الديمقراطية العالمية”، يقدرون هم بما معهم من فضل المعرفة بالفكر الغربي أن يقودوا الجبهة إلى تشكيل حركة اجتماعية واسعة لها ثقل.

وقضيتنا نحن مصيرية. نحن نطلب الإسلام لا الديمقـراطية. ليكن هذا واضحا. وما في الديمقراطية من دروس في تنظيم الخلاف وترتيب تعددية الآراء في نظام تعددية الأحزاب إلى سائر ما تمخضت عنه تجارب أوربا من دراية في هذا المجال شيء لا ننكره ولا نرفضهُ. الديمقراطية في بعض أهدافها شطـر مما بُعثنا به. بُعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى. فإذا كانت الديمقراطية تضع حدا للتسلط على العباد فنحن، هَبَّةً واحدةً، مع كل ذي دين ومروءة لنقول نعم. لكنَّ الشطر الإيجابي، ما يأتي بعد سَلْب التسلط ونقض بنيانه، أمر لا تفي به الديمقراطية ولا تعرفه.

قضيتنا نحن قضية مصيرية يرتبط فيها خلاص الأمة من محنتها التاريخية بخلاص الإنسان من جهل من خلقه وجهل ما هو صائر إليه من الشأن العظيم شأن الآخرة. فإذا دعوتمونا -معشَرَ الفضلاء المثقفين- لجبهة ديمقراطية نكون فيها النواة الشعبية المَسوقة فنحن ندعوكم إلى مراجعة أصولكم الثقافية ذات النـزعة التوفيقية المرتبكة في معضلة الجمع بين الأصالة والمعاصرة.

تحاولون لف الإسلاميين الشعبيين، وهم القوة “الوحيدة” بشهادتكم، في مشروع أسئلتُه من هناك وأجوبته ملفقة مما أعطته العالميـة الديمقراطية ومما تطمحون إليه من تسييرنا في قافلة اللحاق بذلك الركب السائر في التيه. ومتى كنا بجنبكم، نواه شعبية مُوَجَّهة، فقد اكتملت لكم بالقوة العضلية الإسلامية مقومات الحركة السياسية التي تخرجكم من عزلتكم وتعيدكم من منفاكم!

مشروعنا أيها الأعزاء أن تدخلوا الميدانَ على شرطنا.من المتوَقَّعِ في ظروف هذا القطر أو ذاك، وفي مرحلة من مراحل نمو الحركة الإسـلامية، أن نسيرَ معكم شوطا بشروطكم التعددية الديمقراطية. لكنَّ هدفَنا هو أن نصارح، نحن وأنتم، الشعب بما ننوي وتنوُون، وأن نخرجه من “دين الانقيـاد” الذي عاش عليه قرونا، وأن نوقظه من وَسَنِ “الذهنية الرعوية” التي طبعتهـا عليه تقاليد الاستسلام و”البعد عما لا يعني”، لكي يفهم ويختار ويشارك ويفعل. لا يكونُ مفعولا.لا يكون رهينة بيننا وبينكم.وأين أنتم عافاكم الله من أن يستمع إليكم الشعب وأنتم في أبراجكم العاجية تمضغون الكلام الإديولوجي؟

ندعوكم أن تدخلوا معنا الميدان على شرطنا وهو شرط الإسلام.هذه هي الوسيلة الوحيدة للتفاهم، حتى لا تكون فتنة ويكونَ الدين كلـه لله. حتى لا يزورَ هاجس العنف ربوعَنا.والعنف باسط جناحيه في أفق الفشل الذريع الذي جره على الأمة تنازعكم ما بين لبراليين يمينيين وقوميين يسـاريين اشتراكيين وحدويين. ولا نحب العنف ولا نقول به. ونعوذ بالله العلي العظيم من خصلة العنف وهي ملمح من ملامح الجاهلية،ولازمة من لوازمها، ومعنى من معانيها.

لكيلا تكونَ فتنة ويكونَ الدين كله لله ندعوكم إلى ميثاق نطرحُه على الأمة للنقاش الواسع، تقبله الأمة أو ترفضُه، تدخلون فيه أنتم معنا أو نترككم أحرارا في انقساماتكم. هذا الميثاق يقترح على الأمة أن يكونَ لها، أن يكونَ منها، قاعدة سياسية متعددة التنظيمات الحزبية والنقابية والمهنية إلخ. قاعدة تسمى “جماعة المسلمين” تكون لنا فيها رابطتنا الإسـلامية تضم تنظيمات الإسلاميين في جبهة إسلامية، وتكون لكم فيها وبمقتضى ميثاقها وبالتزامكم ببُنوده أحزابُكم وتنظيماتكم. وربما تدْعونا الضرورةُ وتدعوكم يوما لتشكيل حكومة “وِفاق وطني” نعمل فيه نحن وأنتم جنبا إلى جنب، ونحمل معا عبء الحِمل الثقيل الموروث مما أفسده السلطان العاض والجبري ومما أفسدتم. نعمل نحن وأنتم ونحمل ونصلح على بساط المروءة وفي ظل الميثاق.

أو تختارون عدم الدخول في ميثاق “جماعة المسلمين”. وذلك إليكم، لا تُضارُّون فيه ولا تخشوْن منا عنفاً. شرطنا الوحيد أن تعلنوا رفضكـم لذلك الميثاق، وأن تنتقدوه ليعرف الشعب،وليهلِكَ من هلك عن بينه ويحيى من حيي عن بينة. وإن الله لسميع عليم.